( إيمان) يفرض بسلطة القانون

قحطان الفرج الله
2025 / 6 / 11

“ولو شاء ربك لآمن من في الأرض كلهم جميعًا، أفأنت تكره الناس حتى يكونوا مؤمنين؟”
(سورة يونس، آية 99)

هذه الآية القرآنية ليست مجرد جملة عابرة، بل بيان واضح يُقرّ بأن الإيمان خيار إنساني حر، لا يتحقق بالإكراه، ولا يُفرض بسلطة، ولا يولد تحت التهديد أو في ظل القوانين العقابية. ومع ذلك، نقرأ في بعض دساتير الدول العربية، ومن بينها العراق، عبارات من قبيل: “الإسلام دين الدولة الرسمي” و “لا يجوز سنّ قانون يتعارض مع ثوابت الإسلام”. وهي عبارات قد تبدو بريئة في ظاهرها، لكنها تنطوي على مخاطر فكرية وتشريعية بالغة، إذا لم تُفهم في سياقها الديني والإنساني الصحيح.
فكيف وصلنا إلى هذه المعادلة المتناقضة: أن نُقرّ بحرية الإيمان في النصوص الدينية، ثم نُكرّس إلزام الطقوس الدينية في النصوص القانونية؟ كيف سُنّت قوانين تُجبر الناس على أداء شعائر دينية، كالحجاب، أو منع الأكل في نهار رمضان، أو فرض قيود على الفنون، أو منع الاقليات من بعض الاطعمة والاشربة التي احلها دينهم وحرمها الإسلام مثلا !؟!؟ في حين أن الأصل في الدين أن يُمارَس عن اقتناع، ويُحتضن بدافع الحب لا بدافع الخوف؟ الإسلام، منذ بداياته، لم يكن مشروع سلطة، بل كان مشروع دعوة. الرسول محمد مكث في مكة ثلاث عشرة سنة يدعو بالحكمة والموعظة الحسنة، رغم الاضطهاد والرفض. لم يُكره أحدًا على الدخول في الإسلام، بل كان يدعوهم إلى التأمل والسؤال والحرية في الاختيار. ولعلّ أبرز ما يُعبّر عن هذا المبدأ هو قوله تعالى: “لا إكراه في الدين” (البقرة: 256)، وهو نص قرآني صريح في نفي الإكراه، لا يحتمل تأويلاً سلطويًا. لكن ما حدث تاريخيًا أن الدين تحوّل تدريجيًا من كونه خطابًا إيمانيًا إلى أداة في يد السلطة. منذ العهد الأموي ثم العباسي، بدأ استخدام الدين لتبرير الحكم، وقُدِّمت طاعة الحاكم كجزء من العقيدة، وتمّ تحييد العقل والاجتهاد لحساب “ثوابت” لم يجرِ التوافق على تعريفها. هكذا بدأ تأسيس ما يمكن أن نسمّيه بـ”الدين السياسي”، حيث تُختزل رسالة السماء في قرارات تصدرها الأرض.
هذا التوظيف للدين بلغ ذروته في بعض الدساتير الحديثة، التي لم تكتفِ بالإقرار بأغلبية دينية في المجتمع، بل حوّلت تلك الأغلبية إلى سلطة ملزمة للجميع. فتحوّلت الشعائر إلى واجبات قانونية، والضمير إلى بند في اللائحة، والإيمان إلى معاملة رسمية توجب الطاعة أو العقوبة. حين يقول الدستور إن الإسلام دين الدولة، فهل يقصد أن الدولة تؤمن، ولها “ضمير ديني”؟ هذا طرح غير منطقي، لأن الدولة كيان اعتباري، لا يصلي ولا يصوم ولا يُحاسب يوم القيامة. الدين من حيث هو علاقة بين الإنسان وربه، لا يمكن أن يُنسب إلى الدولة كمؤسسة سياسية. أما حين يقول النص: “لا يجوز سن قانون يتعارض مع ثوابت الإسلام”، فإن السؤال الحتمي هو: من يحدد هذه الثوابت؟ وهل هي متفق عليها؟ وهل يحق لمجموعة فقهية واحدة أن تحتكر تعريف “الإسلام” وتشريعاته، وتُقصي بقية الاجتهادات أو القراءات؟
في لحظة ما، يصبح القانون أداة قسر لا هداية، خاصة إذا ما طُبِّق على ضمائر الناس. إن إجبار إنسان على ممارسة طقس ديني لا يُنتج مؤمنًا، بل يُنتج منافقًا، أو ناقمًا، أو ممتثلًا في الظاهر ساخطًا في الباطن. حين يُمنع غير الصائم من الأكل في رمضان، أو تُفرض الحجاب قهرًا، أو تُقيّد حرية التعبير باسم المقدّسات، فإن الدولة لا تحمي الدين، بل تُفرغه من روحه.
من يرعى الدين السياسي لم يطّلع على الدين أصلًا، بل استعمله وسيلة للهيمنة لا للهداية، للسيطرة لا للإصلاح. إن جوهر الدين هو الحرية، والاقتناع، والمحبة، والمسؤولية الفردية. أما الإكراه فهو ضد كل ذلك، وهو أول ما يُبطل صدق الإيمان.
ولهذا، فإن أي نظام سياسي يسعى بصدق لاحترام الدين، عليه أن يحرره أولًا من قبضة القانون، ويعيده إلى مكانه الطبيعي: في قلوب الناس وضمائرهم

حوار مع الكاتبة انتصار الميالي حول تعديل قانون الاحوال الشخصية العراقي والضرر على حياة المراة والطفل، اجر
حوار مع الكاتب البحريني هشام عقيل حول الفكر الماركسي والتحديات التي يواجهها اليوم، اجرت الحوار: سوزان امي