مسلسل (معاوية)، أسئلة واجابة؟!

سليم نصر الرقعي
2025 / 3 / 18

سألني سائل من العراق الشقيق في صفحتي على الفيسبوك عن مسلسل معاوية وعن الشخصيات التي يتناولها فقال:
"ما الحكمه من تمجيد تلك الشخصيات ؟ ثم هل يجوز نقد تلك الشخصيات بلا اساءة، فهم بشر يخطئون و يصيبون؟ ثم هل هناك تشويق درامي لمشاهدة تلك المسلسلات ؟"

فكان جوابي كالتالي:

" بعد التحية..... فإن تعظيم واحترام تلك الشخصيات العظيمة التي كان لها الدور الاساسي في نصرة الاسلام كدين ودولة هو جزء من تاريخنا العربي والاسلامي المجيد، ومع ذلك فهم، وعلى راسهم الخلفاء الراشدون، ليسوا بشرًا كاملين، ولا (معصومين)، فحتى النبي الذي هو نبي كانت له اخطاء ذكرها القرآن وإنما عصمته كانت بتصويب الوحي لأخطائه وتصحيح مساره، فهي ليست عصمة ذاتية، فالنبي عليه الصلاة والسلام، ليس معصومًا من الوقوع في الأخطاء والذنوب ابتداءً كما هو شائع، فهو بشر ولكنه اذا اخطأ صحح الله بالوحي له خطأه، وكذلك هو شديد التوبة لله، سريع العودة للصواب، فهذا النبي (محمد) الحقيقي كما عرفناه من القرآن المعصوم، فكيف اذن بخاصة أصحابه المقربين كالخلفاء الراشدين، أو عموم اصحابه اي من عاصروه وراوه وتعاملوا معه، ومنهم معاوية؟؟!! لذا فتناول بعض تصرفات الصحابة، خاصتهم وعامتهم، وتناول سياساتهم بالنقد الموضوعي، في اطار الاحترام لهم وحفظ مقامهم ودورهم واسبقيتهم في نشر الاسلام،كدين او دولة، هو نقد لا بأس به، والنقد لا يعني بالطبع الطعن في نواياهم او شيطنتهم (!!!) فهذا لا يقع ضمن النقد التاريخي الموضوعي من جهة، ومن جهة اخرى من الخطأ العلمي النقدي الفادح نقد شخصيات تاريخية من زمن غير زماننا وفي ظروف حضارية ودولية غير ظروفنا الحالية، بمعايير ومفاهيم زماننا وحضارتنا الحالية!.. هذا خطأ كبير لا مكان له في ميدان النقد التاريخي العلمي! .

كل الامم تمجد ابطالها وعظماء تاريخها باعتبارهم الاباء المؤسسين لمجد الامة، وهو امر فطري في البشر لكن في الاسلام ينبغي ان يكون (ذكر الله) اكبر واهم من (ذكر الاباء)!!.

بالنسبة لمسلسل (معاوية) فلا شك انه مسلسل مهم ومشوق سواء من حيث الرؤية الفنية او الأداء الفني وتسلسل الاحداث او بحكم كونه يتناول سيرة قائد سياسي مسلم عظيم وشخصية جدلية مثل (معاوية) بين قوم يشيطنونه ويحتقرونه ويكفرونه، وقوم آخر يعظمونه ويرفعونه فوق قدره الصحيح ويجعلونه في مقام الصحابة او مقام سيدنا (علي بن طالب) من حيث المكانة في الاسلام!!!، وهو لا شك ليس كذلك، فهو - وإن كان بمنظور سياسي بحت - افضل وامهر وأذكى وأدهى من سيدنا (علي) كحاكم وقائد سياسي مسلم، لكن بمنظور ديني واخلاقي فإن سيدنا (علي) افضل واعلى منه درجات كثيرة بمقياس الإمامة في الدين، وكلاهما مسلم وخدم الاسلام، لكن بلا شك ان معاوية كأول ملك في الاسلام كان هو رجل تلك المرحلة العصيبة وتلك الحقبة الرهيبة ((الفتنة الكبرى)) والتي دبت فيها الفوضى في عهد سيدنا عثمان ثم انفجرت ثورة هوجاء ضده بلا قيادة، ربما نتيجة للحنين للعصر الذهبي للاسلام، عصر النبي ووزيريه ((الشيخين الجليلين)) سيدانا ((ابوبكر وعمر))، تلك الثورة الهوجاء التي انتهت بقتل سيدنا ((عثمان))، وهكذا وقعت الفتنة الكبرى ووقعت الحرب بين فريقين من العرب المسلمين: فريق انصار الثأر لعثمان وربما انصار الحكم الملكي العضوض بقيادة معاوية من جهة، وفريق انصار الثورة وربما ومن يريدون العودة لنهج الخلافة الراشدة بطريقة عمر بن خطاب من الجهة الأخرى، ذلك الصراع الذي قيل أنه يحمل في طياته بصمات الصراع والتنافس الجاهلي القبلي القديم بين ((بني امية وبني هاشم)) على الرئاسة!!!، فكان النصر لمعاوية لتماسك صفوف جيشه وجبهته الداخلية فيما كانت جبهة سيدنا (علي) - وبسبب وجود العناصر الاسلامية التكفيرية الاشد تطرفًا وراديكالية وطوباوية ((الخوارج)) في صفوفه - تتصدع وتتحلل و لينتهي الامر باغتياله على يديهم!!.. الأمر الذي صب في صالح فريق معاوية بكل تاكيد، فالشيء المؤكد ان معاوية لم تخدمه مواهبه السياسية العالية فقط بل وكذلك خدمه ((الحظ)) او بالمفهوم الاسلامي ((القدر)) ، وهذا الحظ او القدر تمثل في قتل الخوارج لخليفتهم بعد خروجهم عليه وتكفيره!!،

