ومضة ضوء: عنوان المقال:اليهود في مصر، قبل تطهيرهم العرقي

محمد سعد خير الله
2025 / 4 / 3

تنويه: قبل القراءة هذا المقال نشر اليوم باللغة الإنجليزية في صحيفة يسرائيل هيوم عن يهود مصر قبل تطهيرهم العرقي، وانشر هنا النسخة العربية في الحوار المتمدن.

كلما تعلمت أكثر عن تاريخ بلادي، مصر، كلما ازدادت دهشتي. نحن في مصر نشأنا ونحن نكره اليهود؛ كراهية غرسها معلمونا في المدرسة، وكراهية كانت تتعزز باستمرار من خلال وسائل الإعلام.


ولكن بعد أن خرجت من مصر، فتحت مواجهتي مع آخرين كانوا قد تم طردهم أو فروا من بلدي، بما في ذلك اليهود المصريين الذين تعرضوا للتطهير العرقي، عيني على حقائق حُرمنا منها في مصر: المساهمات التي لا مثيل لها للجالية اليهودية قبل تطهيرهم العرقي شبه التام. تفاصيل الجرائم التي ارتكبتها سلطات مصر ضد مجتمعها اليهودي هي موضوع مقال لاحق. هنا، سأعرض المساهمات الهائلة للجالية اليهودية في بلدي قبل تشتتها؛ حقائق مذهلة أخفاها معلمونا ووسائل إعلامنا عنا.

في الجوهر، كان يهود مصر هم من أسسوا الاقتصاد المصري الحديث، ولا أقل من ذلك. سأبدأ بقطاع التجزئة. جميع المتاجر الكبرى في القاهرة والإسكندرية، "باستثناء واحدة"، أسسها يهود: شيكوريل، شملة، جاتجنو، بن زايون، داوود عدس، هانو، أوركو، الصالون الأخضر، والمزيد. كانت هذه المتاجر لا تقل عن متاجر "غاليري لافاييت" في باريس، و"ماركس وسبنسر" في لندن، أو "بلومينغديلز" في
الولايات المتحدة.

بعيدًا عن قطاع التجزئة، كان اليهود مسؤولين عن إدخال الصناعة الحديثة إلى مصر. فقد أسسوا:

• شركة سواريز، أول شركة نقل عام في مصر.

• شركة كوم أمبو الزراعية، واحدة من أكبر الشركات الزراعية في البلاد، إن لم تكن الأكبر.

• شركة دلتا للسكك الحديدية، التي لعبت دورًا كبيرًا في قطاع النقل.

• دار نشر مصر، واحدة من أكثر دور النشر تأثيرًا في المشهد الثقافي المصري.

• بنك الائتمان العقاري، أحد البنوك التي لعبت دورًا حيويًا في الاقتصاد المصري.

• فيليبس مصر، التي أدخلت تكنولوجيا الإضاءة الحديثة إلى مصر.

• شركة ريفولي للأحذية، واحدة من الشركات الرائدة في صناعة الأحذية.

• شركة ليكو، واحدة من أكبر شركات تصنيع السيراميك والبلاط في مصر.

• دار الأوبرا القديمة، التي كان لها دور محوري في الحياة الثقافية المصرية.

• ستوديو مصر، الذي لعب دورًا رئيسيًا في تطوير السينما المصرية.

لم يكن الوجود اليهودي في مصر مقتصرًا على القطاع التجاري؛ بل كان هناك شخصيات يهودية في مجالات مختلفة أثرت بشكل كبير في مسار البلاد الثقافي والفني والاقتصادي والعلمي. من بينهم:

• داوود حسني، أحد أعظم ملحني مصر، الذي لحن أحد عشر أغنية لأم كلثوم، ومرشد أسماهين، وقدم أول أوبريت باللغة العربية، "كليوباترا".

• مراد بك فرج ليشاع، محامي الخديوي المصري، وكاتب وشاعر غزير الإنتاج باللغتين العبرية والعربية، الذي أثنى عليه أحمد شوقي، أمير الشعراء العرب. ومن الجدير بالذكر أن كتابة فرج تشير إلى أنه كان وطنيًا مصريًا وصهيونيًا متحمسًا، مما يثبت أن الاثنين ليسا متناقضين.

• فيكتور نحمياس، أحد أبرز الصحفيين في مصر، الذي كان له دور كبير في الصحافة المصرية.

• دافيد حاحام، كيميائي ساهم في الأبحاث العلمية المتقدمة.

• موريس أنطوان صموئيل، شاعر وكاتب ترك بصمة دائمة على الأدب المصري الحديث.

• توجو مزراحي، رائد السينما المصرية.

• ليلى مراد، راقية إبراهيم (راشيل أفراهام)، وسيلفيا سيدني، الممثلات اليهوديات المصريات اللاتي اشتهرن محليًا ودوليًا.

• كامليا (ليليان ليفي كوهين)، الممثلة اليهودية المصرية الشهيرة التي قُتلت في ظروف غامضة.

• في جوهر الأمر، كانت جالية يهودية لا تتعدى 80,000 شخص من بين 25 مليون مصري في النصف الأول من القرن، مسؤولة ليس فقط عن تأسيس الاقتصاد المصري الحديث، بل قدمت مساهمات تفوق حجمها في ثقافة البلاد وتقدمها الاجتماعي.

أود أن أضيف الحقائق التالية: كان قُطاوي باشا وزيرًا للمالية أو الاتصالات. كانت عائلتا قُطاوي ومصيري مسؤولتين عن جلب دور التمويل من الخارج للاستثمار في مصر.

ومن المهم أيضًا أن نؤكد أن هذه القائمة ليست كاملة؛ فمساهمات يهود مصر في تاريخ مصر وثقافتها واقتصادها أكبر بكثير مما يمكن أن يسجله مقال واحد.

...والآن، ما أشد الخجل!

كيف شكرتهم حكومات مصر؟ إنكار الجنسية، إنكار العمل، المجازر، مصادرة الممتلكات، الاعتقالات الجماعية في الستينيات، عرض اليهود المصريين في الأماكن العامة مثل ميدان رمسيس ليتعرضوا للإهانة على يد الحشود وهم يهتفون "يَهود" ويرمون عليهم الحجارة، والاحتجاز والتعذيب في السجون المصرية السيئة السمعة لسنوات.

يجب ألا ننسى الكوارث التي حلت باليهود المصريين، وكذلك اللاجئين اليهود من البلدان العربية، إيران، أفغانستان وباكستان، إن كان فقط من أجل السلام. تفاصيل الجرائم ضد الجالية اليهودية في مصر ستكون موضوع مقال لاحق.

في نهاية مقالي، لا أجد كلمات أفضل من كلمات الراحل العظيم إيلي فزيل، الناجي من المحرقة والحاصل على جائزة نوبل للسلام: "أن ننسى الضحايا هو أن نقتلهم مرة أخرى"..

في رحيل شاكر الناصري، أحد مؤسسي الحوار المتمدن
حوار مع الكاتبة انتصار الميالي حول تعديل قانون الاحوال الشخصية العراقي والضرر على حياة المراة والطفل، اجر