سوق المشاعر

الهيموت عبدالسلام
2025 / 4 / 4

هناك في التاريخ البشري مراحل تستيقظ فيها المشاعر بقوة ، فلا يكاد يمر أسبوع حتى يحدث انقلابٌ في مشاعر الرأي العام إثر حادثة سير، كارثة طبيعية ، تظاهرة رياضية ، موت ديانا ،حرائق، انتصار المنتخب الفرنسي في كأس العالم 1998 ، حتى أصبحت المشاعر سِلعة سوقية يتم تسويقها بأيدي المتحكمين في أنشطتنا الترفيهية، الذين يستغلونها بالطريقة التي يريدونها ، يمزجون مشاعرنا في خلطة من الخوف والهلع والفرح والحزن والغضب والارتياح في لعبة تمتزج فيها المشاعر بكل تناقضاتها.

إن المشاعر أصبحت مٌصممة على الغضب والعنف والهستيريا والانفعال العاطفي والتي تلخصها نظرية " النوافذ المكسورة " بالتطبيع مع العنف اللفظي والمعنوي مما جعل المجتمع أكثر عدوانية .
أصبح لدينا خللٌ في الإحساس ولم نعد نهتز لنظرة طفل ، حفيف الريح بين الأشجار، غناء طائر ، لوحة فنية ،إبادة جماعية ، أصبحنا نحتاج لتجارب عنيفة لنحس بالحياة ، السياقة الخطيرة ، الرياضات الخطيرة ، أعمال العنف ، الموسيقى والحفلات الصاخبة ، الاهتياجات المبتذلة ، أصبحنا في سوق المشاعر وعبادتها ، نفضل المشاعر الانفعالية أكثر من الإحساس الدائم ، نفضل مشاعر الصدمة بدل الإحساس الذي يدعو للتأمل، أصبح الإنسان يبحث عن مواقف تهزه ونشاطات هستيرية تكثر فيها الحركة والصخب وليس الإحساس والتأمل.

لماذا حصل كل هذا؟
الثورة الرقمية ووسائل التواصل الاجتماعي أصبحت الأخبار والمعلومات تتدفق فيه بسرعة كبيرة لا تسمح بالتحليل والتأكيد من صدقيتها .
الخوارزميات تغذي الغضب : منصات فايسبوك وتويتر و تيك توك تفضل المحتويات المثيرة للجدل والاصطدام والخلافات مما يجلب الكثير من التفاعل والمشاركة وبالتالي الإعلانات والربح
يقول المؤسس السابق المشارك في منصة الفيسبوك "شون باركر" سنة 2017 بأن "المنصة صُممت لاستغلال نقاط الضعف النفسية لدى المستخدمين، مما يشجع على الإدمان وانتشار المحتوى المثير"
التلاعب بالمشاعر لزرع التفرقة والانقسام عبر وسائل التواصل الاجتماعي أصبح ظاهرة واسعة الانتشار، وغالباً ما يتم استخدام استراتيجيات نفسية وسياسية متطورة لتحقيق أهداف معينة،
"تشاماث باليهاثيا " نائب رئيس فابسبوك السابق في مؤتمر ستانفورد سنة2017 يقول: " نحن في فايسبوك صنعنا أدوات تمزق النسيج الاجتماعي ...أقف هنا أشعر بذنب شديد ،لقد خدعنا المستهلكين ولم يكن لدينا أي ضمير" وأضاف "فايسبوك وباقي المنصات تطلق الدوبامين في عقلك وتجعلك مدمنا على اللايكات وهذا أمر خطير " وحذر في مقابلة ( CNBC) " أنا لا أسمح لأطفالي باستخدام هذه القمامة ( فايسبوك /أنستغرام) لأنني أعرف كيف صٌممت لاستغلال الضعف البشري" ويقول ساخرا " فيسبوك لا يبيع منتجا بل يبيع تغييرا في سلوكك للمعلنين وهل تظن أن هذا أخلاقي ؟ ويضيف أن التطور الهائل الذي حصل في فايسبوك كان مبنيا على استغلال علم النفس الإدماني ، ويخلص أن التكنولوجيا ليست شريرة ولكن السياسات الجشعة هي المشكلة

