ومضة ضوء :عنوان المقال :-لاءات- مصر الأربع لواشنطن: هل تتحالف القاهرة مع المعسكر الآخر؟

محمد سعد خير الله
2025 / 5 / 18

تكمن المصلحة الوطنية الحقيقية لمصر في الحفاظ على علاقة مميزة مع واشنطن. ورغم تعقيداتها، تبقى هذه العلاقة ضمانةً أكثر موثوقيةً لأمن مصر واستقرارها الاقتصادي ومكانتها الدولية. إن التحول الكامل نحو محور بديل قد يكون مكلفًا للغاية.

إن رسالة الشكر الاحتفالية التي وجّهها الرئيس دونالد ترامب إلى مصر، والتي نُشرت في منشور احتفالي على منصته "تروث سوشيال"، بمناسبة العودة المرتقبة لعيدان ألكسندر، المواطن الأمريكي الإسرائيلي المحتجز لدى حماس منذ هجمات 7 أكتوبر/تشرين الأول 2023 الإرهابية، لا ينبغي أن تُلهينا عن حقيقة أن العلاقات المصرية-الأمريكية تمر بأزمة عميقة ومتفاقمة، تفاقمت منذ تولي إدارة ترامب السلطة. وقد تطورت هذه الأزمة الآن إلى مقامرة سياسية من جانب القاهرة تتعارض مع المصالح الوطنية المصرية على المدى البعيد، رغم أنها تُتيح للنظام الحاكم بعض المزايا قصيرة الأجل.

وفي فترة قصيرة نسبيًا من الزمن، سلمت القاهرة لواشنطن أربعة رفضات قاطعة لما يمكن أن نطلق عليه "اللاءات المصرية الأربعة":

أولًا: لا لاستيعاب الغزيين على الأراضي المصرية، وهي ورقة مساومة استراتيجية يصر النظام على الاحتفاظ بها. وكما ذكرتُ سابقًا، تُدرّ هذه الورقة مليارات الدولارات على النظام وتضمن استمرار حضوره على الساحة الدولية.

ثانيًا: لا للانضمام إلى التحالف العسكري الذي تقوده الولايات المتحدة ضد الحوثيين، على الرغم من أن الطلب أمريكي مشروع قبل التقدم التكتيكي الأخير والتنازلات الحوثية الجزئية للأمريكيين.

ثالثًا: لا لمنح السفن الأمريكية حرية المرور "المستحقة" عبر قناة السويس في "تصعيد غير مسبوق."

رابعًا: رفضٌ قاطعٌ للرئيس ترامب نفسه؛ فقد رفض الرئيس عبد الفتاح السيسي دعوة ترامب لزيارة واشنطن، بينما قبل دعوة فلاديمير بوتين لحضور احتفالات "يوم النصر" في روسيا. وفي سابقةٍ تاريخية، أرسلت مصر وحدةً من الشرطة العسكرية للمشاركة في العرض العسكري، وهو حدثٌ ذو دلالةٍ رمزية.

على هامش تلك الزيارة، عُقدت مناقشات موسعة بين الوفدين، ركزت على تنفيذ اتفاقية الشراكة الاستراتيجية الشاملة لعام 2018، وتطوير المنطقة الصناعية الروسية في منطقة قناة السويس، ومحطة الضبعة للطاقة النووية، وتوسيع نطاق التنسيق في مجالات الطاقة والأمن الغذائي والسياحة والتعدين. وأعرب الطرفان عن تفاؤلهما بنجاح اجتماع اللجنة المشتركة المقبل، المقرر عقده في مايو
الجاري.

بالإضافة إلى ذلك، تم التوصل إلى اتفاقيات للترويج لوجهات سياحية مصرية جديدة في السوق الروسية، إلى جانب إعادة تأكيد التنسيق السياسي بين تكتلات مثل مجموعة البريكس. وأعرب الرئيس بوتين عن دعمه الكامل لخطة إعادة إعمار غزة التي اعتمدتها القمة العربية الاستثنائية بالقاهرة في مارس 2025. وأشاد بدور مصر في تهدئة التوترات الإقليمية، لا سيما في غزة، وجهودها لتسهيل إطلاق سراح المختطفين وإيصال المساعدات الإنسانية.

