|
|
غلق | | مركز الدراسات والابحاث العلمانية في العالم العربي | |
|
خيارات وادوات |

سليم يونس الزريعي
2025 / 4 / 3
إن ارتباك حماس وردود فعلها، واتهاماتها للحراك هو نتاج غيبوبة سياسية وأيديولوجية، جعلها تعيش حالة عسر فهم، أنتج عنادا ومكابرة تعجز عن رؤية الواقع، وكيف يفكر جمهور واسع من أهل غزة المنكوبين، بعد أن بات الحفاظ على حيواتهم في حد ذاتها، هو الآن الهدف، وهو كما نعتقد هو جوهر المقاومة بالمعنى الآني والاستراتيجي، في ظل المحرقة، لأنه لا يمكن تصور وجود معنى لمفهوم المقاومة دون الناس؛ الذين هم أهل غزة، وإذا كان حراك "بدنا نعيش" الذي قمعته حماس واتهمته بالعمالة كان موجها لها تحديدا، فإن حراك "بيكفي حرب" هو رسالة موجهة للجميع بمن فيهم الطرف الفلسطيني، لأنه من الغباء أن يصور البعض أن أهل غزة قد وجهوا هذه المناشدة للعدو حصرا، كون تعبير "بيكفي حرب"، في مفهومه اللغوي الشعبي الفلسطيني، هو موقف شعبي موجه أيضا إلى طرفي الصراع، يقول إن صبرهم قد نفد من استمرار تجاهل ما يتعرضون له من إبادة، دون أي إحساس بالمسؤولية، بل وعوض أن يكون إحساسا بمعاناة الناس، فإن متحدثي حماس وقطيعها يعتبرون أن محرقة غزة التي أكلت الأخضر واليابس، هو ثمن مستحق، يجب أن يدفعه أهل غزة، ثمنا لتحريرها، الذي قررته حماس وحدها، دون استشارتهم، في حين أن غزة تعيش نكبة غير مسبوقة، وباتت محتلة، وأهلها مهددون بالتهجير.
ولقطع الطريق على أي محاولة من قبل الكيان الصهيوني أو حماس، لتفسير أي شعارات أو هتافات ضد سلطة حماس، على أنها ضد المقاومة كمفهوم أو وسائل، أو خيار، فهو ليس ضد مبدأ المقاومة، لأن غزة كانت أول المقاومة، وكان أهل غزة منخرطون في المقاومة قبل أن تلتحق حركة الإخوان المسلمين فرع فلسطين بالثورة الفلسطينية بعد أكثر من عقدين من اندلاعها، وقد دفعت عن وعي ثمن خيارها ذلك في خميسنيات وستينيات القرن الماضي.
وهنا يجب التنبيه وبصرامة، منعا لأي تفسير سيء النية، فإن انتقاد حماس هو انتقاد من داخل مفهوم وحدة الشعب، وهي رسالة إلى حماس، من أنها ليست إلا جزءا من الشعب، لكنها ليست كل الشعب، أو أنها كتنظيم تعلو الشعب، ، حتى تقرر مصيره دون تفويض منه، وإنما هي حركة قد تخطئ أو تصيب، وأن عليها أن تتحمل مسؤولية تصرفاتها، كونها ليست لدى غالبية الشعب الفلسطيني ربانية، باستثناء أعضائها وأنصارها بالطبع، ولذلك يجب عليها أن تسلم، بأن صوت الشعب هو الأعلى بالنسبة لجميع القوى بمن فيهم حماس، وعلى الجميع أن يستوعب ذلك. وهذا الصوت مثله إلى حد ما الحراك، الذي جرى اليومين الماضيين، عبر شعار "بيكفي حرب"، الذي هو بمثابة رفض للمنطق الذي لا يقيم وزنا لحياة الناس، وهو بالدرجة الأساسية لا يوجه للعدو، كون عقيدة هذا العدو، هي الحرب ونفي الفلسطينيين في ذاتهم، وإنما هو موجه للطرف الفلسطيني على خلفية النتائج التي خلقها طوفانه، وهي النتائج التي جعلت موسى أبو مرزوق عضو المكتب السياسي ورئيس مكتب العلاقات الخارجية في حركة حماس، يقول في مقابلة مع "نيويورك تايمز"، نشرت في 24 فبراير 2025، "لو كنت أعلم حجم الدمار الذي سينتج عن هجوم 7 تشرين الأول 2023 لكنت عارضته"، مضيفاً "إن معرفة العواقب كانت ستجعل من المستحيل دعمه". وتابع: "لم يكن لدينا علم مسبق بخطة 7 تشرين الأول.
