نجيب محفوظ .. عين الفلسفة على الحارة المصرية ( الجزء الأول )

محيي الدين ابراهيم
2025 / 6 / 18

1. بين أزمتين … نجيب محفوظ كوعي عربي لا يُهزم:
الآن وفي آتون الحروب العبثية والعنصرية والدينية الكئيبة التي نعيشها كعرب منذ أكثر من عامين، حيث الراهن العربي مثخن بالمذابح، إذ تُقصف غزة، وتشتعل المنطقة من إيران إلى البحر الأحمر … وبين لحظة ولادة نجيب محفوظ في ١١ ديسمبر ١٩١١ وسط أتون الاحتلال البريطاني لمصر، وسقوط الدولة العثمانية، وارتباك النهضة، تتردد أصداء سؤال واحد، لا يكاد يُمحى: هل تعلّم العرب شيئًا من كتاباتهم؟، من مثقفيهم؟، من فلاسفتهم الحقيقيين؟
إن الزمن العربي، منذ بدايات القرن العشرين وحتى هذه اللحظة، زمن مأزوم لا يتقدّم، بل يعيد إنتاج أزماته. كل كارثة سياسية، كل نكسة، كل احتلال، تبدو كأنها ولادة جديدة للألم نفسه، بحروف مختلفة، وأسماء جديدة، ولكن بجسد واحد. وسط هذا التكرار القاسي، ولد نجيب محفوظ، ولم يكن روائيًا بالمعنى التقليدي، بل كان صوتًا داخليًا عميقًا للوعي العربي، يكتب من الزقاق، ولكنه يسمع هسيس العالم. لم تكن أعماله مجرد سرد للواقع، بل تدريب روحي على رؤيته من الداخل، من عمق الجرح، من فجوة السؤال.
كان محفوظ يعرف أن الأزمة ليست في الحاكم ولا المحتل وحدهما، بل في القبول الجمعي بالعجز، في الخضوع الطوعي، في اليأس الذي يتحول إلى عادة. ولهذا، كتب بطله الأكبر: الإنسان العربي نفسه. كتب هشاشته في "القاهرة الجديدة"، حيرته في "ثرثرة فوق النيل"، خضوعه في "اللص والكلاب"، وأخيرًا روحه التي لا تموت في "أولاد حارتنا". لقد رأى أن الاستعمار الخارجي لا يُهزم إلا إذا هُزم القهر الداخلي. وأن الخلاص لا يأتي من انقلاب ولا بيان رقم واحد، بل من صحوة داخلية عميقة، من جهاد النفس قبل جهاد العدو.
واليوم، ونحن نعيد النظر في واقعنا العربي المثخن بالحطام، تبدو كلمات محفوظ لا كأنها من الماضي، بل كأنها كُتبت لتوّها، بنفس الحبر الذي يُسفك الآن في الشوارع. كل سطر كتبه كان محاولة لإنقاذ الوعي، كل شخصية خلقها كانت إنذارًا من انهيار قادم. في عالم يتهاوى فيه كل شيء: الدولة، المؤسسات، الأخلاق، يظل محفوظ أحد الثوابت النادرة، لا لأنه "نوبلي"، بل لأنه كَتب عن الإنسان العربي كما هو، بكل جبنه وشجاعته، بانكساره ومقاومته، بعبوديته ونزعته الخفية للحرية.
ومن ثم، نجد أن بين أزمتين … وعي نجيب محفوظ قائم كصلاة سرّية، كأنين لا ينقطع، كأنفاس مدينة تتعلم البقاء تحت الركام. إن تكريم نجيب محفوظ لا يكمن في تماثيله أو مهرجاناته، بل في الاعتراف بأنه كان يحذرنا منذ عقود، بأنه كان يرى هذا السقوط قادمًا، وأنه منحنا الأدوات لفهمه وتجاوزه. السؤال الحقيقي ليس لماذا سقطنا؟ بل: لماذا تجاهلنا من أخبرنا أن السقوط قادم؟

2. الروائي في الزمان العربي المأزوم: نجيب محفوظ كضمير فلسفي لمأساة الأمة:
إن ما يميز محفوظ عن غيره من كتّاب جيله أنه لم يكتب من أجل التسلية أو حتى لإعادة تشكيل الواقع فنيًا فحسب، بل كتب كأنه يشهد على لحظة حضارية تتفكك، ويؤرخ لانهيارها الداخلي من خلال اللغة، من خلال الرواية بوصفها “فلسفة نثرية للوجود”، على حد تعبير ميلان كونديرا. لم يكن اختياره لدراسة الفلسفة في جامعة القاهرة عام 1934 حدثًا عابرًا في سيرته، بل يمكن اعتباره التأسيس الأول لخطابه الروائي كخطاب ميتافيزيقي في جوهره، مهما تلبّس بملامح الواقعية الاجتماعية. لقد انشغل محفوظ منذ شبابه المبكر بأسئلة الكينونة والمصير، لا بوصفها إشكاليات أكاديمية، بل كصرخة داخلية تمور بها حياة الفرد في مجتمعات محكومة بالأبوية، والمعتقد، والسلطة المطلقة.
في هذا السياق، لا ينبغي أن يُقرأ نجيب محفوظ بوصفه فقط «أول عربي حاز على نوبل في الأدب»، بل كفيلسوف سردي رأى أن الكتابة نفسها ضرب من الطهارة، من الانعتاق، من الاعتراف. لم تكن المدينة في رواياته مجرد فضاء روائي، بل معادل موضوعي للوعي العربي المُلتبس: القاهرة ليست فقط مسرحًا للحكايات، بل بؤرة تَكثّف فيها الزمان والمكان والمقدّس والدنيوي، إنها "نقطة التوتر العظمى بين التراث والحداثة"، كما يسميها إدوارد سعيد. وهنا نفهم لماذا ظل محفوظ مخلصًا للمدينة حتى في تجليها القاسي، ولم يغادرها إلا في تمثيلات رمزية، كتلك المدينة الفاضلة المفقودة في رواية "رحلة ابن فطومة".
لقد وُلد محفوظ في لحظة كانت فيها الأمة العربية بلا يقين، والأفكار الكبرى تتساقط أمام أول وهلة من الهزيمة. لكن الكتابة بالنسبة له لم تكن وسيلة للهروب، بل كانت مقاومة صامتة؛ مقاومة تُراكم الوعي، وتحرس ذاكرة الأمة من السقوط الكامل في النسيان. وحين نقرأ له، فإننا لا نقرأ حكايات عن “فتوات” الحارات و"صراعات" الأزقة، بل نقرأ تمثيلات فلسفية للصراع الإنساني ذاته: بين الحرية والقدر، بين اللذة والخطيئة، بين الجبر والاختيار، بين الحلم والموت.

