هل يكون العدوان على إيران حافزا.. عِوض أن يكون رادعا؟

سليم يونس الزريعي
2025 / 6 / 26

انتهت موقعة الاثنا عشر يوما، لكن لم تنتهي أسباب الحرب، ومع ذلك أعلن كل طرف أنه انتصر في هذه المعركة، وكل له معيار مختلف في قياس أسباب ذلك الانتصار، ومع أن الحقيقة موضوعية، وهي أيضا محايدة، غير أنه في غياب المعلومات من جهة محايدة ، يقوم كل طرف بخلق سرديته الخاصة التي أحيانا لا تقنع حتى الطفل؛ لكنه يعتبرها حقيقته الموضوعية المطلقة.
ويصل البعض حدود التطرف في مبالغته فيما يتعلق بإنجازاته، مثال ذلك قول رئيس حكومة الكيان الصهيوني بنيامين نتنياهو، بأن الكيان "حقق نصرا تاريخيا سيُذكر لأجيال"، عبر ما سماه إزالة "تهديدين فوريين: البرنامج النووي الإيراني وقرابة 20 ألف صاروخ باليستي"، إضافة إلى عمليات الاغتيال التي استهدفت قيادات عسكرية وعلماء نوويين.
لكن نتنياهو وهو يتحدث منتشيا بما سماه النصر التاريخي، تناسى أولا أن الصواريخ الإيرانية الأكثر قوة ودقة وتأثيرا، قد بدأت طهران استخدامها في الأيام الأخيرة من المعركة، وأنها واصلت استهداف الكيان حتى بعد تحديد ساعة وقف إطلاق النار، ويتجاهل نتنياهو ثانيا، أن من استهدف مواقع إيران النووية هو رأس الشر في هذا العالم؛ الولايات المتحدة الأمريكية، بعد أن عجز الكيان عن القيام بذلك، وأن برنامج إيران النووي لم يتضرر، وفق معطيات استخباراتية أمريكية.
ثم وحتى لو كان ما قاله نتنياهو فيه جانب من الصحة، فإن الصحيح أيضا؛ هو أن إيران دولة كبيرة تتحاوز مساحتها المليون و600 ألف كيلو متر مربع، وعدد سكانها يتجاوز الـ91 مليون نسمة، وهي لذلك ليست قطاع غزة، أو الضاحية الجنوبية من بيروت؛ أو حتى الحوثيين، التي يمكن محاصرة قدراتها العلمية ومُكنة تعويض ما فقدته، وتجديد ترسانتها مع الاستفادة من درس ما جري خلال تلك الأيام، بفعل العدوان، والشاهد؛ أنه إذا كانت القوى الفلسطينية، وهي المحاصرة من قبل الكيان والجغرافيا، قد كونت ترسانتها في ظل ذلك الحصار الممتد منذ سنوات، فهل ستعجز طهران الدولة بمساحتها وكتلتها البشرية، وقدراتها الاقتصادية، وهي التي تمتد من المحيط الهندي حتى بحر قزوين عن فعل ذلك.
لكن إذا كان نتنياهو قد نجح في جر ترمب إلى المعركة، فقد أفسد الإعلام الأمريكي على الرئيس الأمريكي مُكنة التباهي بإنجازات طياريه في اجتماع الناتو الذي عقد في أوروبا، عندما شكك في صدقية سردية ترمب تدمير المنشآت النووية الإيرانية، وهو ما أثار غضبه، وهو الذي كان قد أعلن أن "مطرقة منتصف الليل"، دمرت تماما برنامج إيران النووي، وهو ما شككت فيه بعض التقارير، المخابراتية الأمريكية، المصنفة تحت عنوان سري جدا ، عندما أكدت أن نتيجة القصف لم تتعد على الأرجح سوى تأخير البرنامج النووي الإيراني بضعة أشهر فقط.
ووفقا لتقييم أعدته وكالة استخبارات الدفاع الأمريكية، فإن النتائج الأولية تتعارض مع التصريحات المتكررة للرئيس الأمريكي، الذي أكد فيها أن الضربات دمرت بالكامل منشآت التخصيب النووي الإيرانية، وكذلك مع تصريحات وزير دفاعه الذي قال إن الطموحات النووية الإيرانية "قد دمرت بالكامل".
في حين أن التقييم الاستخباراتي أشار إلى أن مخزون إيران من اليورانيوم المخصب لم يتأثر بالضربات، كما أن أجهزة الطرد المركزي بقيت سليمة إلى حد كبير، مع وجود تقارير عن نقل اليورانيوم المخصب من المواقع قبل الضربات.