وهكذا كان معاوية هو رجل هذه المرحلة لينقذ دولة الاسلام من هذا الاعصار المدمر ويحولها الى دولة ملك عضوض، كما تنبأ بها النبي، مع افتراض صحة هذه الروايات، ومن ثم اقامة امبراطورية اسلامية عظيمة ومهابة!، فكل المؤشرات تؤكد لي ان معاوية بالفعل هو كان رجل تلك المرحلة، والرجل المناسب لها وليس سيدنا (علي)، فالطبيعة العربية القبلية لم تستطع ان تتحمل طويلًا ذلك النظام السياسي الاخلاقي العدلي الراقي (الخلافة الراشدة) الاشبه بالنظام الجمهوري الرئاسي الذي تتداول على راسه نخبة الصحابة ببيعة رؤوس وكبار القوم، وهو النظام الذي ابتكره واقامه الصحابة بعد وفاة النبي من اجل استمرار دولة الاسلام كراع لمصالح المجتمع المسلم الجديد ، الا ان طبيعة العرب مع مرور الزمن لم تعد تطيقه وتصبر عليه، فأخذت الفوضى تدب فيه، ولم يعد من حل لهذه الحالة الخطيرة التي تولدت عنها كل تلك الفوضى الا ان يكون للعرب ودولتهم الاسلامية التي كادت تطيح بها الفتنة الكبرى الا دولة بنظام ((حكم ملكي وراثي عضوض)) يحمي وحدة الدولة واستقرارها بالقوة وبهيبة السلطان والبطش بالخارجين على طاعتها بدون هوادة،

وهكذا كان نظام الملك الوراثي العضوض هو الانسب لتلك الطبيعة العربية منذ تلك الفتنة الكبرى، ومن يدري !!؟؟ بل ربما هو الأنسب للعرب حتى يومنا هذا !!

الخلاصة أن المسلسل الذي يعرض تلك الاحداث التاريخية العظيمة والاليمة بهذه الرؤية الفنية الجميلة والمتوازنة بلا شك في تقديري هو مسلسل مشوق ورائع لا من الناحية الفنية فقط بل ومن ناحية انه عرض تلك الاحداث الجدلية بطريقة موضوعية متوازنة ربما ستساهم، في تقديري، في تقليل حجم الفجوات والجفوات بين عامة المسلمين من طوائف الامة الاسلامية المتعددة، وأما المتطرفون منهم الغارقون والعالقون بقلوبهم وعقولهم في مستنقع تلك الفتنة الكبرى من الفريقين، فهم لا علاج لهم الا يوم القيامة امام الواحد الديان. يوم يحاسبهم الله تعالى عن فقدانهم العدل والاعتدال، وعن اطلاق العنان لاحقادهم وألسنتهم على شخصيات من زمن وحدث لم يحضروه ولم يعاصروه بل تم تصويره لهم حسب روايات ظنية الثبوت اختلطت فيها الحقيقة بالخيال بالولاء والعداء والأحقاد الطائفية والقبلية والعرقية والقومية والسياسية وحولوها الى جزء لا يتجزأ من دينهم وتدينهم ، والاسلام منها براء !!

ولكم خالص تحياتي ورمضانك كريم ومبارك
اخوكم العربي المسلم المحب

حوار مع الكاتبة انتصار الميالي حول تعديل قانون الاحوال الشخصية العراقي والضرر على حياة المراة والطفل، اجر
حوار مع الكاتب البحريني هشام عقيل حول الفكر الماركسي والتحديات التي يواجهها اليوم، اجرت الحوار: سوزان امي