|
|
غلق | | مركز الدراسات والابحاث العلمانية في العالم العربي | |
|
خيارات وادوات |
قحطان الفرج الله
2025 / 4 / 5
قحطان الفرج الله/ الحوار المتمدن
الخطاب الديني المعادي للفلسفة غالبًا ما يقوم على رؤية يقينية مطلقة للحقيقة، يرى فيها أن كل ما هو خارج الإطار الديني هو باطل أو خطر يجب محاربته، وهذا ما يدفع بعض الدعاة أو المتحدثين إلى استخدام لغة قاسية أو مهينة عند الحديث عن الفلسفة، كوصفها (بالقمامة) كما فعل أحد رجال الدين في لقاء متلفز مثلًا.
وبحسب الدكتورة مشاعل الهاجري التي ترجمت كتاب (نظام التفاهة) لآلان دونو وتألقت في مقدمتها التي فاقت في عمقها متن الكتاب نفسه، إذ نظرت بعين الخبيرة إلى الواقع الاجتماعي العربي، حيث حللت خطاب التفاهة ولغته، تقول: “على خلاف ما تُقنعنا به الأنظمة الأيديولوجية، فإن السلبية في بعض الأحيان تُعدّ قيمة. تدفع التعاليم الأيديولوجية الناس دفعًا إلى اتخاذ مواقف محددة تجاه المناطق الفكرية الخلافية… ومن منظور بيداغوجي خالص، علّمنا سقراط أن للإقناع ثلاثة مرتكزات: -منه أهما هنا- فهم طبيعة الجمهور المستهدف، واستخدام الأسلوب العاطفي Pathos لتحريك مشاعر الجماهير واستمالتهم، والاعتماد على أسلوب السرد العاطفي Mythos، الذي غالبًا ما يُثبت فعاليته الكبيرة مع الجماعات العقائدية، وهو الأسلوب المفضل لرجال الدين، بالنظر إلى حجم المخزون القصصي في التراث الديني.” هذا النوع من الخطاب لا ينبع من تفوق معرفي، بل من خوف ضمني من زعزعة المسلّمات، إذ إن الفلسفة بطبيعتها تُحرّض على السؤال والشك والتأمل الحر، وهي أدوات تعدها بعض التيارات الدينية تهديدًا مباشرًا لبنيتها العقدية المغلقة. لذا، فإن الهجوم على الفلسفة ليس في جوهره معركة فكرية بل رد فعل دفاعي يعكس ضيق الأفق وانعدام القدرة على الحوار مع أنماط تفكير مغايرة. والأكثر من ذلك أن هذا الخطاب يتجاهل التاريخ الطويل للفلسفة الإسلامية التي كانت في فترة من الفترات أداة لفهم النص الديني وتعميق معانيه، كما هو الحال عند ابن رشد وابن سينا والفارابي،وابن عربي.
فهؤلاء لم يكونوا خصومًا للدين، بل سعوا إلى إقامة جسر بين العقل والوحي. وبهذا فإن ازدراء الفلسفة هو في حقيقته تجهيل مزدوج: تجهيل بحقيقة الدين الذي يحث على التفكر، وتجهيل بحقيقة الفلسفة التي لا تدّعي امتلاك الحقيقة بل تسعى إلى تعميق فهم الإنسان لنفسه ولمصيره. كما أن نظرة كثير من رجال الدين إلى العقل لا تتجاوز كونه أداة لفهم وتأويل النصوص الدينية دون معارضتها، بل يُفترض تطويع العقل ليقبلها كما هي، لأن النصّ – بنظرهم – يقين مطلق، والعقل قاصر لا يمكن أن يتفوق عليه، وهذا ما يتعارض تمامًا مع الفكر الفلسفي الذي يرى في العقل مرجعية مستقلة قادرة على مساءلة كل شيء، بما في ذلك النص ذاته. من هنا ينشأ الصراع بين منهجين: أحدهما يُقدّس النص ويرى العقل تابعًا، وآخر يُحرّر العقل ويدعو إلى مساءلة كل السلطات، بما فيها سلطة النص وتأويله.
|
تعليقات
حول الموضوع
التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي المركز وإنما تعبر عن رأي أصحابها |
|
|
هل ترغب بالتعليق على الموضوع ؟ |