|
|
غلق | | مركز الدراسات والابحاث العلمانية في العالم العربي | |
|
خيارات وادوات |
قحطان الفرج الله
2025 / 4 / 4
(اللام الشمسية )
في سياسة حماية الطفولة
في عام 2016، كنتُ على رأس فريق محترم يضم نخبة من الخبرات العراقية النادرة، اجتمعت في حقل واحد بعد أن تلقت تدريبًا مكثفًا على يد مؤسسات عالمية بارزة، من بينها منظمة سيدا السويدية، والبنك الدولي، واليونيسف، والأمم المتحدة. ومنهم من تسنم مناصب رفيعة في الدولة، كان الهدف الأساسي لهذا الفريق هو صياغة السياسات العامة، وتطوير مبادرات تنبثق عنها برامج تدعم المنهاج الحكومي لأي حقيبة وزارية. كما عمل الفريق على إعداد دليل السياسات العامة للدولة العراقية، وتدريب عدد كبير من الملاكات الوظيفية في الوزارات والمحافظات.
من بين أبرز إنجازات هذا الفريق، كان إعداد السياسة العامة لحماية الطفولة، التي أُقرت رسميًا عام 2018، وصوت عليها مجلس الوزراء العراقي (وزارة الدكتور حيدر العبادي) لتكون مشروعًا طموحًا يمثل حلمًا عراقيًا أصيلًا. لكن للأسف، لم تجد هذه السياسة طريقها إلى التنفيذ بسبب عدة عوامل، أبرزها الحرب على داعش، والتراجع الحاد في أسعار النفط عالميًا، مما أثّر بشكل مباشر على إدارة ملفات الموازنة العامة للدولة.
شملت هذه السياسة محاور أساسية، منها مكافحة العنف ضد الأطفال، والحد من انتهاك حقوق الطفولة، وتشديد العقوبات على عمالة الأطفال واستغلالهم جنسيًا، بالإضافة إلى وضع استراتيجيات لحماية أطفال الشوارع وفاقدي الرعاية، وتصميم برامج جادة لدعم ذوي الاحتياجات الخاصة.
إن ما قدمته الدراما المصرية هذا العام في مسلسلي “ولاد الشمس” ( اخراج شادي عبد السلام، وتاليف، مها طارق، وبطولة القدير محمود حميدة، وأحمد مالك، وطه الدسوقي) يتحدث عن استغلال أطفال الملاجئ والأيتام. وكذلك مسلسل ( لام شمسية)، ( إخراج: كريم الشناوي، وتأليف، مريم نعوم تأليف: وكتب السناريو راجية حسن ،طاقم العمل: أمينة خليل ، وأحمد صلاح السعدني، ومحمد شاهين، ويسرا اللرزي، وأسيل عمران، ) عكس بدقة ما كنا نطمح لتحقيقه في تلك السياسة ، حيث يتحدث المسلسل عن التحرش الجنسي بالأطفال.
يحمل المسلسلان دلالة رمزية وسيميائي درامية عميقة مستمدة من اسميهما؛ فـ“ولاد الشمس” يرمز إلى أولاد النور، تلك الطاقة العظيمة التي تنير نهارات الدنيا، والتي لا يمكن الاستغناء عنها. هؤلاء الأطفال يمثلون قوة كامنة يجب استثمارها بالشكل الصحيح، دون التقليل من شأنهم أو انتهاك حقوقهم.
أما “لام شمسية”، فهي تلك اللام التي نكتبها لكن لا نلفظها، فهي موجودة في الحقيقة لكنها غير منطوقة، تمامًا كما هو الحال مع قضايا التحرش والخوف من الفضيحة؛ حيث يكون الاستغلال واقعًا مؤلمًا لكنه يُسكت عنه، تمامًا كما تُحذف اللام الشمسية من النطق رغم وجودها في الكتابة. وهذا إسقاط عبقري على حساسية هذه القضايا، التي كثيرًا ما يتم تجاهلها أو التستر عليها، رغم خطورتها وتأثيرها العميق في المجتمع.
لحماية أطفال العراق، الذين يعانون من ويلات الحروب، والفساد، والصراعات الطائفية والدينية.
إن السياسة العامة لحماية الطفولة التي أُقرت عام 2018 كانت خطوة جوهرية نحو بناء مستقبل أكثر أمانًا للأطفال في العراق، لكنها لم تُنفَّذ بسبب التحديات الأمنية والاقتصادية التي واجهت البلاد. اليوم، وبعد مرور سنوات، ما تزال الحاجة ملحّة لإحياء هذه السياسة وتطبيق برامجها على أرض الواقع، خاصة في ظل استمرار التحديات التي تهدد الطفولة، من العنف والاستغلال إلى الفقر والتهميش.
لذلك، من الضروري إعادة النظر في هذه السياسة، وتوفير الدعم السياسي والمالي اللازم لتنفيذها، وتفعيل التشريعات التي تحمي الأطفال من الانتهاكات بكافة أشكالها. كما يجب إطلاق برامج وطنية متكاملة تُعنى بتأهيل الأطفال ورعايتهم، بمشاركة المؤسسات الحكومية، والمنظمات الدولية، والمجتمع المدني. فمستقبل العراق يبدأ بحماية أطفاله، والوفاء بحقوقهم هو مسؤولية وطنية وأخلاقية لا تحتمل التأجيل.