النظام ما بعد الأسدي

مازن كم الماز
2025 / 5 / 4

بينما يصر الجولاني على بناء "نظام" طائفي إبادي يقوم على القمع العاري الصلف و الغبي ، في هذه المرحلة ضد "الأقليات" تحديدًا و دائمًا ضد أي خصم فعلي أو متوهم و دون أي استعداد لتقاسم النفوذ و ما يجلبه من ثروة مع أحدٍ ، يطمح يسار النصرة إلى نظام أكثر استقرارًا يستخدم وسائل نهب و قمع أكثر احترافًا و أقل فجاجة ، إلى "نظام" طائفي ربما أكثر طائفية من نظام الأسد و استعداده الإبادي أعلى أيضًا لكنه "نظام" مستدام ، أكثر قابلية للحياة و الاستمرار من إمارة الجولاني الطالبانية الحالية ، ذات شكل و مظهر أفضل خاصةً أمام الخارج ، على الأقل شكل و مظهر ليسا أقل سوءًا من النظام الأسدي … لقد عمل نظام الأسدين على تقاسم منهوبات سوريا مع طيف ليس بالصغير من النخب الأهلية و الاجتماعية و حاول رشوة قطاعات أوسع من السوريين من مختلف الطوائف و الطبقات و بدرجات متفاوتة من النجاح و الفشل ، صحيح أن سقوطه كان نتيجة مباشرةً لمواقفه أو لاصطدامه بخارج قوي حسم موقفه تجاهه و هو ما يأخذه الجولاني بكل جدية ، الرجل يحسب مواقفه و خطواته تجاه هذا الخارج بحذر شديد عكس تمامًا انفلاته الهستيري في الداخل ، لكن الجولاني لا يظهر أية ليونة أو أي استعداد لتقاسم جزء من السلطة مع أحدٍ أيا يكن و لا يحاول أن يعدل من فظاظة و همجية "سياساته" الداخلية إن صح تسميتها بذلك … لا يريد يسار النصرة من الرجل تغيير سياساته بل فقط أن تبدو أفضل و لو قليلًا … بالنسبة لي لا أعتقد أن الحديث اليوم في سوريا ، ما يسمى اعتباطًا بسوريا ، لا يدور لا عن الحرية و لا عن العدالة … إن الهدف الفعلي الماثل أمام من يعيشون على هذه الأرض هو إيقاف المجزرة ، صحيح أن هذا يعني باختصار إسقاط النظام الفاشي و هزيمة فكره لكن هذا وحده لا يكفي … و رغم أني و بدون أدنى تحفظ أو تردد أقف إلى جانب ضحايا النظام الفاشي الطالباني لكني في الواقع لست متأكدًا من أن العلويين و الدروز و الأكراد و لا الكثير من العرب السنة أنفسهم ، و هنا أتحدث عن النخب الأهلية و عن الفقراء على حد سواء ، سيتعاملون بما يكفي من حذر مع مظلوميتهم الفعلية الممزوجة بالدماء و الأشلاء … أعتقد أن قدرنا حتى اليوم يتلخص بكلمة واحدة هي المجزرة ، يختلف الضحايا و الجلادون ، يتبادلون الأدوار ، لكن المجزرة هي ذاتها إن لم تكن تزداد سوءًا و بربرية … صحيح أن العنف الأسدي الذي عرفناه كان أكثر وظيفية من العنف الذي نشاهده اليوم و الذي يتهدد الجميع ، حتى في حماة و صيدنايا كان العنف الأسدي موجهًا نحو غاية تطويع المجتمع ، و ما عدا سنوات الابن الأخيرة ، ترافق دومًا بجزرة ما … ما عدا الأقلية التي كانت تشتغل بالسياسة و التي كان طموحها أكبر من أن يسمح لها أن تستسلم لغواية الأسد الأب و ما عدا من كانوا في قاع المجتمع و التي كان عنف