إقليم البصرة ... هل هناك ثمة ضرورة ؟

داخل حسن جريو
2024 / 11 / 4

عانت البصرة كثيرا في العقود الأخيرة , بسبب الحروب والصراعات التي دارت فيها وعلى مقربة منها , جعلت منها مدينة خاوية على عروشها , بعد أن كانت درة الخليج وأجمل ما فيه , يؤمها أهالي الخليج للراحة والإستجمام والتمتع بمناظرها الخلابة , فعلى مدى ثمانية سنين دارت على مقربة منها حرب ضروس بين إيران والعراق , إحترق فيها الأخضر واليابس , بحيث أصبحت بساتينها الخضراء أراض جرداء , وقطعت رؤوس أشجار نخيلها في أبشع مجزرة , حزت فيها رؤوس أشجار نخيلها البرحي الذي إشتهرت فيها على صعيد العالم لجودته التي لا مثيل لها , ونزح الكثير من أهلها إلى مدن العراق الأخرى ,الأكثر أمنا وإستقرارا . ولم تحصد من هذه الحرب المجنونة سوى ألأناشيد وتسميتها بمدينة المدن , هذه التسمية التي لا تغني ولا تشبع من جوع . وكان تعرف البصرة قبل ذلك بالفيحاء وجوهرة الخليج وثغر العراق الباسم , يؤمها الخليجيون لقضاء عطلهم وللراحة والإستجمام كأجمل وجهة سياحية لهم حيث الماء والخضراء والوجه الحسن , ناهيك عن حسن الإستقبال وكرم الضيافة.كانت البصرة أهم المدن المطلة على الخليج العربي وأكثرها إزدهارا , ونقطة الإتصالات الحيوية بين أوربا وآسيا قرونا عديدة .ويؤمل أن تستعيد حيويتها بعد إكمال ميناء الفاو الكبير وطريق التنمية .
وبرغم ما تتمتع به البصرة من أهمية ستراتيجية للعراق بكونها المنفذ البحري الوحيد له , وإطلالته الوحيدة على الخليج العربي , وتحاذي ثلاث دول هي إيران والكويت والمملكة العربية السعودية , وهي المصدر الرئيس لثروته النفطية , إلاّ أنها عانت وما تزال تعاني من الإهمال والحرمان .لم تنصف البصرة أبدا على مر العصور منذ نشأة دولة العراق الحديث عام 1921 وحتى يومنا هذا حيث تزداد أوضاعها سوءا عاما بعد آخر , على الرغم من مكانتها الحضارية المتميزة , وكونها أحد ثلاث ولايات ( بغداد والموصل والبصرة ) التي تشكلت منها دولة العراق الحديث,إلاّ أنها عانت من الإهمال كثيرا , ربما لطيبة أهلها الزائدة , وإفتقارها لقيادات سياسية بارزة في هرم السلطة السياسية في مختلف العصور ,حيث لم يتبؤ أي مواطن بصري منصب رئاسة الوزراء في مختلف العهود أبدا , بخلاف ما عليه الحال في المحافظات الأخرى , بغداد والموصل وذي قار وبابل وصلاح الدين وكربلاء وغيرها , ويندر تولي شخصية بصرية منصبا قياديا في الدولة في السلكين المدني والعسكري ,على الرغم من مشاركة البصريين الواسعة في أنشطة جميع الأحزاب السياسية بتوجهاته المختلفة , إن لم يكونوا في طليعة معظمها وتكبدهم الكثير من الخسائر المادية والبشرية . ويكفي أن نشير إلى أحداث عام 1991 الذي أطلق عليها النظام السابق صفحة الغدر والخيانة " وأطلق عليها النظام الحالي " الإنتفاضة التشرينية " التي راح ضحيتها مئات البصريين من جميع الأطراف .
وعندما غزت الولايات المتحدة الأمريكية وحلفاؤها العرب والأجانب , كانت البصرة من المدن القليلة التي تصدت لهذا الغزو حيث واجهت القوات الغازية , مقاومة شرسة في أم قصر إستمرت لعدة أيام ,فاجئت الغزاة الذين كانوا يتصورون أن دخولهم البصرة ليس أكثر من نزهة .