3. القاهرة كذاكرة للكون: المدينة في أعمال نجيب محفوظ:
ليست القاهرة عند نجيب محفوظ مجرد خلفية مكانية للأحداث، بل هي ذاكرة كونية مكتوبة بالحجر والعرق والدم، تتنفس من خلال الشوارع، وتبكي من خلال النوافذ المغلقة، وتفكر كما يفكر الكائن الحي. منذ رواياته الأولى، اتخذ محفوظ من المدينة مَتنًا فلسفيًا، يروي من خلاله سيرة الإنسان العربي وهو يعبر من الجبر إلى الاحتمال، ومن الوهم إلى التنوير، ومن الاستسلام إلى أسئلة العصيان. القاهرة في "زقاق المدق" ليست مجرد زقاق، بل مجاز للوجود المحتقن بالتناقضات: البغاء كوسيلة للعيش، الشرف كقناع، الموت كمهرب، والحب كذكرى أكثر من كونه حاضرًا فعليًا.
في أعماله، لا تظهر المدينة بوصفها مكانًا واقعيًا فقط، بل بوصفها “ميتافيزيقا”، مكانًا مُحمّلًا بالرموز والأسرار. ففي "الثلاثية"، تصبح أحياء القاهرة مرآة للانهيار التدريجي للقيم القديمة، وصعود الفردانية الممزقة. بيت "السيد أحمد عبد الجواد" مثلًا، ليس منزلًا فحسب، بل تمثال حيّ للأبويّة، للتسلّط المغلّف بالحب، للحكم الذي يتصدع تدريجيًا من الداخل بفعل الزمن. وفي "المرايا"، تصبح المدينة كتابًا مفتوحًا لسيرة جماعية، تتقاطع فيها الأقدار الصغيرة مع كبرى التحولات التاريخية، حتى يغدو الإنسان شبيهًا بشرفات المدينة التي تُطلّ ولا تتدخل، تشهد ولا تصرخ.
ولعل أقصى ما يبلغه محفوظ في تحويل القاهرة إلى كون روحي يظهر في رواية "أولاد حارتنا"، حيث تصبح الحارة مجازًا للخلق الأول، وجغرافيا روائية يعاد فيها إنتاج السرد التوراتي والقرآني كعلامات على أسئلة الوجود. هنا تتخذ المدينة بعدًا رمزيًا مطلقًا: فـ"الجبلاوي" هو الرب المتروك، و"عرفة" هو عقل الإنسان الحديث المتشكك، والمدينة هي المسرح الذي يُستعاد فيه صراع النور والظلمة، الخلق والخراب، الطاعة والثورة. لم يكن هذا عبثًا، بل كان محاولة لصياغة "لاهوت سردي"، يُمكن فيه للمدينة أن تكون نصًا موازيًا للكتب السماوية، لكن بصيغة إنسانية عميقة، يكتبها المحرومون، والمقهورون، وأبناء الأزقة المنسيين.
ومن هنا، فإن المدينة لدى محفوظ لا تُكتب من الخارج، بل تُحكى من داخل اللغة، كأنها نَفَس الراوي، وخطوته، وذاكرته. حتى حين يتأمل فيها صمت المقاهي أو خيانات الأزقة، فهو لا يُسجّل مشاهد عابرة، بل يُدوّن نبوءة: أن الإنسان العربي، في تحوّله من جماعة مغلقة إلى فرد في مدينة، لا يفقد فقط جذوره، بل يفقد أيضًا بوصلته، ويغدو مُعرضًا لدوار الوجود دون مرساة. القاهرة المحفوظية بهذا المعنى ليست "مكانًا"، بل هي "سؤال": كيف تعيش في مدينة لا تعرفك إلا إذا هزمتك؟

حوار مع الكاتبة انتصار الميالي حول تعديل قانون الاحوال الشخصية العراقي والضرر على حياة المراة والطفل، اجر
حوار مع الكاتب البحريني هشام عقيل حول الفكر الماركسي والتحديات التي يواجهها اليوم، اجرت الحوار: سوزان امي