المقاومة بين المبادي والدنس

احمد عناد
2025 / 6 / 23

المقاومة بين طهر المبادئ ودنس المصالح: قراءة نقدية في التجربة العراقية

مقدمة

ارتبط مفهوم المقاومة في الذاكرة التاريخية للشعوب بقيم نبيلة، على رأسها التضحية، والكرامة، ونكران الذات في سبيل الدفاع عن الأرض والعرض. وقد مثلت المقاومة، على مدى قرون، خيار الشعوب المقهورة في مواجهة الغزاة والمستعمرين، من الاحتلال العثماني إلى الاستعمار الأوروبي، ومن نير القوى الاستعمارية التقليدية إلى النضال ضد الهيمنة الحديثة بأشكالها المختلفة. لكن هذا المفهوم العريق تعرض، في العقود الأخيرة، إلى تشويه خطير، لاسيما في بعض التجارب التي رفعت شعار المقاومة، بينما مارست عكس جوهرها.

جوهر المقاومة عبر التاريخ

المقاومة، كما شهدها التاريخ، كانت فعلًا جماعيًا ينبثق من وجدان الأمة، لا من أجندات نخبوية أو فردية. كانت حركة شعبية خالصة، تنطلق من إرادة التحرر، وتُعبّر عن عمق ارتباط الإنسان بأرضه وهويته. لم تكن المقاومة وسيلة لتحقيق مكاسب فردية أو جماعية ضيقة، بل سبيلًا للخلاص الوطني.

تحول المفهوم في زمن “محور المقاومة”

مع صعود ما يُسمى بـ”محور المقاومة” في المنطقة، الذي تبلور ضمن خطاب إيراني وإسلامي يدّعي نصرة فلسطين ومواجهة الكيان الصهيوني، دخل مصطلح المقاومة منعطفًا جديدًا. إذ تحول في بعض جوانبه إلى مظلة تبريرية لممارسات سياسية واقتصادية تخدم مشاريع توسع وهيمنة أكثر مما تخدم قضايا التحرر. ورغم بقاء الشعار في واجهة الخطاب، فإن المضمون كثيرًا ما خالفه على أرض الواقع.

التجربة العراقية: مقاومة أم سلطة نفوذ؟

في العراق، شهدنا واحدة من أكثر الصور المثيرة للجدل لهذا التحول. فبينما نشأت مجموعات رفعت شعار “المقاومة”، خاصة بعد عام 2003، إلا أن الكثير منها انزلق إلى مسار آخر. لم نعد أمام مقاوم يعيش في الظل حفاظًا على أمنيته وقضيته، بل أمام طبقة جديدة من المنتفعين الذين راكموا الثروات، وامتلكوا العقارات، واستحوذوا على الامتيازات، وتحولوا إلى جزء من معادلة السلطة والمال. المشهد صار مكشوفًا: مواكب سيارات مصفحة، قصور فارهة، أرصدة متضخمة، وحمايات بالعشرات.

هنا يتساءل كل ذي ضمير: كيف لمن يرفل في نعيم الجاه والمال أن يكون مستعدًا للتضحية بنفسه؟ وكيف لمن اغتنى باسم المقاومة أن يخوض غمار الموت من أجل شعار فقد محتواه؟

إعادة تعريف المقاومة

لقد آن الأوان لإعادة تعريف المصطلح في وعينا الجمعي. فالمقاومة ليست تجارة، ولا أداة للنفوذ، ولا وسيلة لتمرير المشاريع. المقاومة هي فعل نقي، تضحية صادقة، انتماء للأرض والقضية، لا للجيوب والمصالح. وإن استمرار الخلط بين المقاومة الحقة والمشاريع الزائفة لا يخدم إلا أعداء الحرية، ويزيد الشعوب إحباطًا.

خاتمة

ما أحوجنا اليوم إلى مقاومة جديدة، تنبع من طهر المبادئ، لا دنس المصالح. مقاومة تصدق القول بالفعل، وتحيا في ضمير الناس، لا في حسابات البنوك. مقاومة تعيد للأمة كرامتها، وللشعار معناه الحقيقي، بعيدًا عن كل زيف وتضليل