إن هذا الحراك كان صرخة شعب يتعرض للإبادة، طفح معه الكيل، فيما هم يعيشون النكبة بكل أبعادها، ومع ذلك هناك من يريد منهم أن يبتلعوا ألسنتهم؛ وأن يلغوا عقولهم، وأن يقبلوا بوصاية حماس السياسية والفكرية عليهم باعتبارهم شعبا غير راشد، وأن يكونوا جزءا من قطيعها، وإلا اتهموا بأنهم ضد المقاومة، وكأن غزة لم تكن هي المقاومة، وقبل أن تعلن حركة الإخوان المسلمين المشاركة في الفعل الكفاحي الفلسطيني بإعلان ميثاقها في أغسطس 1988،عبر حركة حماس، بعد اندلاع الانتفاضة الشعبية الأولى ديسمبر 1987.
إن الحد الأدنى من الإحساس بالمسؤولية من قبل حماس، كسلطة أمر واقع جاءت عبر انقلاب دموي، هو وعي أن المحرقة المستمرة منذ عام ونصف ربما حررت الكثيرين من الخوف من أن يجهروا برأيهم في مواجهة ما يتعرضون له، وهو الرأي الذي لا يعدو أن يكون مجرد تعبير عن موقف، فيما كان رد الفعل المباشر وغير المباشر من قبل حماس، قد حمل معنى التشويه والتهديد للجماهير التي شاركت في الحراك، بأن هدّدت عبر بيان صادر عن "فصائل المقاومة"، التي هي في مظهرها العام حماس بمعاقبة قادة ما سمته "الحراك المشبوه"، بأنهم مسؤولون، كما الاحتلال، عن الدماء النازفة من أبناء شعبنا، وستتم معاملتهم بناء على هذا الأساس.
وللأسف فإن اتهام جمهور واسع من الشعب، ممن كسر حاجز الخوف، الذي هو سلوك مرتبط بسلطة حماس كونه هو الذي يدفع ثمن مغامرة طوفانها التي كانت نتيجته ليس تدمير غزة، وسعى لضم الضفة، وإنما فتح الباب أمام مشاريع تهجير سكان القطاع، وهي النتيجة التي جعلت القائد الحمساوي موسى
أبو مرزوق، الذي لا يمكن اتهامه بأنه مشبوه، أو طابور خامس، أو أن الكيان الصهيوني وراء تصريحه لو كنت أعلم بما سيحدث لما وافقت على عملية الطوفان.
إن بيانات التخوين واتهام الحراك العفوي لمن كسروا حاجز الخوف المستمر منذ يونيو 2007، هو مع سبق الإصرار تحريض على الفتنة والقتل، وهو يعبر عن ذهنية تعيش حالة غيبوبة وعدم إدراك لواقع القطاع والقضية الفلسطينية الآن بعد كارثة محرقة غزة، التي هي رد على عملية 7 أكتوبر التي شكلت زلزالا بالنسبة للعدو، وهنا يجب عدم الخلط بين كونها عملا عسكريا مجردا، وبين نتائجها المباشرة وغير المباشرة عبر رد فعل الكيان الصهيوني والولايات المتحدة عليها، وهو رد الفعل الذي جعلها نكبة غير مسبوقة ليس على الشعب الفلسطيني بل على المنطقة، خاصة لبنان.
إن الاختباء خلف لافته المقاومة واتهام من تحركوا ضد الموت والتهجير بأنهم "مشبوهون"، يجهل أو يتجاهل أن المقاومة ليست شعارا للتفاخر والزينة وتبرئة الذمة، أو مفهوما مجردا، كرخصة تعطية الحق في التطاول على الشعب لمجرد أنه صرخ تعبيرا عن رأيه، في حين أن المقاومة هي مفهوم واسع، لا يرتبط بشكل واحد من الكفاح، وأن قيمة أي مقاومة هي في وحدة الأداة والقيادة، باعتبارها تعبيرا عن الكل الوطني ضمن جسم عسكري واحد، على غرار جيش التحرير الجزائري، وبوضوح أهدافها، وفي نتائجها المباشرة وغير المباشرة، في كل المجالات السياسية والعسكرية والاقتصادية والاجتماعية والثقافية وغيرها من مجالات الحياة؛ التي ذروتها الحفاظ على حياة الإنسان الفلسطيني، ومن ثم فإن أي مقاومة دون عقل عاقل هي عبث موصوف، ونربأ بأي جهة فلسطينية ترفع شعار المقاومة أن تكون كذلك.
|
تعليقات
حول الموضوع
التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي المركز وإنما تعبر عن رأي أصحابها |
|
|
هل ترغب بالتعليق على الموضوع ؟ |