المثقف و القطيع

مازن كم الماز
2025 / 4 / 21

مؤسف حال من يمكن وصفه بالمثقف الخارج عن القطيع ، لا هو قادر على أن يكره الناس و لا أن يحبهم ، لا أن يوافقهم "في غيهم" و هذه ميزة "مثقف القطيع" الأبرز التي يكاد يرفعها إلى مصاف قدس أقداس الثقافة و حتى الحياة ، و لا أن يخالفهم أو بالأحرى أن يحاربهم كما يحاربوه و لا أن يتمنى لهم ما يتمنون له أو على الأقل أن يسعى جاهدًا و جادًا لهزيمة القطيع و تفريقه …
يا أمة من سفاه لا حلوم لها —— ما أنت إلا كضأن غاب راعيها
تدعى لخير فلا تصغي له أذنًا —— فما ينادي لغير الشر داعيها
هكذا وقف المعري أمام "أمته" حائرًا في أمره و أمرها ، و هو ذات الرجل الذي قال : فلا هطلت علي و لا بأرضي سحائب ليس تنتظم البلاد
لكن وقت المعري كان أيسر مما جاء بعده ، فبغداد التي كان يرفل سلاطينها في نعيم لا مثيل له و لا حتى ربما في جنان محمد و غيره ، و برهان ذلك هي تلك الكنوز التي أذهلت فاتح بغداد المغولي لدرجةٍ أن الأسطورة تقول أنه قد أمر بحبس آخر الخلفاء العباسيين مع كنوزه ليموت جوعًا و عطشًا بينها ، كان أهاليها مستسلمين لقدرهم و سيدهم بينما كانوا يقضون أوقاتهم و هم يقتتلون فيما بينهم ، شيعة و سنة ، و إذا لم تستعر تلك النار جاء الحنابلة و الأحناف ليذبح بعضهم بعضًا … ماذا كان بمقدور المثقف الخارج عن القطيع أو الرافض للقطيع أن يفعل و هو يرى جحافل المغول تقترب و من حوله من الحمقى يسجدون لسارقهم و يختصمون و يقتل بعضهم بعضًا في سبيل خرافات لا تنفع بل تضر … إذا صح ما سجل من موقف نصير الدين الطوسي و ما نقله مثلًا ابن تيمية عن علاقة الرجل بهولاكو و نصيحته له بقتل الخليفة العباسي الأخير و ما قاله عنه تلميذ الأخير ابن القيم من أنه شفا قلوب الملحدين من دماء الفقهاء و القضاة و المحدثين و استبقى الفلاسفة و المنجمين و الطبائعيين ( القائلين بأولوية الطبيعة ) و عمل على استبدال مساجد و مدارس "العلماء" بمرصده المشهور في مراغة حيث درس حركة الأجرام السماوية و نقض نظرية مركزية الأرض الأرسطية بما عرف بمزدوجة الطوسي و التي يعتقد أنها ساهمت في وضع كوبرنيكوس لنظريته في مركزية الشمس و التي طورها بعده غاليليو و كانت فاتحة لظهور العلوم الحديثة ، و يقال أيضًا أن الرجل قد قال بأن المادة قابلة للتحول لكنها غير قابلة للاختفاء و كان الطوسي أول من ألف في علم المثلثات ؛ و تسمى اليوم الفوهة الصدمية القمرية في نصف كرة القمر الجنوبية باسمه و هناك أيضًا كوكبًا باسمه و مرصدًا في اذربيجان و جامعة في إيران بينما لا يحضر اسم ابن تيمية و ابن القيم إلا في عمليات الذبح الفردية و الجماعية و لا تستخدم "نظرياتهم" و أفكارهم إلا في تبرير الذبح و الدهس و القتل و السبي و التكفير على الهوية و في ملاحقة كل ما هو عقلاني و إنساني … نعود إلى مثقف زماننا الخارج عن القطيع ، الذي يرفض خرافات القطعان المتخاصمة و هو يرى تلك القطعان تذبح بعضها بعضًا في سبيل عائشة و زينب و الحسين و يزيد ، و هو لا يدري ، هل يضحك أم يبكي ، هل يعمل على تعجيل مصائب تلك القطعان التي تجلبها هي على نفسها أم ينزوي في صومعته تلك التي عاش فيها زرادشت نيتشه عقودًا قبل أن يدفعه ثقل اكتشافاته للنزول إلى بني البشر ليذكرهم أن الله قد مات و بموته سيولد الإنسان الأعلى

حوار مع الكاتبة انتصار الميالي حول تعديل قانون الاحوال الشخصية العراقي والضرر على حياة المراة والطفل، اجر
حوار مع الكاتب البحريني هشام عقيل حول الفكر الماركسي والتحديات التي يواجهها اليوم، اجرت الحوار: سوزان امي