|
|
غلق | | مركز الدراسات والابحاث العلمانية في العالم العربي | |
|
خيارات وادوات |
محمد سعد خير الله
2025 / 6 / 4
في مراحل معيّنة، خصوصًا قبيل الانهيار الشامل في بلدان تحكمها أنظمة سلطوية عسكرية، تلجأ بعض هذه الأنظمة إلى حيلة خبيثة: تصنيع "داعش"، لتبرير فظائعها من قصف كيماوي إلى مجازر جماعية، كما فعل السفاح بشار الأسد
في سوريا.
يُعد كتاب "القوة السوداء: الدولة الإسلامية واستراتيجيو الإرهاب" للصحفي الألماني كريستوفر رويتر مرجعًا أساسيًا لفهم نشأة داعش. صدر عام 2015، وفاز بجائزة الصحافة الألمانية، اعتمادًا على تحقيقات ميدانية في العراق وسوريا لصالح دير شبيغل. يبيّن رويتر أن داعش لم يكن سوى تحالف استخباراتي بعثي/جهادي، قاده ضباط سابقون في أمن صدام حسين، بالتعاون مع قيادات جهادية، لتشكيل ما
وصفه بـ"التحالف المظلم".
أورد الكتاب أن 27 من كبار قادة التنظيم كانوا ضباطًا في نظام صدام، وأن داعش اعتمد على خبراتهم المخابراتية أكثر من أي مضمون ديني. دعم هذا الطرح لاحقًا تحقيق نيويورك تايمز الموسّع "The ISIS Files"، الذي كشف أن صلب التنظيم كان بيروقراطية بعثية مقنّعة بشعارات الجهاد، تهدف للسيطرة على العراق.
وفي سوريا، وثّق رويتر كيف ساعدت أجهزة استخبارات الأسد في إنشاء التنظيم داخل السجون، وسهّلت انتشاره لاحقًا، لتبرير حرب النظام على شعبه وتشويه الثورة.
في 22 مايو الماضي، كنت ضيفًا على الإعلامي الإسرائيلي تسفي يحزقئيلي في برنامجه "انتبهوا يا عرب!" على قناة i24NEWS، لمناقشة العلاقة بين الأنظمة العربية والجماعات الإرهابية. وفي الدقيقة الأخيرة من اللقاء، نقلت معلومة مؤكدة عن دعم سيادي مصري لعناصر من "داعش". قلتُ نصًا:
"لماذا تستأجر أجهزة أمنية مصرية شققًا لعناصر داعش في القصاصين والعاشر من رمضان؟ لماذا تُوفَّر لهم الإقامة والطعام؟ أطرح هذا السؤال وأنتظر إجابة واضحة."
أثار هذا الطرح تفاعلًا واسعًا، إذ تواصل معي كثيرون طالبوا بالتفصيل. وقد قررت أن أكتب هذا المقال للإجابة على هذه التساؤلات.
أحد مصادري الموثوقين من قلب سيناء قال لي:«نعم، لقد منحوا عناصر داعش شققًا مفروشة، ورواتب شهرية، وحصانة. أما نحن، فمشردون، فقدنا أراضينا الزراعية، ولا نحصل على أي تعويض. نُذَل على الحواجز العسكرية، وهذا يدفع بعض الشباب للانضمام إلى داعش، وهذا ما حدث بالفعل.
لقد أصبحت داعش في تلك المناطق بمثابة حضّانة مؤجلة، تُفعَّل عند الحاجة، سياسيًا أو استراتيجيًا. وقد انضم إليها بالفعل عدد ليس بالقليل من السلفيين والجهاديين.»
إلى هنا انتهى كلامه. هؤلاء جميعًا أقرب إلى ما يشبه قنابل بشرية، مفاتيح توقيتها وشفرات تفجيرها داخل المجتمع مملوكة حصريًا للنظام المصري، الذي ارتكب، تحت لافتة "محاربة الإرهاب في سيناء"، جرائم مكتملة الأركان بحق البشر والشجر والحجر، وثقتها جهات حقوقية عديدة حول العالم. وآمل أن يأتي يوم قريب تُفتح فيه هذه الملفات.
من الناحية الجغرافية، تبعد مدينة القصاصين نحو 75 كم فقط عن سيناء، أي أقل من ساعة ونصف بالسيارة، مما يجعلها موقعًا مثاليًا لدعم لوجستي أو تنقلات سرّية. أما العاشر من رمضان، فهي مدينة صناعية تبعد 120 كم عن شمال سيناء، وتوفّر غطاءً سكانيًا كثيفًا للتخفي والاندماج.
يستغل النظام المصري ما يُسمى بـ"الحرب على الإرهاب" للحصول على دعم دولي سياسي واقتصادي وعسكري، بينما يقمع الداخل بلا هوادة، فيغلق الحريات ويخنق المجتمع المدني ويعتقل آلاف العلمانيين تحت تُهم ملفقة كـ"الانتماء إلى جماعات إرهابية"، في مفارقة فجّة لا يصدّقها عاقل.
تهمة الإرهاب في مصر اليوم باتت مطّاطة تُلصق بكل معارض أو ناقد، أيًّا كانت خلفيته، بينما يتسارع أيضًا مسار دعشنة المجتمع على يد النظام نفسه.
في هذا السياق، لا بد من التوقف عند مشروع "الكتاتيب"، الذي أطلقته وزارة الأوقاف نهاية ديسمبر 2024، لإنشاء آلاف "الكتاتيب العصرية" داخل المساجد في مختلف المحافظات.
ما يبدو مبادرة تعليم ديني بريئة هو في الحقيقة مشروع أيديولوجي مُمأسس، يستهدف تكوين أجيال مشبعة بأفكار تقليدية راديكالية، دون رقابة فكرية أو مناهج تنويرية. هو ترسيخٌ لمنظومة الولاء الجماعي والطاعة المطلقة، وهي ذات الأسس التي اعتمدت عليها جماعات مثل الإخوان وداعش.
رئيس الوزراء المصري مصطفى مدبولي أكّد ذلك بوضوح حين صرّح منذ أيام "الكتاتيب ستلعب دورًا مهمًا في بناء الوعي والشخصية المصرية، بتوجيهات من الرئيس السيسي."
ولا يمكن فصل هذا التوجه عن موقف المؤسسة الدينية الرسمية، وعلى رأسها الأزهر، الذي كشف عن وجهه الحقيقي منذ مجازر السابع من أكتوبر 2023. لم يُدن الجرائم التي ارتكبتها حماس بحق المدنيين، بل تبنّى خطابًا تقليديًا يُمجد الجهاد المسلح ويشيطن الغرب، مما يُعمّق الفجوة الحضارية بين مصر وعالم ما بعد الحداثة.
بالتوازي، تنخرط مصر أكثر فأكثر في تحالف استبدادي عالمي تقوده روسيا والصين وتركيا وقطر، يتبنّى قمع الحريات ومناهضة القيم الليبرالية، ويستثمر ورقة الإسلام السياسي حسب الحاجة، سواء لتمرير قمع داخلي أو لتمويه ملفات كارثية خارجيًا..
إن اختراق داعش لمصر" برعاية الأجهزة" ليس مجرد اتهام عابر، بل قنبلة موقوتة تهدد المنطقة بأسرها، وتفضح الوجه الحقيقي لنظام يعيش على هندسة الإرهاب.
| في رحيل شاكر الناصري، أحد مؤسسي الحوار المتمدن | حوار مع الكاتبة انتصار الميالي حول تعديل قانون الاحوال الشخصية العراقي والضرر على حياة المراة والطفل، اجر |