|
|
غلق | | مركز الدراسات والابحاث العلمانية في العالم العربي | |
|
خيارات وادوات |
رياض الشرايطي
2025 / 7 / 1
من واجبنا أولا أن نشكر الرّفيق عماد حسب الرسول الطيب المتفاعل مع المقال "هل لا يزال لليسار معنى في ظلّ العولمة النيوليبرالية؟"، ليس فقط على تفاعله بل على عمق ملاحظاته وشجاعتها الفكريّة، التي أثارت بدورها سلسلة من الأسئلة الجذرية لا يمكن ولا يجوز أن تُؤجَّل. إنّنا لا نردّ هنا بدافع الدّفاع أو التّبرير، بل إيمانا بأنّ الفعل الفكري الصادق هو ما يُعيد مساءلة نفسه كلّما اصطدم بإرادة فهم مغايرة، وأنّ الحوار بين الرّفاق في خنادق النّقد الرّاديكالي لا يقلّ أهمية عن الصراع ضدّ المنظومة. كما كتب تروتسكي في لحظة عزلة: "إنّي لا أخاف النقد، بل أخاف الصمت المتواطئ."
لقد اعتبر الرّفيق أنّ المقال بقي في دائرة "الرمزي" ولم يغص بما يكفي في شروط الإنتاج الطبقي، التنظيم الثوري، وبنية التحالفات. وهي ملاحظات مشروعة، بل وجوهرية. غير أنّ الردّ أغفل نقطة مركزية: لم يكن النص محاولة للإجابة على سؤال: "ما العمل؟"، بل كان صرخة أولى داخل فضاء يساري مختطف، لغة وموقفا، كان لا بدّ من استعادته أولا من قوى التدجين والتزييف، قبل وضع أي أجندة تنظيمية.
لقد فُهم النصّ، ربّما، بوصفه نصا مكتف بذاته، مكتمل المشروع، بينما هو لم يكن إلا المرحلة الأولى من ثلاثية في الكتابة اليسارية نشتغل عليها: (1) تفكيك المفردات، (2) تشخيص البنية الطبقية في ظل النيوليبرالية، (3) ملامح البديل التنظيمي. وإذا كنّا قد بدأنا من تفكيك اللّغة، فلأن النيوليبرالية المعاصرة ليست فقط نظاما اقتصاديا بل أيضا نظام دلالي يُفرغ المفاهيم من مادّتها التاريخية، كما نبّه بيير بورديو حين قال: "الهيمنة الرمزية لا تحتاج إلى بنادق، بل إلى إجماع لغوي يُفرغ المعاني من الثّورة."
لكنّنا، وفي الآن ذاته، نُقِرّ أن النصّ لم يُسمّ العدوّ بدقّة كافية. نعم، لم نحدّد أنّ الدولة النيوليبرالية هي الموقع الأبرز لإعادة إنتاج الهيمنة الطبقية، ولم نُحِل على المؤسسات الدولية بوصفها أدوات هندسة خضوع، ولم نكشف بالبنية المادية للفئات التي تصعد على أنقاض الطبقات الشعبية. وهذه ثغرة لا نتهرّب منها. ومع ذلك، أليس من حقّ المقال أن يصرخ قبل أن يخطّط؟ أن يُثير الفزع قبل أن يرسم الطريق؟
الرّفيق يطلب مشروعا ماركسيا متماسكا، يتحدّث عن ديكتاتورية البروليتاريا، عن مصادرة وسائل الإنتاج، عن تحطيم جهاز الدولة. ونحن معه تماما، غير أنّ السؤال الواقعي اليوم هو: لمن نكتب؟ وأين هو الحزب الذي نُعلن معه هذه الشعارات؟ إننا نعيش عصر انحلال الأحزاب الثورية، وتيه الجماهير بين منظومة سحق ومجتمع مدني مموّل، ومثقفين يبيعون الرمزية مقابل منحة أو سفرة. فهل نبدأ بطرح برنامج السلطة، أم بخلخلة الإجماع الثقافي على أوهام التغيير من داخل المنظومة؟ لقد كتب سلامة كيلة: "الثورات تُهزَم حين تسبقها البرامج وتغيب عنها الجماهير."
أما مسألة التنظيم، فنحن لا نتنكّر لها، بل نراها أولويّة. لكننا نحذّر من أن تُختزل الماركسية في النقاش حول الحزب الثوري دون تفكيك الأنساق التي تمنع الجماهير من إعادة بناء ذاتها الطبقية. كيف نبني التنظيم، والطبقة العاملة ذاتها لم تعد تتجسّد في المصنع وحده، بل في الأحياء المهمّشة، في البطالة المقنّعة، في الهجرة القسرية، في اللايقين العام؟ وكما قال توني نيغري: "الثّورة اليوم لا تقوم من خطّ إنتاج، بل من شبكات الغضب المتناثرة."
من هنا كانت المقاربة الأولى للنصّ تُركّز على تفكيك ذلك اليسار الذي فقد خياله الطبقي، لا فقط موقعه الاجتماعي. ولم يكن هدفنا التهكّم عليه، بل كشف أدوات ترويضه. فإذا كانت الماركسية علما للصراع كما أشار القارئ، فهي أيضا علم لتشريح الخيانة.
نعم، نوافق أنّ مجرّد استدعاء ماركس وغرامشي لا يصنع ثورة، لكنّنا لا نستخدم هؤلاء كمراجع بل كحفّاري وعي، يُنبّهوننا أنّ اليسار ليس موقفا أخلاقيا، بل انحياز طبقي ملموس. وكما قال أنطونيو غرامشي: "لا يكفي أن تكون على حقّ، بل أن تخلق شروط أن تكون على حقّ ضمن ميزان قوى ملموس."
أمّا ما اعتُبر غيابا لرؤية تنظيمية، فنراه نحن إقرارا بعدم التسرّع. لأنّ الفعل الثوري الذي لا يقرأ شروطه الاجتماعية لا يبني حزبا، بل طائفة. وقد قالت روزا لوكسمبورغ: "الحرية الثورية لا تأتي من الإرادة، بل من بُنية الطبقات المتحركة في لحظة تاريخية معينة."
وفي مسألة "من هو العدوّ؟"، نحن نُقرّ أنّ النصّ لم يضعه على لافتة. ولكن العدوّ واضح لكلّ من يرى المشهد: هو الرأسمالية العالمية التي تُفرغ الهويّات من مادّتها الطّبقية، هو الدّولة بوصفها جهاز قمع ناعم، هو السّوق وقد صار الدين الوحيد المسموح باعتناقه، وهو كلّ يسار يخجل من الحسم.
لقد كان الردّ الموجّه لنا، رغم شدّته، متماه معنا أكثر مما يبدو. فهو أيضا يطلب الثّورة، ويُشكّك في يسار النوايا، ويريد العودة إلى الطبقات لا إلى المانحين. لذا، فإنّنا لا نردّ عليه من موقع الخصومة، بل من قلب نفس الجبهة، ولكن مع اختلاف موقع القصف. ولعلّ وحدة الميدان هي ما تسمح باختلاف الأسلحة.
نختم بكلمات تروتسكي التي تُلخّص الموقف بأكمله: "إنّ أزمة البشرية الراهنة هي أزمة قيادة. فإمّا أن تظهر قوة تنظّم الغضب في وجه رأس المال، أو يُترك العالم للفوضى المبرمجة."
هذا النص، إذا، لم يكن نهاية النقاش، بل بدايته. ولسنا إلا رفاق طريق، نُسدّد لبعضنا بعضا، لا لنربح الجدل، بل لنربح الثورة.