|
|
غلق | | مركز الدراسات والابحاث العلمانية في العالم العربي | |
|
خيارات وادوات |
محيي الدين ابراهيم
2025 / 5 / 28
الفصل الثاني - الشيوعية بعد الإنزواء – كيف تحيا فينا؟
أطياف لا تغادرنا:
قد تُهدم الأسوار، وتُسقط التماثيل، وتُبدّل الأعلام... ولكن ليس بالضرورة أن تموت الأفكار. الشيوعية، كمنظومة فكرية ومؤسساتية، كانت من أكثر الأيديولوجيات التي سعت إلى صياغة واقع شامل، لا يقتصر على الدولة، بل يمتد إلى العقل والسلوك والضمير الجمعي. ومع زوالها الرسمي من مسرح السياسة في أواخر القرن العشرين، لم تُدفن، بل استحالت إلى طيف يطلّ برأسه في ملامح أنظمة، وسلوك شعوب، وشكل إدراك الواقع السياسي.
هذا الفصل يحاول أن يقرأ أثر الشيوعية كإرث لم يُمحَ، بل أعيد تدويره، سواء في المؤسسات التي نجت من الزوال، أو في العقليات التي تشبّعت بروح "الحزب الواحد"، أو في آليات الدولة التي بقيت، وإن تزيّنت بقشور من الديمقراطية.
المؤسسات .. البنية التحتية للشبح:
حين سقطت الأنظمة الشيوعية في أوروبا الشرقية، أُعلن موت الإيديولوجيا، لكن بقيت الهياكل. الشرطة، القضاء، الإعلام الرسمي، النقابات، والنخب الإدارية… لم تتغير جذريًا، بل أعادت تشكيل نفسها لتناسب النظام الجديد. فما يسمى بـ"الديمقراطيات الجديدة" بُنيت غالبًا فوق أساسات بيروقراطية قديمة، صيغت في عقل مركزي تسلّطي.
مثلًا، أظهرت دراسات أن النظم القضائية في بعض دول أوروبا الشرقية احتفظت بنفس القضاة الذين خدموا في النظام الشيوعي، ما أدّى إلى بطء في إصلاح العدالة.
نظم الرفاه الشيوعية، رغم انهيار الاقتصاد، بقيت راسخة، وغالبًا ما استخدمتها الأنظمة الجديدة كوسيلة للسيطرة الناعمة على الجماهير.
النتيجة: مؤسسات هجينة، ظاهرها ديمقراطي، وباطنها يحمل طقوسًا بيروقراطية قمعية، لا تختلف كثيرًا عن مؤسسات الشيوعية.
التحالفات... من الحزب إلى الشبكة:
لم يكن سقوط الشيوعية مجرّد هدم لنظام، بل لحظة إعادة توزيع للنفوذ. كثير من النخب التي نشأت في حضن الحزب الشيوعي استطاعت أن تعيد تموضعها داخل النظم الجديدة، بل وأصبحت جزءًا من النخبة الحاكمة في ظل الديمقراطية الليبرالية.
ورثة الأحزاب الشيوعية القديمة، مثل الحزب الاشتراكي في رومانيا أو روسيا الموحدة في روسيا، استثمروا في رأس المال الاجتماعي القديم، وفي شبكات النفوذ البيروقراطي، ليصنعوا ما يشبه "الاستبداد الديمقراطي".
النخب الاقتصادية التي نشأت في الحقبة الشيوعية (المديرون، مسؤولو التخطيط، كبار ضباط الأمن) أصبحت في كثير من الدول هم أنفسهم "الطغمة" الجديدة بعد الخصخصة، مستفيدين من ثروات الدولة السابقة.
إن الشيوعية لم تغادر مواقع النفوذ، بل ارتدت عباءة جديدة، واحتفظت بمفاتيح السوق والإعلام والقرار السياسي.
المعارف والذهنيات... السياسة كخطر:
لكن الأثر الأعمق للشيوعية لا يكمن فقط في المؤسسات أو النخب، بل في الناس أنفسهم. لقد صنعت الشيوعية، على مدى عقود، ثقافة سياسية قائمة على الخوف من السياسة، والارتياب من المعارضة، والإيمان بأن "الدولة تعرف مصلحتنا أكثر منا".
في دراسات متعددة، تبين أن المجتمعات التي عاشت تحت أنظمة شيوعية، حتى بعد التحرر، لا تزال تُظهر مستويات منخفضة من الثقة بالمؤسسات الديمقراطية.
الانتساب إلى أحزاب، أو الانخراط في منظمات مجتمع مدني، ظلّ ضعيفًا في كثير من دول أوروبا الشرقية.
الناس الذين ترعرعوا في النظام الشيوعي يُظهرون ميلًا أقلّ للابتكار، أو خوض المخاطر، أو الدفاع العلني عن رأي سياسي مختلف.
كأنما الخروج من الشيوعية لم يكن قطيعة، بل انتقال بطيء ومضطرب، تُسيّره مخاوف الذاكرة.
الشيوعية كبنية رمزية:
في كثير من المجتمعات ما بعد الشيوعية، تم إفراغ الشيوعية من مضمونها الأيديولوجي، لكنها بقيت رمزًا. أحيانًا تُستعاد كشبح تهديدي في الخطاب السياسي (كما في بولندا أو المجر)، وأحيانًا كـ"حنين جماعي" لأزمنة النظام والانضباط (كما في روسيا وبيلاروسيا).
وهذا يجعلها قوة رمزية مزدوجة:
أداة بيد الأنظمة لإحياء الخوف من الماضي من أجل تحصين الحاضر.
أو وسيلة للمهمّشين لاستعادة معنى في زمن الاضطراب الرأسمالي.
هنا تتحول الشيوعية إلى حكاية مفقودة تُستدعى لا بوصفها نظامًا، بل كتصور بديل لما يجب أن يكون عليه العالم، حتى لو كان هذا التصور محض وهم أو انتكاسة.
خاتمة الفصل الثاني: النظام الذي لم يسقط بعد:
إن الشيوعية، رغم سقوطها، تظل كامنة في ذاكرة المجتمعات، وسلوك الأفراد، ومؤسسات الدول. ليست العودة إلى الشيوعية حتمية، ولكن استمرار بعض آلياتها يمنع تحقق ديمقراطية حقيقية أو اقتصاد عادل أو مجتمع مدني فعّال. فحين ينهار البناء، تبقى الأساسات عالقة في الأرض، وما لم يُقلع الجذر، فإن شبح النظام سيواصل الهيمنة، لا كإيديولوجيا، بل كعادة.
|
تعليقات
حول الموضوع
التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي المركز وإنما تعبر عن رأي أصحابها |
|
|
هل ترغب بالتعليق على الموضوع ؟ |