-الأمة التي تلهو أكثر مما تتعلم، مصيرها أن تُحكم من قبل من يلهونها (أرسطو)
لا يخفى على أحد كم طغى الترفيه والفرجة والإثارة الرخيصة والصراعات المصطنعة ومسابقات الفضائح وبرامج تتبع المشاهير كيف يلبسون وكيف يأكلون وكيف ينامون بدون أي مضمون فكري ،مقاطع قصيرة تعزز قصر حاسة الانتباه تعتمد الإبهار البصري السريع ، يقول "غي ديبور" في كتابه مجتمع الفرجة : كل ما كان يعاش مباشرة صار مجرد تمثيل لقد أصبحت الحياة مجرد مجموعة من الصور المعروضة "
أصبح الترفيه ليس فقط أداةً للسيطرة لإبعاد الناس عن التساؤل عن واقعهم المعيشي بل يستخدم الترفيه كأفيون جديد يخدر الجماهير ويبعدهم عن النضال من أجل تغيير أوضاعهم ،

لماذا أصبح خبرٌ فنانة غيرت لون شعرها ، أو تحدي الرقص بملابس النوم ، أو رئيس دولة معينة يأكل سندويتش جبن ، أو بيلا حديد تأكل موزة والعديد من الأمثلة حيث كلمة عابرة وحركة بسيطة من المشاهير تتحول إل تريندات وملايين من الإعجابت ، لماذا حولت الثقافة الاستهلاكية الإنسا إلى إنسان راض بالتفاهة ،يسعى فقط لإشباع حاجات مصنوعة لا حقيقية يقول "هربرت وماركوز" ؟ ربما لأن السلطة تزدهر عندما يصبح الناس مهووسين بالتفاصيل التافهة، ولربما وسائل التواصل الاجتماعي أعطت حق الكلام لجيوش من الحمقى كما يقول "أمبرتو إيكو" ، ولربما إلهاء الجماهير بالتفاهات لأن التفاهة أداة للتحكم الأكثر فعالية في العصر الحديث كما يرى "نعوم تشومسكي"
في كتابه "الترفيه حتى الموت" يتحدث "نيل بوستمان " أن الثقافة تحولت إلى عروض ترفيهية تقتل الفكر النقدي وفي كتاب "مجتمع المشهد" لصاحبه "غي ديبور "يشرح كيف تحولت الحياة إلى سلسلة من الصور المستهلكة ، المشهد أصبح هو الحارس الليلي للنوم الاجتماعي ، المشهد هو إنستغرام ،تيك توك اليوتوب، إعلانات اليوتوب.

الكثير من الكتب و الكثير من الكتاب والكثير من الأفلام السينمائية التي تنتقد الترفيه الهابط والرخيص والترفيه الذي يجعلك أيقونة عالمية في 15 دقيقة ،الترفيه التي يهدف الإلهاء والتخدير والتفاهة والاستلاب والحط من قيمة الإنسان والإعلاء من قيمة الأشياء ومن قيمة الحيوانات ومن قيم منحطة مقززة لا هدف لها سور التربح والشهرة ، هؤلاء الفنانون والكتاب يطرحون بدائل لهذا التسونامي في دينامية بديلة متشبتين بالفن الذي يخدم الإنسان والعقل والروح .

الفن المرتبط بالحس هو الفن والفن هو الذي ينقدنا من العبودية اليومية ويغسل الروح من غبار الحياة اليومية كما يقول "بيكاسو" وأن الحضارة كما يقال ليست الحاجيات التي تشتريها وإنماالحاجيات التي تثري روحك ، والحضارة ليست في كم نستهلك بل كيف نفكر وكيف نبدع، الحضارة ليس تراكما للممتلكات بل تقدما في الأفكار والقيم (ويل ديورانت) ، وعندما ينام العقل تتحول الحضارة إلى خراب كما يقول ابن خلدون ، وأن الطغاة المستقبليين سيدمروننا لا بالتعذيب ،بل بجرعات لانهائية من المتعة التافهة كما قال "ألدوس هيكسلي".

لمن أراد التوسع أكثر في الموضوع هناك كتب مثل :
*عبادة المشاعر لمؤلفه ميشيل لكروا
*التلاعب بالعقول: سياسات الخوف لصاحبه نعوم تشومسكي
* الرأسمال العاطفي لإيفا إيلوز

حوار مع الكاتبة انتصار الميالي حول تعديل قانون الاحوال الشخصية العراقي والضرر على حياة المراة والطفل، اجر
حوار مع الكاتب البحريني هشام عقيل حول الفكر الماركسي والتحديات التي يواجهها اليوم، اجرت الحوار: سوزان امي