الشرطة و عنفهم المضاد جزءً لا يتجزأ من صراعهم اليومي للبقاء ، استخدم النظام الأسدي الجزرة بنجاح ما لعقود مع بقية السوريين ، لكن النظام الأسدي كان على الدوام مشروع مجزرة كامن و استعداده لارتكابها كان حاضرًا باستمرار … مع الجولاني انتقلنا إلى درجة أكثر "تقدمًا" و همجية ، أصبح العنف يوميًا و بلا معنى أو غاية ، حتى العنف الداعشي الذي كان يشبه ما مارسه جنكيز خان لدب الرعب في قلوب خصومه كان رغم همجيته التي أعادتنا عقليًا و أخلاقيًا و سيكولوجيًا إلى عصور طفولة الإنسانية عندما كانت حيوانيتها طاغية ، كان عنفًا وظيفيًا و هذا ما لا يمكن و بكل أسف اتهام الجولاني به … إننا أمام عنف عبثي ، عنف لمجرد العنف ، حالة همجية تتجاوز ما عشناه من همجية حتى اليوم ، بهدف واحد هو تلذذ القاتل بالدماء … لا يحتاج الجولاني لكل هذه الأشلاء أكثر من إرضاء سادية استثنائية في التلذذ بالدماء ، عكس ضحايا حماة و صيدنايا لم يشكل الاطباء و المهندسين و الشباب و الأطفال الذين قتلهم و يقتلهم أي تهديد له و لو بشكل غير مباشر … إيقاف هذا الانحدار الجنوني نحو الهمجية ، وضع حد للمجزرة هو الأمل الوحيد لجيلنا و الجيل الذي يليه على الأقل و الهدف الوحيد الإنساني و الممكن وسط هذه القذارة و الهمجية و بين كل هؤلاء السفلة … إن قدرة كلاب الجولاني على تبرير همجيته و تسويقها مرعبة و هم الذين كانوا قبل أيام فقط من وصوله إلى قصر الشعب لا يتحدثون إلا عن الحرية و العدالة للضحايا بل و يعتبرونه ثورة مضادة و قاتل ثورتهم المتخيلة … هذا سبب كافي برأيي للتوقف عن ترداد ذلك الهراء عن الحرية و العدالة … صحيح أن هذا الفكر الفاشي سيسقط مع الجولاني لكن لا توجد أية ضمانات في أن أشكالًا جديدة منه لن تظهر ، اعتدنا في هذا الشرق أن تكون همجية طرف مبررًا لهمجية خصومه ، و لنوقف هذه المباراة و هذا التنافس في الهمجية يجب إيقاف المجزرة بطريقة تضمن ألا تعود بأشكال أخرى ربما أكثر همجية … كي أكون واضحًا و بعيدًا عن كل الهراء عن الحرية و العدالة ، شرطي الوحيد على النظام الذي سيأتي بعد نظام الجولاني الفاشي الطالباني أو على الثورة التي ستندلع في وجهه هو ألا يكون من الممكن ذبح بشر آخرين لأنهم أقرباء و أولاد من يذبح العلويين و الدروز اليوم و ربما غدًا يذبحون أي إنسان يجرؤ على مخالفتهم أو لمجرد أنهم يستطيعون فعل ذلك دون عقاب ، و لا خطف و سبي بنات من يخطف العلويات اليوم و يعتقد أن ربه قد منحه كل نساء و أوطان و ثروات العالم … يجب إيقاف المجزرة بأي ثمن ، لعل هذه تكون بداية لشيء إنساني حقًا على هذه الأرض

حوار مع الكاتبة انتصار الميالي حول تعديل قانون الاحوال الشخصية العراقي والضرر على حياة المراة والطفل، اجر
حوار مع الكاتب البحريني هشام عقيل حول الفكر الماركسي والتحديات التي يواجهها اليوم، اجرت الحوار: سوزان امي