|
|
غلق | | مركز الدراسات والابحاث العلمانية في العالم العربي | |
|
خيارات وادوات |
محمد سعد خير الله
2025 / 3 / 26
النسخة العربية من مقالي المنشور اليوم باللغة الإنجليزية في صحيفة يسرائيل هيوم عن سوريا.
"تعلمنا من التاريخ أن لا أحد يتعلم من التاريخ"، مقولة الفيلسوف الألماني فريدريش هيغل، وكأنها كُتبت خصيصًا للإسلاميين كلما وصلوا إلى الحكم، حيث يعيدون إنتاج الأخطاء ذاتها، وكأن الدرس لم يُستوعب قط.
ما أشبه الليلة بالبارحة! أعادني الإعلان الدستوري السوري الانتقالي، الذي صدر قبل أسبوع، إلى الوراء 12 عامًا وبضعة أشهر، وتحديدًا إلى 22 نوفمبر 2012، عندما أصدر الرئيس المصري الإخواني محمد مرسي (الذي جاء إلى الحكم بعد انتخابات مشكوك في نزاهتها) إعلانًا دستوريًا جعله عمليًا فوق المحاسبة، متقمصًا دور الحاكم بسلطة إلهية. لم يكن ذلك الإعلان سوى بداية سقوطه المدوي، الذي سرّع بفشل الإسلاميين في حكم مصر. ومع ذلك، يبدو أن الإسلاميين لا يزالون مصرّين على تكرار التجربة، رغم أن نتائجها الكارثية واضحة للعيان، ليس في مصر وحسب، بل في العديد من الدول العربية، حيث لم يحصد المواطن العربي منهم إلا الدمار والخراب وتفتيت البلدان.
دستور أم تفويض إلهي؟
في سوريا، عملت اللجنة التي صاغت هذا الدستور الانتقالي وكأنها مكلفة بأمر إلهي، فالنصوص التي وضعتها تُقدّم الرئيس أحمد الشرع ليس كرئيس دولة، بل كظل لله في الأرض، ممثلًا حصريًا له، وحاملًا أختام الجنة والنار. وفي الخلفية، كانت ميليشيات هيئة تحرير الشام تمارس إرهابها ضد العلويين والمسيحيين السوريين في الساحل، في مشهد لا ينقصه سوى موسيقى الدفوف والأناشيد الجهادية ليكتمل طقوسيًا. وكأن الدستور الانتقالي لا يُكتب بالحبر، بل يُعمّد بالدم السوري.
"عندما يُكتب الدستور بحبر الشريعة"
"يتضمن هذا الإعلان الدستوري، الذي وضعته لجنة اختارها الشرع وهواؤها داعشي، مجموعة من المواد التي أثارت غضب قطاعات واسعة من السوريين، وخاصة المكونات غير السنية، نظرًا لمخالفته مبادئ المواطنة والديمقراطية، وهما مصطلحان لم يُذكرا ولو مرة واحدة في الإعلان."
"في ميثاق الإسلاميين، تعتبر الديمقراطية من أعمال الكفر لأنها تعني حكم الشعب لنفسه. ووفقًا لنهجهم المستمد من الآيات القرآنية والأحاديث النبوية والسيرة، فإن ما ترسّخ في عقولهم هو أن سلطتهم تستمد من الله، وليس من البشر."
وأبرز النقاط المثيرة للجدل:
1. تعزيز صلاحيات الرئيس الحاكم كظل لله في الأرض
منح الإعلان الدستوري الرئيس أحمد الشرع سلطات مطلقة، فلم يكتفِ باختيار اللجنة، بل أعطى لنفسه الحق في تعيين ثلث أعضاء مجلس الشعب، وإلغاء منصب رئيس الوزراء، ما يجعله المتحكم الوحيد في السلطة التنفيذية دون أي رقابة فعلية.
عدم قدرة البرلمان على محاسبة الرئيس، مما يخلق بيئة فاشية بامتياز، بثيوقراطية واضحة.
مرجعية الفقه الإسلامي في التشريع
ينص الإعلان على أن الفقه الإسلامي هو المصدر الرئيس للتشريع، وهو ما يثير مخاوف عميقة لدى الأقليات غير المسلمة، فضلاً عن المذاهب الإسلامية الأخرى، خاصة في ظل غياب تحديد دقيق للمذهب الفقهي المعتمد. هذا الغموض يفسح المجال أمام هيمنة التفسيرات السلفية الجهادية المتشددة، بما قد يفضي إلى فرض رؤية دينية إقصائية على المجتمع بأسره.