وإذا ما تركنا تلك الذهنية التي تصر على أنها" عنزة وإن طارت"، نجد أن الإيرانيين من جهتهم ردوا بالقول إنه من "السذاجة بمكان" إبقاء اليورانيوم في نفس المكان في تلك المواقع، وأكدوا أن "اليورانيوم المخصب لم يُمسّ الآن"، ذلك أن إيران نقلت اليورانيوم المخصب ومعداته من منشآتها النووية في الأيام الأخيرة، وفقا لصحيفة نيويورك تايمز، التي أضافت " إن الأمريكيين حاليا لا يعرفون على الأرجح مكان اليورانيوم المخصب الذي تم نقله من المنشآت النووية الإيرانية قبل القصف. وأن كمية اليورانيوم المخصب بحسب أغلب التقديرات، تكفي لإنتاج ما بين 8-10 رؤوس نووية.
ليأتي حديث خامنئي يوم الخمس، وهو يهنئ الشعب بما سماه "النصر"، من أن "المواقع النووية الإيرانية لم تتعطل ولم تحقق أمريكا الكثير من قصفها"، مشيرا إلى أن "الرئيس الأمريكي دونالد ترمب بالغ في تضخيم حجم الهجوم الأمريكي لكنه يعلم الحقيقة"، ويمكن القول هنا إن حديث خامنئي هو نفي ضمني لسردية ترمب ونتنياهو، تدمير المواقع النووية الإيرانية، وهذا في كل الأحوال يضيف بعدا آخر إلى تشكيك وسائل إعلام أمريكية التي نقلت عن تقارير للمخابرات مقاربة مختلفة عن خطاب الرئيس ترمب، مما جعله يتهم كلا من قناة "سي إن إن" وصحيفة "نيويورك تايمز" بالسعي لتشويه مصداقية الضربة الأمريكية على إيران، وذلك بعد أن أفادت تقارير، بأن المنشآت النووية الإيرانية لم تتضرر بشكل كامل.
لكن يبقى جواب السؤال على كل ذلك، هو في النهابة لدى إيران بعيدا عن خطاب النصر الخامنئي، التي كانت بلده مخترقة من الداخل بشكل غير مسبوق، بل وميدان رماية مفتوح للكيان الصهيوني، وهو الجواب الذي ربما مفاده، أن العدوان ما كان؛ ولن يكون رادعا لامتلاك السلاح النووي، وإنما جاء ليكون حافزا غير معلن للحصول عليه، وعلى هذا الأساس يمكن فهم، تأكيد المندوب الإيراني لدى الأمم المتحدة في جنيف، من أن "طهران لن تتنازل عن حقها، غير القابل للنقاش، في الطاقة النووية السلمية".، وكذلك ما قاله المتحدث باسم منظمة الطاقة الذرية الإيرانية، من أن "الصناعة النووية لن تتوقف"؛ وأن على أمريكا وغيرها أن يقروا أن "هذه الصناعة لها جذور في بلادنا ولا يستطيعون اقتلاعها نظراً للقدرة والإمكانات التي نمتلكها فإن نمو هذه الصناعة يجب أن يستمر بشكل طبيعي ولن يتوقف".
وأخيرا، يمكن القول انتهت موقعة الـ12 يوما، التي سمعنا فيها ثلاث خطب بالنصر من قبل ترمب ونتنياهو، وخامنئي، ليكون السؤال والحال هذه، من هو الذي هزم في هذه الموقعة إذن؟ لاشك أن من هزم هو القانون الدولي والمؤسسات الدولية، عندما تستقوي دولة أو دول بعد أن اعتراف باريس بالمشاركة في هذه المعركة، إلى جانب الكيان الصهيوني الذي يشن حرب إبادة على الشعب الفلسطيني منذ ما ما يقارب العامين. انتصارا لهذا الكيان النازي، في مواجهة دولة مستقلة لم تبدأ أحدا بالعدوان أو حتى التهديد به.
ويمكن التقدير أخيرا، إن المعركة انتهت، لكن الحرب ما تزال أسبابها حاضرة، ويمكن أن تنفجر في وجه العالم مرة أخرى، سيما إذا تأكد أن البرنامج النووي الإيراني لم يدمر، بما يجعل من نتنياهو وترمب اضحوكة، وينسف سرديتهما عن الانتصار، التي هي وصفة أيضا في ظل وجود مثل هذا الكيان الغاصب، وشخص متبجح مثل ترمب يقود أمريكا بكل ثقلها العسكري والاقتصادي وقواها الناعمة، لإشعال الحرب مجددا بكل ما تحمله من تداعيات على المنطقة وربما العالم.

حوار مع الكاتبة انتصار الميالي حول تعديل قانون الاحوال الشخصية العراقي والضرر على حياة المراة والطفل، اجر
حوار مع الكاتب البحريني هشام عقيل حول الفكر الماركسي والتحديات التي يواجهها اليوم، اجرت الحوار: سوزان امي