|
|
غلق | | مركز الدراسات والابحاث العلمانية في العالم العربي | |
|
خيارات وادوات |
احمد عناد
2025 / 6 / 25
المقدمة
تعيش إيران والمنطقة منذ شهور حالة فريدة من التشابك بين التصعيد العسكري والدبلوماسية المعقدة، بين حرب الأيام الـ 12 التي استهدفت بنية إيران النووية والصاروخية بدقة بالغة، وبين إشارات وتلميحات عن استعداد إيراني للدخول في «صفقة كبرى» تصل قيمتها، حسب بعض التسريبات، إلى أربعة تريليونات دولار وربما أكثر. هذا المشهد يطرح أسئلة جوهرية: هل ما جرى كان جزءًا من تفاهم غير معلن؟ وهل نحن أمام لحظة تحوّل حقيقية في الاستراتيجية الإيرانية أم مجرد هدنة مؤقتة بانتظار جولة صراع جديدة؟
أولًا: مباحثات عُمان.. وملامح صفقة مؤجلة
كانت سلطنة عُمان، كعادتها، وسيطًا صامتًا بين واشنطن وطهران، عبر جولات مباحثات مباشرة وغير مباشرة أعقبت التوترات الكبرى، تمامًا كما فعلت قبل توقيع الاتفاق النووي عام 2015. ما رشح من هذه المباحثات يوحي أن إيران، المستنزفة اقتصاديًا والمثقلة بحصار خانق، كانت مستعدة لتقديم تنازلات جزئية مقابل تخفيف العقوبات. ويُقال إن العرض الإيراني تضمن استعدادًا لفتح أبواب استثمارات أجنبية غير مسبوقة، بهدف خلق مصالح اقتصادية متشابكة تُصعّب من فكرة إسقاط النظام. في هذا السياق جاء ما كشف عنه المستشار أمير الموسوي في لقاء تلفزيوني: أن إيران عرضت فرصًا استثمارية تتجاوز 4 تريليونات دولار، وربما أكثر، لجذب قوى كبرى إلى ساحتها الاقتصادية.
ثانيًا: حرب الأيام الـ 12.. الضربة المدروسة ورسائلها
بالتزامن مع تعثر المباحثات، شنت إسرائيل، بدعم أميركي استخباري وعسكري، واحدة من أدق العمليات الهجومية ضد منشآت إيرانية. استُهدفت مواقع نووية وصاروخية محددة بدقة، باستخدام مسيرات وعمليات سيبرانية وربما تعاون داخلي (رجحت بعض المصادر ضلوع مجاهدي خلق بدلًا من البهائيين الذين اعتادت طهران اتهامهم). الضربات توقفت فجأة بعد تحقق أهدافها، دون أن تنزلق المنطقة إلى مواجهة شاملة، ما أثار تساؤلات عن وجود تفاهم مسبق أو صفقة ضمنية بين طهران وواشنطن تتيح ضربة محسوبة مقابل مكاسب اقتصادية لاحقة. ومن اللافت أن الميليشيات الموالية لإيران في العراق، وكذلك حزب الله والحوثيين، التزموا الحياد الميداني تقريبًا، مما يعزز فرضية أن سيناريو الحرب كان معدًا سلفًا من البداية إلى النهاية ومضبوطًا على إيقاع تفاهمات خفية.
ثالثًا: صفقة التريليونات.. هل كانت طهران جادة؟
التسريبات حول عرض إيران لاستثمارات تتجاوز 4 تريليونات دولار تفتح باب التساؤل: هل كان ذلك مجرد خطاب إعلامي أم عرض حقيقي؟ إلى جانب تصريحات أمير الموسوي، يمكن قراءة مؤشرات داعمة مثل وثائق مسربة من شركات استشارية اقتصادية مقربة من الحكومة الإيرانية، وتفاصيل اتفاق الـ 25 عامًا مع الصين، وطروحات رسمية حول تحويل إيران لممر دولي للطاقة والبضائع. ومع ذلك، لا توجد وثائق علنية تؤكد العرض بهذا الحجم تحديدًا، مما يجعل الرقم جزءًا من خطاب تفاوضي.
رابعًا: السيناريوهات المحتملة
1⃣ صفقة كبرى (احتمال 60%): إيران تقبل بتقييد قدراتها النووية والصاروخية، واستثمارات ضخمة تنقذ اقتصادها، وتهدئة إقليمية مؤقتة.⃣ الانفجار الداخلي (احتمال 30%): فشل التفاهمات، استمرار الحصار، تصاعد الاحتجاجات، انهيار تدريجي أو اضطرابات أهلية.⃣ المواجهة الكبرى (احتمال 10%): انهيار التفاهمات، مواجهة عسكرية شاملة مع إسرائيل وأميركا.⃣ الاحتواء المستدام (احتمال 50%): لا حرب ولا صفقة كبرى، استمرار العقوبات مع سماح محدود ببيع النفط.
خامسًا: ماذا عن المنطقة؟
العراق سيظل أول المتأثرين، سواء في حال التهدئة أو التصعيد. الخليج وإسرائيل سيراقبان بحذر أي تفاهمات كبرى، بينما سوق الطاقة سيشهد تقلبات كبيرة مع عودة النفط الإيراني للأسواق.
الخاتمة
ما بين الضربات العسكرية المدروسة، والعروض الاقتصادية الهائلة، يقف النظام الإيراني أمام اختبار البقاء. هل ينجح في تقديم نفسه كشريك اقتصادي مغرٍ مقابل الحد من طموحاته النووية؟ أم أن مسار الانهيار الداخلي والفوضى هو الأقرب؟ ما جرى لم يكن مجرد حرب قصيرة أو مباحثات عابرة، بل محطة مفصلية قد تحدد ملامح الشرق الأوسط لعقد قادم.
|
تعليقات
حول الموضوع
التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي المركز وإنما تعبر عن رأي أصحابها |
|
|
هل ترغب بالتعليق على الموضوع ؟ |