الليبرالية الإسلامية هي الحل، لا الأصولية الدينية ولا الأصولية العلمانية!

سليم نصر الرقعي
2024 / 12 / 20

(رسالة لما بقي لنا من العقل العربي والمسلم!)
**********
الليبرالية كمصطلح حديث تقوم على أسس عامة تقاوم ممارسة السلطوية الشمولية على الإنسان سواء من رجال الدين ورجال الدولة أو من الرجال على النساء أو العكس، أو من البالغين على الأطفال، تلك السلطوية الشاملة المدمرة للشخصية والخصوصية الانسانية. ولو تأملنا الاسلام وتعاليم وتوجيهات القرآن العظيم وبقية المصادر بعقل فقيه منفتح مستنير لوجدنا هذه القيم (الليبرالية الانسانية) مبثوثة في أحكام وقواعد ومقاصد الشريعة الاسلامية منذ 1400 عام ونيف، (عشر قرون تقريبًا بعد القرآن!!)، أي قبل أن تُولد الليبرالية كفكر وفلسفة وثقافة اجتماعية، في القرن السابع عشر، في أوروبا الغربية انطلاقًا من كتاب (التسامح) للطبيب والمفكر البريطاني وخريج الدراسات الدينية (جون لوك)، وهو مفكر مسيحي مؤمن بالله بمنهج عقلاني تحرري تجديدي مستنير، تأثر بتسامح المسلمين مع بقية الطوائف في الدولة العثمانية واستشهد بذلك في كتابه (التسامح)، وكان له، ولصرخته تلك، تأثير أساسي في ولادة (الديموقراطية الليبرالية) كحل وسطي عقلاني رشيد بين الديكتاتورية الفردية والديكتاتورية الجماعية الشعبية الشعبوية، من جهة، ومن جهة ثانية فإن أفكاره الليبرالية ساهمت في ولادة (الملكية البرلمانية) البريطانية كحل وسطي عقلاني رشيد بين مزايا ومساوئ (حكم النُخب) ومزايا ومساوئ (حكم الشعب) انطلاقًا من بريطانيا في القرن السابع عشر، حيث نجد في كتابه الذي دعا فيه للتسامح الديني كأساس لليبرالية تأثره بالتسامح الديني لدى المسلمين فيما كانت أوروبا الغربية - وبريطانيا - تعج في عصره بالتعصب الديني والطائفي والملكية المطلقة والمعاقبة الشديدة من الكنيسة والحكومة لكل من يبدل دينه أو طائفته والتي تصل لحد الاعدام كحد اعلى (!!) او سلب الممتلكات العقارية كحد ادنى (!!!)
والشيء المؤكد أن (جون لوك) لم يكن مفكرًا ثوريًا راديكاليًا بل كان مفكرًا اصلاحيًا مما يجعل الليبرالية في طبيعة منهجها أنها ((اصلاحية)) تؤمن بالتغيير الاصلاحي العميق والتدريجي المناسب لطبيعة الإنسان، انطلاقًا من تغيير الأفكار والأخلاق والسلوك، وليست فلسفة ثورية راديكالية عنيفة جذرية تطيح بشكل جذري بالنظم السياسية والاجتماعية (!!) .. ويرى البعض أن الليبرالية هي فلسفة ثورية لكنها لا تؤمن بالعنف والانقلابات ولا الثورات الشعبية بل تؤمن بالاصلاح التدريجي الهاديء الرشيد كمنهج للتغيير العميق والكبير ، وهو ما يتفق مع منهج الاسلام في الاصلاح، فالانقلابات والثورات في الغالب الأعم لا تأتي بخير وتتسبب في مظالم ومآسي وهزات اجتماعية وأخلاقية للمجتمعات تترك آثارًا سيئة أكبر وأشد من مظالم ومآسي الوضع السياسي أو الاجتماعي السابق الذي اشتعلت الثورة ضده!.
ويمكن تلخيص أهم مبادئ وقيم الليبرالية كفلسفة وثقافة اجتماعية في مواجهة التعصب الديني والاضطهاد الديني والطائفي وفي مواجهة الشمولية والحكم الملكي المطلق كما يلي:
(1) التسامح الديني والمذهبي والقومي والعرقي بين الناس... (لكم دينكم ولي دين) فهل هذا مخالف للاسلام وللشرع الحنيف؟؟؟
(2) احترام كرامة وفردانية الانسان - كإنسان فرد - بغض النظر عن جنسه ولونه ودينه ومذهبه وقوميته وموطنه وعرقه، فالإنسان هو الإنسان حيثما كان، فالبشر سواسية كأسنان المشط في آدميتهم وانسانيتهم، كلهم لآدم وآدم من تراب!.. فهل هذا مخالف للاسلام والشرع الحنيف!؟؟
(3) احترام حقوق وخصوصيات وحريات ومصالح وممتلكات الافراد دون الحاق الضرر بمصالح الأمة/الجماعة/ مجموع الافراد، (لا ضرر ولا ضرار)، فالليبرالية من حيث الأصل تعني موازنة عقلانية عادلة بين المجال الخاص والمجال العام، بين مصالح وخصوصيات الأفراد ومصالح وخصوصيات المجتمع... فهل هذا مخالف للاسلام والشرع الحنيف!!؟؟
(4) احترام حرية السوق والتجارة وقوانين الاقتصاد في ظل مصالح الأمة وثوابتها الثقافية والاخلاقية والدينية والوطنية، فهل هذا مخالف للإسلام وللشرع الحنيف!؟؟
فهذه هي الليبرالية وهذه هي أسسها وغاياتها التي قامت عليها ولن تجد فيها - عند التحقيق بفقه اسلامي دقيق وعميق - ما يخالف مبادئ الاسلام وقواعد ومقاصد الشرع الحنيف..... إذن فالدعوة لليبرالية (الاسلامية) كأساس لبناء دولنا المسلمة الحديثة هو الطريق الحكيم والرشيد للنهوض بمجتمعاتنا العربية والمسلمة بعيدًا عن هذا الاستقطاب الايديولوجي والسياسي الحاد والمستهلك لطاقات وأوقات الأمة، بين ايديولوجيات اسلاماوية أصولية وشمولية ، وايديولوجيات أصولية علمانية مستنسخة من مجتمعات لها خصوصيات تاريخية وثقافية وسياسية غير خصوصيات مجتمعاتنا!!.... مجتمعات يمكننا أن نلتقي معها في دائرة الليبرالية كفلسفة وثقافة انسانية عامة تملك من المرونة ما يجعلها تتكيف مع خصوصيات كل مجتمع وكل بلد.... وهذا هو الطريق، الطريق لبناء دول عربية ومسلمة رشيدة وديموقراطية وللنهوض بمجتمعاتنا دون أن تتخلى عن ثوابت هويتها الدينية والوطنية!
*******
أخوكم العربي/البريطاني المحب

حوار مع الكاتبة انتصار الميالي حول تعديل قانون الاحوال الشخصية العراقي والضرر على حياة المراة والطفل، اجر
حوار مع الكاتب البحريني هشام عقيل حول الفكر الماركسي والتحديات التي يواجهها اليوم، اجرت الحوار: سوزان امي