كذلك، يشترط الإعلان أن يكون رئيس الجمهورية مسلماً، ما يعني إقصاءً تامًا لأي مرشح غير مسلم، في انتهاك صارخ لمبدأ المواطنة المتساوية. "مثل هذا الشرط يبدو أكثر ملاءمة لإقامة إمارة إسلامية على نهج داعش، وليس لبناء دولة حديثة في عصر ما بعد الحداثة."
كما ينبغي الالتفات إلى أن الحاكم، الذي يعتبر نفسه "متغلبًا"، سيحيط نفسه بفقهاء يعكسون توجهاته وأيديولوجيته، متبنيًا رؤى تتناغم مع خط زملائه الجهاديين في هيئة تحرير الشام.
3. إقصاء المكونات غير السنية
لم يتضمن الإعلان أي اعتراف صريح بالتنوع العرقي والديني في سوريا، ما يجعله دستورًا أحادي الهوية، يتجاهل الأكراد والدروز والمسيحيين والشيعة وغيرهم، الذين يشكلون جزءًا أساسيًا من النسيج السوري.
التشابه مع إعلان مرسي 2012
ما يحدث في سوريا اليوم يذكّر بشكل مخيف بإعلان محمد مرسي الدستوري في 2012، حيث نجد تشابهًا واضحًا في:
1. الهيمنة المطلقة على السلطة
في مصر، أعطى مرسي لنفسه سلطات استثنائية، وحصّن قراراته من الطعن القضائي.
في سوريا، يمنح الإعلان الجديد أحمد الشرع صلاحيات واسعة منزوعة الرقابة البرلمانية.
2. وأد الديمقراطية
إعلان مرسي ألغى دور القضاء في مراجعة قرارات الرئيس، وهو ما يتكرر في سوريا عبر إضعاف البرلمان وسلبه القدرة على محاسبة الرئيس، وتحويله إلى مجلس شكلي.
3. الإقصاء بدلًا من التعددية
في مصر، كان الإخوان يسعون إلى فرض رؤيتهم الخاصة بالمجتمع والدولة، متجاهلين التنوع السياسي والفكري.
في سوريا، يكرّس الإعلان الانتقالي نزعة إقصائية بحق الأقليات الدينية والعرقية.
اعتراضات المكونات غير السنية.
لم يكن الرفض لهذا الإعلان مقتصرًا على المعارضة السياسية التقليدية فقط، بل جاء أيضًا من المكونات التي شعرت بأنها مستهدفة ومُهمشة:
أغلبية الأكراد: يعتبر مجلس سوريا الديمقراطية (قسد) الإعلان الأخير خطوة تراجعية تنحرف عن المبادئ السابقة لتحقيق الوحدة الوطنية وتعزيز المشاركة السياسية. وصرح مظلوم عبدي، زعيم قسد، الذي وقع قبل أيام اتفاقًا مع "الشرع"، بأن هذا التحرك يمثل تلاعبًا بالمبادئ السياسية الراسخة، ويسعى إلى تهميش الأكراد. وأكد أن الاتفاق مع الشرع يهدف إلى إعادة الثقة بين الأطراف، لا إلى استبعاد الأكراد من العملية السياسية، مشددًا على ضرورة احترام الحقوق المتساوية لجميع مكونات المجتمع السوري.
الدروز: اعتبروا أن الإعلان يُرسّخ سلطة طائفية، ويهدد بتهميشهم سياسيًا واجتماعيًا.
المسيحيون: رفضوا الطابع الديني للدستور، الذي يحوّل سوريا إلى دولة دينية بدلًا من دولة مدنية، مما قد يعرضهم لمزيد من التمييز والاضطهاد.
الخاتمة
كلما أتيحت للإسلاميين فرصة لحكم دولة، بدلاً من تبني الديمقراطية، سارعوا إلى صناعة ديكتاتور جديد يرتدي عباءة دينية ليبرر سلطته المطلقة. الإعلان الدستوري السوري ليس سوى تكرار لمحاولات سابقة، مثل إعلان مرسي 2012، حيث يتم استبدال الاستبداد العسكري باستبداد ديني أكثر شمولية.
ويبدو أن الدول العربية محكومة بالاختيار بين السرطان الإسلاموي، الذي ينتشر بلا رحمة ليبتلع الدولة والمجتمع، أو الطاعون السلطوي العسكري، الذي يقمع بلا هوادة. وبين هذا وذاك، يظل المواطن العربي هو الضحية الأبدية.
| في رحيل شاكر الناصري، أحد مؤسسي الحوار المتمدن | حوار مع الكاتبة انتصار الميالي حول تعديل قانون الاحوال الشخصية العراقي والضرر على حياة المراة والطفل، اجر |
|
تعليقات
حول الموضوع
التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي المركز وإنما تعبر عن رأي أصحابها |
|
|
هل ترغب بالتعليق على الموضوع ؟ |