في أروقة الوعي الثلاثي أو تجلّيات الكينونة بين الشك والفيض

علي حسين يوسف
2025 / 4 / 11

الوعي الثلاثي ليس وصفا تقنيا مألوفا في الفلسفات التقليدية، لكنه حين يُستحضر كتصور فلسفي، يمكن أن يمثل جسرا بين الشعور الباطن، والوعي العقلي، والوعي الماورائي، أي بين الذات التي تعي وجودها من داخل حدود الحواس، وتلك التي تراقب ذاتها بوصفها موضوعا، وتلك التي تتجاوز هذا التثليث نحو نقطة تأمل هي أقرب إلى الروح منها إلى الذهن. الوعي الثلاثي هو إذا لحظة كينونة مكتملة، لا تستقر في طبقة واحدة من الإدراك، بل تتوزع على ثلاثة مستويات تتداخل وتتفاعل وتنتج ما يمكن تسميته بالوجود المزدوج للإنسان: وجوده في العالم، ووجوده في نفسه، ووجوده خارج الاثنين.
الوعي الأولي، أو الشعور المباشر، هو الوعي بالحواس، بالزمن المتسلسل، باللذة والألم، بالخوف والرغبة، بما يرد إلى الذات من الخارج. هذا الوعي لا يخلق عالما، بل يستهلكه. إنه وعي الغريزة المصقولة، المتطورة، لكنه لا يملك بعد القدرة على تأمل ذاته. يعيش اللحظة ولكنه لا يدرك معناها. لا يسأل، بل يتفاعل. لا يشك، بل ينجو أو يفنى.
أما النوع الثاني، فهو وعي الذات المفكرة. هنا تبدأ الكينونة بالاتساع، وتنقلب الذات إلى مرآة ترى فيها نفسها، وتحاكم أفعالها، وتصوغ عالمًا من الرموز والمعاني. في هذا الوعي تصبح اللغة أداةً للخلق لا للوصف فقط. الزمان لم يعد خطًا، بل صار دائرة، والتجربة لم تعد حدثًا بل قصة. هذا الوعي يخلق السرد، ويخترع القانون، ويؤسس للفعل الأخلاقي. غير أنه يظل أسير الثنائية، يحاكم ذاته بأدواته، ويظل في دائرة لا نهائية من الانعكاسات.
النوع الثالث من أنواع الوعي لا يتكلم، لا يُصاغ، لا يُختزل. هو الوعي الصامت، الغائب-الحاضر، الذي لا يعرف الفرق بين الذات والموضوع. لا يراقب بل يحضر. لا يصف بل يذوب. هو الوعي الذي يندمج فيه المرء مع المطلق، أو ما يتصوره بوصفه مطلقا، حيث لا فرق بين الناظر والمنظور، ولا بين القول والقائل. هذا الوعي لا يُتعلم بل يُكشف. لا يُملك بل يُلقى. وهو ليس ملك الجميع، بل هو نوع نادر، لا يحلّ إلا في النفوس التي فقدت كل تمركز حول الأنا، وتحررت من أوهام السيطرة والمعرفة.
الحدود بين هذه الأنواع من الوعي ليست صلبة، لكنها فاصلة. الإنسان قد يحيا في الوعي الأول طوال عمره، وقد ينهض إلى الثاني حين يقرأ أو يكتب أو يحب أو يخطئ، وقد يلامس الثالث في لحظات التجلي القصوى، حين تذوب الذات في المعنى، أو حين ينفجر الوجود في داخله كحقيقة لا تقبل الشرح.
والسؤال الأهم: من يمتلك هذا الوعي الثلاثي؟ لا أحد يمتلكه كما يُمتلك الشيء، بل هو الذي يمتلكك إن حضرت شروطه. هو ليس تراكما معرفيا، بل خرقٌ في النسق. لا يُورث، ولا يُدرس، ولا يُشترى. هو هبة، ولكنها لا تُعطى للغافلين. هو اختبارٌ، ولكن من ينجح فيه لا يعلم كيف نجح.
ماهيته ليست تركيبا من ثلاثة أوجه، بل توترٌ بينها. كلما حاولت الإمساك به انفلت. كلما عرّفته صار شيئا آخر. كأنه سرّ الذات الكاملة، ذات الإنسان إذا لم يكن إنسانًا فقط، بل سؤالًا حيًّا يمشي على قدمين.
الوعي الثلاثي هو صورة الإنسان حين يحاول أن يكون أكثر من ذاته، وأقل من ذاته، وفي الوقت ذاته، متجذرا في ذاته.

حوار مع الكاتبة انتصار الميالي حول تعديل قانون الاحوال الشخصية العراقي والضرر على حياة المراة والطفل، اجر
حوار مع الكاتب البحريني هشام عقيل حول الفكر الماركسي والتحديات التي يواجهها اليوم، اجرت الحوار: سوزان امي