الدور الوظيفي للديمقراطيين العرب

مازن كم الماز
2025 / 6 / 8

ليس من السهل الاتفاق على تعريف واحد ، شامل و وافي لبدعة زماننا الحالي ، أي الديمقراطية … إذا استثنينا اليمين القومي و الديني و جزر يسارية متراجعة باضطراد تبدو الديمقراطية الفكرة التي يتحدث عنها الجميع بكل جدية … تاريخيًا لم تكن الديمقراطية قبل انهيار الاتحاد السوفياتي ذات شعبية جدية لا جماهيريًا و لا ضمن النخب ، هذا الانهيار و التقدم الهائل لمراكز النظام الرأسمالي العالمي هو المسؤول عن ذلك الصعود الذي أدى تقريبًا إلى تبني جماعي لفكرة الديمقراطية من قبل النخب العربية ، بلمسة عربية واضحة سنأتي على ذكرها … لكن هذا "الصعود" لم يكن بالضرورة تقدمًا حقيقيًا بالنسبة للديمقراطية في وعينا و عالمنا ، بل كلما زاد الاحتفاء العلني بها كلما تراجعت أكثر في الممارسة و حتى في النقاش العام ، لا يمكن مقارنة هذه الجمهرة التي تدعي أنها ديمقراطية اليوم بالقلة من المؤمنين بها في الثلاثينات و الأربعينات حتى الخمسينات من القرن الماضي ، مثل أحمد لطفي السيد و طه حسين و لا حتى بالليبراليين الأوائل مثل مدحت باشا و خير الدين التونسي و محمد عبده ، لقد كان هؤلاء مفكرون حقيقيون و أصحاب مشاريع جدية و كان تبنيهم للديموقراطية نتيجة خيار جدي بين خيارات عدة منها الإسلامي و الماركسي و ليس مجرد رضوخ لأمر واقع و وجهوا نقدًا صارمًا لكل ما اعتبروه عقبة في طريق الديمقراطية … يكفي أن نذكر معركة طه حسين مع الأزهر حول كتابه في الشعر الجاهلي ، و أن نذكر رفض أحمد لطفي السيد عرض الضباط الأحرار لتوليه رئاسة مصر بينما سعى خصمه سيد قطب لما هو أقل منها جاهدًا كل ما بوسعه ليس فقط لهذا الغرض ، تولي وزارة المعارف ، بل لتبرير جرائم نظام يوليو المبكرة حتى وقوع الطلاق بين الطرفين … إذا استثنينا بعض الصحافيين و الانفلوينسرز لن نجد من يكرر اليوم نقد طه حسين للمقاربة الشائعة للنص المقدس ، و هم في الغالب صحافيين محميين غربيًا … في الحقيقة يمكن ببساطة اكتشاف أن هذه الجمهرة من الديمقراطيين العرب لا ترغب فعلًا في تحقق الديمقراطية ، ، إنها بالنسبة لها ليست أكثر من شعار ، مثل أعلى ، جميل لكنه بعيد و مؤجل ، غير حقيقي ، طوباوي ……… الاستخدام الشائع اليوم لشعار الديمقراطية هو لتبرير ما لا يمكن تبريره ، لتبرير الجهل و التخلف ، لتبرير رفض العلم و رفض و تحريم التفكير و إلغاء العقل و تجريم و تحريم الفكر النقدي و العلمي معًا ، كل ذلك بحجة الديمقراطية ، بدون الديمقراطية سيكون على أصحاب كل طرح أن يثبتوا فكرتهم و يبرهنوا عليها ، بينما يحميهم شعار الديمقراطية من هذا كله … الاستخدام الشائع لشعار الديمقراطية يهدف باختصار لتبرير لا ديمقراطية سلطويين أو حتى ديكتاتوريين أو فاشيين في كثير من الأحيان كالإسلاميين مثلًا و تحديدًا مع تمتعهم بكل الامتيازات التي تمنحهم إياها الديمقراطية بدون أن يضطروا للإيمان بها أو يقبلوا بها أو أن يقبلوا بمنح أيًا من تلك الامتيازات لخصومهم … يمكن تخيل النقاش التالي : عندما يقول إسلامي نصف فاشي للغرب و لخصومه في مجتمعه و لمواطنيه الذين يرفضون الخضوع له : أنا لست ديمقراطيًا لكنكم ديمقراطيون و عليكم أن تقبلوا بلا ديمقراطيتي و بفاشيتي لأنكم ديمقراطيون فيرد ديمقراطي عربي مؤكدًا : معه حق هذه هي الديمقراطية …… القصة أنه لا وجود في مخيلة معظم الديمقراطيين العرب لعالم و مجتمعات تقوم على المشاركة و المساواة و الحرية للجميع ، يتحدثون عن المساواة و المشاركة و الحرية عندما ينتمي المستبد أو المحتل لجماعة أخرى فسيطرة الآخر استبداد أو استعمار أما استبداد و استعمار "جماعتنا" بكل جرائمها و موبقاتها و تفاهتها فهي ما يجب على الآخرين ابتلاعه بحجة الديمقراطية … تهافت الديمقراطيين العرب هذا يعبر عن أزمة عميقة ، عن وصولنا إلى طريق مسدود … لا بديل اليوم إلا الهجرة إلى الغرب و البكاء على الأطلال و الشكوى من احتقار الغربيين لجهلنا و تخلفنا أو انتظار أن يدمر الإسلاميون و رفاقهم مجتمعاتنا و حياتنا بالكامل لنبدأ البحث من جديد عن مخرج ، تمامًا من نقطة الصفر ، من حيث بدأ رفاعة الطهطاوي و أوائل شيوخ الخوارج و القدرية و المعتزلة و الكلام العرب

حوار مع الكاتبة انتصار الميالي حول تعديل قانون الاحوال الشخصية العراقي والضرر على حياة المراة والطفل، اجر
حوار مع الكاتب البحريني هشام عقيل حول الفكر الماركسي والتحديات التي يواجهها اليوم، اجرت الحوار: سوزان امي