وتؤكد هذه التطورات توافق وجهات النظر المصرية والروسية والقوة المتنامية لعلاقاتهما الثنائية.

وعلى الصعيد العسكري، اتخذت القاهرة أيضًا خطوات تصعيدية إضافية بشأن ما تعتبره واشنطن "خطوطًا حمراء":

أولًا: التدريبات العسكرية المشتركة مع الصين.
أجرت القوات المسلحة المصرية مناورات "نسور الحضارة 2025" مع الجيش الصيني، بمشاركة قوات خاصة ووحدات مظلية من الجانبين. وشملت المناورات عمليات مكافحة إرهاب وسيناريوهات إنقاذ رهائن، مما يعكس مستوى غير مسبوق من التنسيق العسكري بين البلدين، ويوجه رسالة واضحة إلى واشنطن.

ثانيًا: التعاون العسكري مع تركيا.
في خطوة تعكس التقارب المتزايد بين القاهرة وأنقرة، قام الفريق أحمد فتحي خليفة، رئيس أركان القوات المسلحة المصرية، بزيارة رسمية إلى تركيا، حيث التقى بنظيره التركي في أول اجتماع عسكري رفيع المستوى بين البلدين منذ عام 2013. وناقش الجانبان سبل تعزيز التعاون العسكري، بما في ذلك تبادل الخبرات والتدريب المشترك وتطوير الصناعات الدفاعية. وتأتي هذه الزيارة في إطار الجهود المستمرة لتطبيع العلاقات بين مصر وتركيا، التي كانت متوترة على مدى العقد الماضي. وعقب الزيارة، أجرت قوات النخبة المصرية والتركية تدريبات جوية مشتركة في قاعدة قونية الجوية، وهو ما يشير إلى تطور العلاقات العسكرية الثنائية. والجدير بالذكر أن هذه الخطوات جاءت وسط خطاب تركي عدائي متزايد ضد إسرائيل، مما أثار تساؤلات حول إعادة معايرة تحالفات السياسة الخارجية المصرية.

ويُضاف إلى كل ما سبق تأخر مصر الملحوظ في تعيين سفير جديد لها لدى إسرائيل بعد انتهاء ولاية خالد عزمي، فضلًا عن رفض القاهرة اعتماد السفير الإسرائيلي المقترح لدى مصر أورى روتمان.

إن كل هذه الإشارات، التي ظهرت خلال بضعة أسابيع قليلة، تجعل رسالة مصر إلى واشنطن واضحة لا لبس فيها: "نحن على وشك الانضمام إلى المعسكر الآخر".

ولكن هل هذا الطريق آمن؟

يُرسل التاريخ الحديث للدول العربية التي انجرفت نحو تحالفات استراتيجية مع روسيا أو الصين تحذيرًا واضحًا. تُعدّ سوريا والسودان وليبيا واليمن أمثلةً صادمةً لدول فقدت أمنها واقتصادها وسيادتها تحت راية الكتلة الشرقية دون أن تتلقى أي حماية حقيقية أو استقلال حقيقي في المقابل.
فهل ستحذو القاهرة حذوها؟

تكمن المصلحة الوطنية الحقيقية لمصر في الحفاظ على علاقة مميزة مع واشنطن. ورغم تعقيداتها، تبقى هذه العلاقة ضمانةً أكثر موثوقيةً لأمن مصر واستقرارها الاقتصادي ومكانتها الدولية. إن التحول الكامل نحو محور بديل قد يكون مكلفًا للغاية.

تنويه: نُشر هذا المقال الثلاثاء الموافق 13 مايو 2025، في صحيفة يسرائيل هيوم بنسختها الإنجليزية، ويُنشر هنا وفقط في الحوار المتمدن حصريا باللغة العربية.

في رحيل شاكر الناصري، أحد مؤسسي الحوار المتمدن
حوار مع الكاتبة انتصار الميالي حول تعديل قانون الاحوال الشخصية العراقي والضرر على حياة المراة والطفل، اجر