|
|
غلق | | مركز الدراسات والابحاث العلمانية في العالم العربي | |
|
خيارات وادوات |

سي محمد طه
2025 / 3 / 21
القضية الفلسطينية اعقد بكثير من تقييم المواقف منها خارج السياقات المحددة.
القضية الفلسطينية و القضية اليهودية التقيا في نقطة من التاريخ بعد ما يزيد عن 1900 سنة ، تراكمت فيها الاساطير و الاديان و انماط الانتاج المتعاقبة و الاحقاد الامبراطورية ،دينية و عرقية ، اثنية و لغوية ، اختلطت فيها المصالح الاقتصادية الدنيوية بالاحلام الوردية لوعود الاديان المتناسلة .
القضية اليهودية لها عمق في التاريخ البشري (نسبة الى ان الشرق الاوسط كان مركزا للبشرية في بداية التاريخ ) منذ السبي البابلي و اعادة ولادة الديانة اليهودية بعد تدمير الهيكل و تكوين الهوية الدينية بدمجها بالهوية الاثنية.
اعادة بناء اسطورة الهيكل و تدميره مرة اخرى من طرف الامبراطورية الرومانية في 70 بعد الميلاد و رحيل اليهود عن المكان الى الغرب الاروبي و شمال افريقيا و اليمن و العراق و بلاد فارس .
الديانة "اليهودية " التي استمرت مدة 1000 سنة تتكون و تتراكم بافكار اتباعها و تصنع اياتها و كتبها لحظة بلحظة تعرضت لاعظم ضربة بانفصال اليهود اتباع عيسى بعد وفاته بثلاث سنوات و تأسيس دين جيد يتبنى اليهودية بكل كتبها و اسسها و يتخلى عن كل عقم يقف امام انتشارها و جعلها ديانة لا ترتبط بفكرة الهيكل و لا بالاثنية المحددة و لا تربط قيام دولة ببناء هيكل و هي ما سمي بالمسيحية التي تبنتها الامبراطورية الرومانية كديانة رسمية لها في ما بعد و اثناء بداية الاضمحلال و ظهور بزنطة.
تقسيم الامبراطورية الرومانية جعل الحقد على المسيحية الرومانية ايمانا بحق اليهودية و الدفاع على حقها في البناء و الوجود وسيلة حرب صامتة . خاصة ان اليهود في اروبا الرومانية يعيشون مٱسي القهر و التمييز .
تطور الالة الاقتصادية بٱلات الانتاج و علاقات الانتاج اصطدمت بعقم المسيحية الكاثوليكية الرومانية و عدم قدرتها على المواكبة مما انتج المذهب البروتيستانتي الكالفاني الذي يلتقي بالكامل مع البراغماتية اليهودية في انسجام مع صعود الطبقة الرأسمالية المسلحة بفكر يهود بروتستاني يؤطر هذه الثورة الانتاجية ، الفكرية و العلمية و التقنية.
هذا التحالف الديني انسجم مع الوحدة الامبريالية الاستعمارية في تلاق مع الفكر الانساني المعاصر الذي تبنى حق الشعوب في تقرير المصير . شاع الفكر التحرري و الحقوقي في العالم الرأسمالي ، و الموازاة وجد اليهود في الاشتراكية متسعا للدفاع عن حقهم في الوجود كاثنية ثارة و اخرى كديانة مما جعلهم في مواجهة مع الحركات النازية و العنصرية في الغرب الامبريالي.