أصيب البصريون بصدمة وخيبة أمل مريرة , جراء الإهمال الشديدة التي تعانيه مدينتهم التي تدر الخير على كل العراق , وكأن حالهم حال البعير الذي يحمل ذهبا ويأكل عاقولا , الأمر الذي دفع البعض للمطالبة بإنشاء إقليم البصرة , عسى أن يكون حالهم حال سكان إقليم كردستان الذي يتصرف بثروات الإقليم النفطية وموارده الطبيعية كيفما يشاء , ويتقاضى موظفيه رواتبهم من موازنة العراق التي تمول معظمها عائدات نفط البصرة .
لم تكن الدعوة لإنشاء إقليم البصرة جديدة على العراقيين , فقد سبقتها دعوة ممائلة في مطلع القرن العشرين عند تأسيس المملكة العراقية , حيث سعى بعض وجهاء البصرة من ذوي المال والنفوذ , سعيا محموما لدى سلطة الإحتلال البريطاني القائم يومذاك , بالنأي بأنفسهم عن مجريات ثورة العشرين التي إندلعت شرارتها الأولى في منطقة الفرات الأوسط , وإمتدت فيما بعد لتشمل معظم مناطق العراق الأخرى , الساعية إلى إستقلال العراق والتخلص من سلطة الإحتلال البريطاني الغاشم , والدعوة لسلطة محلية خاصة بالبصرة لإدارة شؤونها الداخلية وتصريف شؤونها التجارية , تحت إشراف إدارة سلطة الإحتلال البريطاني لحماية مصالحهم الخاصة . وإذا ما وجدت سلطة الإحتلال تعذر هذا المطلب لأس سبب كان يتعلق بمصالحها , فأنه لا مانع لدى هذه الجهات الإنضمام لمملكة العراق تحت تسمية " مملكة البصرة والعراق " أو تسمية " ولايتي البصرة والعراق " . لم يكتب النجاح لهذا المشروع البائس الذي كان يحظى بإسناد كبار التجار من المسلمين واليهود , بفضل المعارضة الشديدة من أهالي البصرة ومساندة بعض المثقفين من سكنة البصرة الوافدين إليها من بغداد ومناطق أخرى .
على الرغم من إختلاف دوافع الدعوة لإقامة إقليم أو كيان خاص بالبصرة سابقا وحاليا , فأن الفشل سيكون مصير الدعوة الحالية لإقامة إقليم البصرة , على الرغم من الدعم الذي تحضى به في السر والعلن من قبل جهات داخلية وخارجية متنفذة,تسعى لتفتيت دولة العراق إلى كيانات أثنية وطائفية هزيلة لا تقوى على حماية كياناتها ,إلاّ بالإتكاء على الأجنبي الذي لا تهمه مصلحة العراق أو هذه الكيانات , إلاّ بالقدر الذي يؤمن فيه مصالحه أولا وقبل كل شيئ .
وهذا يدعونا إلى مطالبة الحكومة المركزية بتلبية المطالب المشروعة لأهالي البصرة المتضمنة العيش الكريم في بيئة آمنة مستقرة , وتأمين مشاركة فاعلة في قيادة دولة العراق القائمة أصلا على ولايات البصرة وبغداد والموصل , حيث يلاحظ غياب واضح لشخصيات بصرية بتبؤ مواقع قيادية سيادية في تركيبة هرم السلطة العليا ,المدنية والعسكرية الحاكمة في العراق , لا ينسجم مع واقع البصرة الثقافي والفكري والحضاري ,وما قدمته من تضحيات جسيمة في جميع معارك العراق , وفوق هذا وذاك كانت البصرة وما زالت الرئة الإقتصادية التي يتنفس منها العراق , لما حباها الله من ثروات نفطية غزيرة تعد الركيزة الأساسية التي يستند إليها الإقتصاد العراقي , ومنفذ العراقي البحري نحو العالم وإطلالته على الخليج العربي . وهذا يتطلب جعلها عاصمة العراق الإقتصادية بالفعل لا بالأقوال التي لا تجدي نفعا .

حوار مع الكاتبة انتصار الميالي حول تعديل قانون الاحوال الشخصية العراقي والضرر على حياة المراة والطفل، اجر
حوار مع الكاتب البحريني هشام عقيل حول الفكر الماركسي والتحديات التي يواجهها اليوم، اجرت الحوار: سوزان امي