نعم للتهجير من قطاع غزة.. ولكن..

سليم يونس الزريعي
2025 / 1 / 29

وكأن التاريخ يعيد نفسه، عند مقاربة مبادرة ترامب بدعوة كل من مصر والأردن لاستقبال المزيد من اللاجئين الفلسطينيين من غزة، بمشروع أمريكي آخر مشبوه، سبق أن أسقطه الغزيون من لاجئين ومواطنين، عندما بدأت مباحثات بين الولايات المتحدة الأمريكية والحكومة المصرية ومندوبي وكالة الغوث اعتبارا من عام 1953, طرح فيها مشروعا مفصلا لتوطين لاجئي قطاع غزة في صحراء سيناء. وفي وقت لم تكن فيه جروح وندوب النكبة قد اندملت بعد.
إن عدم استيعاب العقل السياسي الأمريكي، مفهوم الوطن في الوعي والذهن الفلسطيني، هو وراء مقترح الرئيس الأمريكي دونالد ترامب الطازج حول تهجير سكان غزة، الذي يكشف مستوي عال من عدم المعرفة الأمريكية بالشعب الفلسطيني وربما الحماقة، عندما يتعامل مع قطاع غزة وأهله كنوع من العقار، ويكرر محاولته السابقة لتصفية القضية الفلسطينية، عندما أتحفنا بما سماها صفقة القرن في ولايته الأولي، عام 2020، تحت عنوان «السلام على طريق الازدهار»، ولاقت رفضاً عربياً صريحاً،..
ومن مفارقات السياسة الأمريكية التي تعكس التعالي والغطرسة، أنه في الوقت الي ينوي فيه ترامب إعادة مهاجرين إلى أمريكا من دول مختلفة لأسباب اقتصادية وإنسانية، يقرر نزع مليون ونصف المليون مواطن فلسطيني من وطنهم في غزة وتهجيرهم إلى دول أخرى.. بدعاوى إنسانية كاذبة خدمة لمشروع التطهير العرقي الصهيوني، كونه في نفس اللحظة يقرر رفع وقف توريد أشد قنابل الفتك إلى ذلك الكيان.
وترامب بذلك يكرر نفس حماقاته التي رافقت ولايته الأولي من 2017- 2020 ، بتغليف عملية الاقتلاع بغطاء إنساني مراوغ كاذب، كونه تنفيذ أمريكي لسياسة تهجير مستقرة في العقل السياسي الأمريكي الذي يتماهى في فكر غلاة الفاشيين الصهاينة من أحزاب الصهيونية السياسية والدينية.. الذين كانت واقعة 7 أكتوبر 2023 ذريعة لعودة فكر النفي للفلسطيني عبر التهجير، من ذلك ما كشفته ورقة نشرها معهد «مسجاف» الصهيوني ، في 17 أكتوبر 2023، تدعو لإبعاد الفلسطينيين إلى مصر، وفي 14 نوفمبر، دعا وزير المالية المتطرف، بتسلئيل سموتريتش، إلى ما سماها الهجرة الطوعية لأهل غزة، واستيعابهم في دول العالم.
ولا يمكن للمراقب توصيف قرار ترامب إلا أنه في الجوهر بمثابة مكافأة للكيان الصهيوني على حرب الإبادة التي شنها على غزة التي راح ضحيتها أكثر من 6% من أهله، وجعله غير صالح للحياة، كي يكون مبررا لمشروع ترامب الجديد.
لكن المؤكد أن من هم مثل ترامب لا يمكن أن يدركوا مدى ارتباط الفلسطيني بأرضة ولو كان يقيم في خيمة، لأن الخيمة في العقل الفلسطيني، هي فكرة أكثر منها مأوى، لأن من شأنها تذكير الفلسطيني الدائم بأرضه التي هجر منها عام 1948، وبحق العودة، ولعل مشاهد العائدين من مخيمات النزوح في جنوب قطاع غزة إلى أماكن إقامتهم المدمرة غير القابلة للسكن في شمال القطاع بعد اتفاق وقف طلاق النار، هي في الجوهر رسالة واضحة