في بداية القرن العشرين قاد المسألة اليهودية قطبين اثنين ، قطب ليبيرالي استعماري تبنى اليهودية الارتودوكسية المؤسسة على اعادة بناء الهيكل و قيام الدولة اليهودية .و لقي هذا الطرح دعما في اروبا البروتيستانتية و طبقتها الحاكمة ، خاصة في بريطانيا و فرنسا و امريكا ، في حين عارضته الامبريالية النازية و الفاشية التي رفضت حتى الاعتراف باليهود كقومية تستحق تقرير المصير. و بالمقابل هناك قطب ٱخر ينشط في الاحزاب الاشتراكية العالمية ،و كان فاعلا اساسيا في تأسيس الاحزاب الشيوعية في دول العالم الثالث و قوة مهيمنة في الاحزاب الاشتراكية الاروبية. هؤلاء رغم ان اغلبهم لا يؤمن بالوحدة الاثنية و القومية لليهود ، الا انهم يعترفون بان اليهود يتعرضون لابشع عنصرية قهرية و دونية في المجتمعات الاروبية ، و بشكل اقل في المجتمعات الشرق اوسطية و الشمال افريقية. لذلك كانت مطالبتهم بمشروع وطن في اي بقعة من العالم يمكن لمن يرغب العيش فيه تحت حكم الدولة التي سيقوم عليها. و كانت الاولوية للاتحاد السوفياتي في منطقة تكون بعيدة عن اروبا خاصة بعد طرح وعد بالفور ، الذي جعل من الفكرة و المشروع شيئا منظورا.
في عهدة ستالين كقائد للاتحاد السوفياتي ، حددت لليهود منطقة بالشرق الروسي على الحدود الصينية الروسية .و تم تجهيزها و انتقل اليها عدد لا يستهان به من اليهود.
الا ان القوة الامريكية و سيطرتها على اروبا و استفادتها من التسليم البريطاني لها بتسيير العالم عبر اكبر شبكة استخباراتية و اكبر قوة اعلامية عالمية تمكنت من جعل الاغلبية من اليهود عبر منظماتهم العالمية تستقر على اختيار فلسطين التي جهزتها بريطانيا و فرنسا قبل الحرب العالمية لاستقبال اليهود. و كان اليهود الاشتراكيون يقودون عملية بناء المشروع . في هذه الظروف كاملة ليس لدى القيادة السوفياتية اي بديل غير دعم فكرة التقسيم و قيام دولتين بقرار اممي.
ستالين بعد ثلاث سنوات تم تسميمه و اغتياله و تولى سدة الحكم نكيتا سيء الذكر ، الذي سلم كل مفاتيح الحزب الشيوعي للقوى الرجعية في قيادة الحزب . بل ان جزء مهما من القيادة كان على وشك العزل بعد مؤتمر التشبيب الذي دعا له ستالين بعدما انكشفت نكوصاتهم للقومجية .
هؤلاء هم من تركوا مشروع قيام دولة فلسطين و الحلفاء العرب و الشيوعيين داخل دولة الكيان يواجهون الغطرسة النازية الصهيونية و الامريكية الفرنكوانجليزية.
هكذا وقعت القضية الفلسطينية في ملتقى كل المصالح التي تراكمت عبر التاريخ لتتنفس على ارض فلسطين.
اندمج الديني ، الاثني بالاحقاد التاريخية و انصهر في التحولات الانتاجية من العبودية الى الاقطاعية فالرأسمالية، و هاهي اليوم في نمط انتاج ما بعد الرأسمالية اذا صح المفهوم ، لتعطينا هذا الوضع الكارثي الذي اصبح فيه الدولار و المدفع هما القيمتان الوحيدتان التي تقودان العالم.
كل ما انتجته البشرية من قيم انسانية و مؤسسات لتنظيم تعميم تلك القيم لم يعد لها مكان . و الابادة الجماعية التي تدور رحاها على ارض فلسطين ليست الا تجلي من تجليات الازمة التي وصل اليها نمط الانتاج الاقتصادي العالمي الذي لم يتمكن من انتاج قيم بشرية انسانية و مؤسسات تدير الوضع على الكوكب. لكن نظرة موسعة على المساحة الزمنية في التاريخ نحن لسنا الا في مرحلة مخاض لمرحلة جديدة ستنهي هذا العبث. و المخاض هو خلق لحياة جديدة من وسط الدماء و العويل.