إيران نمر من ورق

صادق جبار حسين
2025 / 6 / 14

في واحدة من أكثر الضربات دقة وجرأة في تاريخ الشرق الأوسط، نفّذت إسرائيل فجر الثالث عشر من يونيو 2025 هجومًا واسع النطاق على أهداف عسكرية واستراتيجية داخل العمق الإيراني. العملية لم تكن روتينية، بل مثّلت تحوّلًا حاسمًا في قواعد الاشتباك، إذ استهدفت بشكل مباشر قادة الصف الأول في الحرس الثوري ومنظومة القيادة العسكرية العليا، إلى جانب منشآت نووية ومواقع صاروخية حساسة، مما أحدث صدمة داخل طهران وأربك منظومتها الأمنية والدفاعية.

أسفرت الضربة عن مقتل عدد من أبرز القادة العسكريين الإيرانيين، وعلى رأسهم اللواء محمد باقري رئيس الأركان العامة للقوات المسلحة، واللواء حسين سلامي قائد الحرس الثوري، واللواء غلام علي رشيد قائد مركز القيادة المركزية “خاتم الأنبياء”، واللواء أمير علي حاجي زاده قائد قوات الجو-فضاء، إضافة إلى اللواء إسماعيل قاآني قائد فيلق القدس، والعميد دافود شيخيان مسؤول الدفاع الجوي، والعميد طاهر بور قائد وحدة الطائرات المسيّرة. كما توفي الأميرال علي شمخاني، المستشار الأعلى للأمن القومي، متأثرًا بجراحه بعد الهجوم. كذلك قُتل عدد من أبرز العلماء النوويين، من بينهم فريدون عباسي، الرئيس السابق لهيئة الطاقة الذرية، وعبد الحميد مينوشهر، ومحمد مهدي تهرانيجي، ما يمثل ضربة مزدوجة للبنية التحتية للبرنامج النووي الإيراني.

الضربات استهدفت مواقع متعددة موزعة على نطاق جغرافي واسع. في طهران، ضربت الغارات مقرات قيادية ومبانٍ تضم كبار الضباط. وفي نطنز، دمّرت منشآت الطرد المركزي لتخصيب اليورانيوم. في أصفهان، كذلك تعرضت مراكز بحثية وقواعد للطائرات المسيّرة للقصف، بينما استُهدفت منشأة فوردو النووية المحصّنة قرب قم. كما شملت الهجمات تبريز، حيث قصفت مواقع للدفاع الجوي والصواريخ، وهمدان التي تضم محطة الرادار الرئيسية “سباشي”، وبيرانشهر في غرب أذربيجان، حيث تقع مستودعات عسكرية مهمة، إضافة إلى قاعدة الصواريخ الباليستية في كرمانشاه، ومفاعل الماء الثقيل في خنداب قرب أراك، ومرافق نفطية في أبادان بمحافظة خوزستان.

نُفّذت الضربات باستخدام طائرات شبحية متطورة من طراز F-35i إلى جانب طائرات دون طيار هجومية، واستُخدمت خلالها تقنيات تشويش إلكتروني عطّلت الدفاعات الجوية الإيرانية بما فيها منظومات S-300 وBavar-373. ورغم ضخامة الهجوم، لم تنجح إيران في اعتراض أي من الموجات الأولى من القصف، ما يعكس اختراقًا تقنيًا واستخباراتيًا غير مسبوق.

وعلى الرغم من أن الخطاب الإيراني ظل ولسنوات يتوعد إسرائيل بـ”الرد الساحق” في حال تعرّضت لهجوم، إلا أن الواقع جاء على النقيض تمامًا. فبعد ساعات طويلة من الصمت والارتباك، جاء الرد الإيراني محدودًا للغاية، عبر إطلاق صواريخ باتجاه صحراء النقب دون وقوع إصابات تُذكر وحتى الهجمات الصاروخية الاحقة لم تكن بمستوى الهجمات الإسرائيلية . هذا العجز والقدرات في رد الهجوم المعاكس كشف مدى الفجوة بين الخطاب السياسي الإيراني وبين قدراته العسكرية الفعلية، وأعاد طرح تساؤلات حول فعالية منظومته الردعية، التي لطالما روجت لها طهران داخليًا وخارجيًا.

الضربة لم تكشف فقط عجزًا عسكريًا، بل تسببت بارتباك سياسي وشعبي كبير داخل إيران. فغياب القيادات، والانقطاع المؤقت للاتصالات في عدة مناطق، وانهيار أجزاء من منظومة الطوارئ، كلها عوامل أدت إلى موجة استياء وسخرية على مواقع التواصل الاجتماعي الإيرانية. المواطنون عبّروا عن دهشتهم من أن الهجوم وقع دون سابق إنذار، متسائلين عن مصير مليارات الدولارات التي صُرفت على تطوير أنظمة الدفاع.

على المستوى الإقليمي والدولي، أحدثت الضربة ردود فعل واسعة. دول الخليج التزمت الصمت الحذر، بينما أبدت واشنطن قلقها من التصعيد، في حين اعتبرت موسكو وبكين أن الهجوم قد يفتح الباب أمام حرب واسعة في المنطقة. وفي الداخل الإيراني، تعالت الأصوات التي تطالب بمحاسبة المسؤولين عن الفشل الاستخباراتي والعسكري، وسط تكهنات بوجود اختراقات داخلية أو حتى تواطؤ أمني في بعض المواقع الحساسة.

في النهاية، تمثّل هذه العملية نقطة تحوّل استراتيجية. فهي لم تضرب فقط أهدافًا مادية، بل ضربت الصورة الذهنية التي رسمتها إيران عن نفسها كقوة إقليمية قادرة على الردع. ما جرى لا يشي فقط بأن إسرائيل باتت تمتلك اليد العليا استخباراتيًا وتكنولوجيًا، بل أن إيران دخلت في مرحلة من الانكشاف العسكري والسياسي، قد تستمر تداعياتها لسنوات. فهل تبقى طهران في موقع الدفاع، أم أنها تخطط لرد نوعي يعيد بعضًا من هيبتها المفقودة؟ الأيام المقبلة وحدها ستكشف الإجابة

حوار مع الكاتبة انتصار الميالي حول تعديل قانون الاحوال الشخصية العراقي والضرر على حياة المراة والطفل، اجر
حوار مع الكاتب البحريني هشام عقيل حول الفكر الماركسي والتحديات التي يواجهها اليوم، اجرت الحوار: سوزان امي