تعيد تذكير ترامب وغيره، أن أهل غزة الذين سبق لهم أن أسقطوا في وقت مبكر من عمر نكبة عام 1948، مشروعا للتهجير خارج قطاع غزة، فيما كان اللاجئون ينتظرون تنفيذ القرار الأممي رقم 194 الصادر بتاريخ 11ديسمبر 1948 الذي قرر حق اللاجئين في العودة إلى ديارهم، وأن يدفع تعويض عن ممتلكات من يختارون عدم العودة وعن الخسائر أو الأضرار التي تلحق بالممتلكات، بموجب مبادئ القانون الدولي أو الإنصاف الدولي، ينبغي أن تنفذها الحكومات أو السلطات المسؤولة.»
ويبدو هنا ضروريا التذكير أن أهل غزة بلاجئيها ومواطنيها كانوا قد أحبطوا في وقت مبكر، وهم ما زالوا تحت وقع صدمة النكبة عبر الانتفاضة الشعبية لكل أبناء القطاع في مارس عام 1955 مشروعا للتوطين في سيناء، وهي الانتفاضة التي رفعت شعارات " لا توطين ولا إسكان ... يا عملاء الأمريكان "," العودة ... العودة حق الشعب ". عبر المظاهرات التي لم يسبق للقطاع أن عرفها من قبل، وسقط فيها أكثر من 30 شهيدا ضد مشاريع التوطين ورفع فيها العلم الفلسطيني على مقر الحاكم العسكري المصري لقطاع غزة. ووأدت أول مشروع أمريكي لتوطين اللاجئين في سيناء وإفشال المؤامرة التي كانت تحاك ضد الشعب الفلسطيني وتصفية حقوقهم وإغلاق ملف القضية الفلسطينية آنذاك .
لكن السؤال هو: لم لا يذهب ترامب نحو أقصر الطرق، ليحل مسألة قطاع غزة، وهو الذي يتشدق بالإنسانية. وذلك بأن يلزم الكيان الصهيوني بتنفيذ قرار حق العودة رقم 194، الذي ينتظر اللاجئون الفلسطينيون تنفيذه منذ ستة وسبعين عاما، فيما العقبة الوحيدة أمام ذلك، هو أن الولايات المتحدة تتبنى موقف الكيان الصهيوني في التنكر له.
كما أن هناك مقاربة أخري واقعية جدا، كان على الدول المستهدفة أن تقترحها على ترامب، وبعيدا عن سيناء والأردن، وهي أن تبني مدنا مؤقتة لمن يرغب في منطقة النقب في فلسطين المحتلة، الذي يشكل أهله نسبة كبيرة من سكان القطاع، وهي مناطق شبه فارغة من السكان بعد تهجير أهلها في عام النكبة الأولى، على أن تضم إلى قطاع غزة، بحيث تكفي لاستيعاب ذلك المليون ونصف المليون من اللاجئين الذين يريد ترامب أن يقتلعهم من وطنهم نحو منافي جديدة.
لكن يجب أن يتذكر ترامب ومتطرفي الكيان الصهيوني دائما، أن الشعب الفلسطيني بكل فئاته مع قواه السياسية يرفض هذا الاقتلاع، وسيسقط مشروع ترامب الجديد، كما سبق أن أسقط مشروع التوطين الأول في انتفاضة مارس عام 1955، وأن حل مشكلة غزة وكل الشتات الفلسطيني، هي عبر تنفيذ الكيان الصهيوني قرار حق العودة الذي لن يسقط بالتقادم مهما تجبرت أمريكا.. وليكن الرد على ترامب، نعم للتهجير من غزة، ولكن إلى داخل فلسطين المحتلة، إلى مدنهم وقراهم وبواديهم هناك، حيث كانوا قبل النكبة الأولى.

حوار مع الكاتبة انتصار الميالي حول تعديل قانون الاحوال الشخصية العراقي والضرر على حياة المراة والطفل، اجر
حوار مع الكاتب البحريني هشام عقيل حول الفكر الماركسي والتحديات التي يواجهها اليوم، اجرت الحوار: سوزان امي