|
|
غلق | | مركز الدراسات والابحاث العلمانية في العالم العربي | |
|
خيارات وادوات |

علي حسين يوسف
2025 / 4 / 7
في تأمل فكرة التوحيد بوصفها فكرة فلسفية، لا بوصفها شعارا دينيا أو مبدأ لاهوتي، تتجلى العلاقة بين الواحد والكثرة مثل عقدة مركزية في كل مشروع أنطولوجي يريد أن يتجاوز الثنائية دون أن يلغيها.
فهم التوحيد جدليا، لا يعني نفي التعدد، بل القول بانبثاقه من مصدر واحد، وعودته إلى ذلك بوصفه شرط معناه. ليس الواحد نقيضا للكثرة، بل أصلها، كما أن الكثرة ليست تشظّيا عن الواحد بل تجليه، تحققه، انكشافه في العالم.
ومن هنا يصبح التوحيد ليس اختزالا، بل تأويلاً للعالم بوصفه منظومة حية من العلاقات، تتجه كلها نحو مركز لا نهائي يحفظ لها معناها، دون أن يصادر حريتها.
الفكر الجدلي لا يكتفي بتقرير أن (الواحد هو الأصل)، بل يذهب إلى أن الكثرة هي الشكل الذي يُختبر فيه الواحد ويتعين، والوجود ليس وحدة ميتافيزيقية ساكنة، بل حركة دائمة من الانفصال والعودة، من التباين والتوحُّد، من التناقض الذي لا يُلغى بل يُستوعب في تركيب أعلى.
الكثرة ليست خطرا على التوحيد، بل دليله، مثلما أن الآخر ليس عدوا للذات، بل شرط وجودها. فالواحد الجدلي ليس قهرا للكثرة بل احتضان لها، يتجلى فيها ولا يضيع، يعبر عنها ولا يتشظى.
هكذا، فإن التوحيد لا يكون حقيقياً إلا إذا استوعب كل ما يُخالفه ظاهريا: الشر، التعدد، التناقض، الغيرية، كلها ليست نفيا له بل وجه من وجوهه، لحظة في جدل حضوره في العالم. فكما أن الهوية لا تتحقق إلا بغيرية، كذلك الواحد لا يصير واحدا حقا إلا حين يُنقَض ويُركّب في لحظة تتجاوز الانقسام دون أن تنفيه. وهذه الفكرة نجدها في صميم كل فلسفة حاولت أن تعبر من التجريد إلى الكينونة، من الذات المتعالية إلى الإنسان، من العلة الأولى إلى الحياة المعيشة.
إن هذا الفهم الجدلي للتوحيد يحرر الفكرة من اختزالها في عقيدة جامدة أو نظام معرفي مغلق، ويفتحها على أفق يصبح فيه الواحد مبدأً لا يُقصي، بل يَجمع. فالاختلاف ليس خروجًا عن الوحدة، بل شرط تفتّحها، والتعدد ليس تهديدا لها، بل المساحة التي تُفصح فيها عن غناها. ومن هنا يتجلى الفرق الجوهري بين التوحيد كسلطة شمولية تُخضع، وبين التوحيد كجدل حي يُثمّن الكثرة ويُعيد تأويلها داخل منظومة من المعنى المتحوّل.
فحين نقول (واحد)، لا نقصد وحدة رقمية تُقصي ما سواها، بل وحدة قادرة على احتواء غيرها، تنفتح عليه، وتتكامل معه، وتحفظ له فرادته دون أن تنفصل عنه. وكل وجود متعين هو لحظة في هذا الانفتاح، وكل فكر حر هو سعي نحو هذه الوحدة التي لا تكتمل أبدا، لأنها ليست هدفا، بل حركة. الواحد هنا ليس تماما مغلقا، بل أفق دائم، حضور لا نهائي يُغذي المعنى ويستدعي السؤال.
وإذا ما قارنا هذا التصور الجدلي للتوحيد بنماذج التوحيد السكوني التي تُنكر على الكثرة شرعيتها، نرى كيف أن الأولى تفتح الباب أمام تاريخ جديد للروح، يكون فيه اللقاء مع الآخر ضربا من الحوار، لا من القطيعة، ويصير فيه العقل أداة للإصغاء، لا للحكم، وللفهم، لا للإقصاء. فالواحد، في هذا الأفق، لا يتجلى في القهر، بل في الحرية، ولا في محو الكثرة، بل في احتضانها، لا في الإلغاء، بل في التأليف، حيث يصبح الإيمان فعلا تأويليًا، لا تكرارًا حرفيا.
ومن هنا فإن التوحيد، في صورته الجدلية، ليس ميتافيزيقا فوقية، بل إمكانا أنطولوجيا وأخلاقيا، يجعل من كل تعدد فرصة لاقتراب جديد من الواحد، ومن كل تناقض دعوة إلى تركيب أرقى، ومن كل فصل لحظة انتظار للوصل. وفي هذا، يتجاوز التوحيد الديني حدود العقيدة ليمتد إلى السياسة، إلى الفن، إلى اللغة، إلى كل بنية تجعل من التوتر طريقًا نحو العمق، ومن التعارض سبيلا إلى معنى أكثر اتساعا.
كل كثرة تنكر الواحد تغترب، وكل واحد ينكر الكثرة يستبد، والفكر الحق هو الذي يسكن بينهما، لا على حافة، بل في صلب العلاقة، في جمرها. والوجود ليس فقط (ما هو)، بل ما يتصارع ليصير، وما يتألم ليظهر، وما يتكرر ليُفهم. وهكذا، يصبح التوحيد مشروعا مفتوحا، لا نهاية له، لأنه لا ينشد السيطرة، بل الفهم، ولا يطلب التماثل، بل المعنى، ولا يريد تطابقا قاتلا، بل تناغما حيا، حيث تُصبح كل كثرة دعوة للرجوع، لا إلى نقطة أولى، بل إلى مركز لا يُحد، لأن الواحد الحق ليس عددًا، بل علاقة.