الشعر الجاهلي بين مطرقة العقل وسندان الوجدان: تأملات في شكوك طه حسين وردود مصطفى صادق الرافعي

علي حسين يوسف
2025 / 4 / 7

الشعر الجاهلي، الصوت الأول للذات العربية في لحظة ما قبل التدوين، أنين الناقة في الصحراء الممتدة، الترف الغوي لفرسان القبائل وهم يطاردون السراب، بل خطاب الوجود في مواجهة العدم، واستبصار مبكر للكينونة المهددة بالزوال. لقد وُضع هذا الصوت، في مطلع القرن العشرين، تحت مشرط النقد العقلاني عند طه حسين، فخرج من دائرة التقديس إلى ساحة الشك، لا عبثا بل إيمانا بأن التاريخ لا يُروى بل يُبنى، وأن الذاكرة الجمعية لا تسلم دوما من التزوير.
طه حسين لم يشك في الشعر الجاهلي لأنّه يكرهه، بل لأنه أحبه بما يكفي ليعيده إلى دائرة النور. لم يكن يسعى إلى هدم التراث بقدر ما كان يطلب له يقينا جديدا، خارج عن سلطة السند والرواية، داخل في منطق الشك الديكارتي. لقد أراد أن يُخضع هذا التراث للمنهج، أن يعامله كما يُعامل أي نص إنساني: لا قداسة له في ذاته، بل قيمته فيما يثبت من معناه وأثره. وفي ذلك، كان طه حسين حداثيا حتى النخاع، لا يثق بالكلام لأنه مروي، بل لأنه مُبرهَن ومُعلَّل، وكان يرى في الشعر الجاهلي نصا مشكوكا في نسبة كثير منه، لا لنقص في جماله، بل لفرط ما أضيف إليه أو رُكِّب عليه من بعد الإسلام، حين غدا الشعر أداة أيديولوجية وسلاحا في صراعات الهوية والانتماء.
لكن مصطفى صادق الرافعي وقف هناك، على الضفة الأخرى، لا كناقد بل كمؤمن، لا كأكاديمي بل كمتصوف لغوي، يرى في الشعر الجاهلي بديهة لا تحتمل الجدل، ومصدرا من مصادر الوحي الثقافي، ومجلى للعبقرية العربية التي لا يجوز أن تُطعن إلا ويُطعن بها معها اللسان والإيمان. لم تكن معركة الرافعي مع طه حسين معرفية فقط، بل كانت وجودية، تتعلق بالسؤال: هل من حقّ العقل أن ينزع غلالة الغيب عن تراث تكوَّن في اللاوعي الجمعي كأصل مقدس؟ وهل من حدود لهذا الشك حين يصبح سلطة موازية للسلطة الدينية؟
طه حسين تحدث باسم النور، لكن هذا النور كان باردا، عقليا، لا يراعي حرارة العاطفة التي يتشكل بها وجدان الأمة. والرافعي تحدث باسم القلب، لكن هذا القلب كان مكبلا بشهوة الحفاظ، لا بجرأة الكشف. وبين هذين التيارين، تضاعف السؤال الجوهري: هل التراث مرآة أم قيد؟ وهل على الأمة أن تواصل الإيمان بكل ما نُسب لها، أم أن تعيد كتابة ماضيها وفق منطق الفحص والتعليل لا الحفظ والتقليد؟
طه حسين علمنا أن الشك هو أداة البناء، وأن اللغة ليست جدارا مقدسا بل نسيجا حيا يتعرض لكل ما تتعرض له الكيانات الحية من تحوّل وتحريف وتزييف، وأن الأذن قد تسمع من الماضي ما يوافق الهوى، لا ما ينطق به الواقع. أما الرافعي فذكّرنا أن الجمال لا يُقاس بالمبضع، وأن في الإيمان بالتراث وفاءً للهوية لا يستقيم بدونه حاضر ولا يُؤسَّس دونه مستقبل، وأن اللغة التي لا تُعاش وجدانيًا تُختزل إلى أداة لا روح فيها.
وبين صوت الشك وصوت اليقين، يعلو السؤال الفلسفي الأعمق: أيهما أصدق؟ النص أم السياق؟ اللغة أم التجربة؟ الشك أم الثقة؟ وهل يمكن أن نكون ورثة نصٍّ دون أن نكون سَدنةَ وهمٍ؟ وهل يستطيع العقل أن يحرر ما بناه القلب على مدار قرون دون أن يهدمه؟ إن الصراع بين طه حسين والرافعي ليس صراع أفراد، بل صراع صورتين للذات العربية: ذاتٍ تبحث عن نفسها من خلال المحاكمة، وذاتٍ تحتمي بنفسها من خلال التسليم. والأمة، حين تعبر هذا المنعطف، لا بد أن تفهم أن التوازن لا يُولد من كبح الشك، ولا من إسكات العاطفة، بل من اعتراف كلٍّ بضرورة الآخر.
في النهاية، الشعر الجاهلي ليس مجرد مادة أدبية، بل اختبار تاريخي لحقيقة الذات العربية حين تروي سيرتها الأولى. وطه حسين والرافعي لم يكونا إلا صورتين مختلفتين لإنسان عربي واحد، يمشي بين ظلال ماضيه وهو يسأل: من أنا، وكيف أصدق من كنت؟

حوار مع الكاتبة انتصار الميالي حول تعديل قانون الاحوال الشخصية العراقي والضرر على حياة المراة والطفل، اجر
حوار مع الكاتب البحريني هشام عقيل حول الفكر الماركسي والتحديات التي يواجهها اليوم، اجرت الحوار: سوزان امي