|
|
غلق | | مركز الدراسات والابحاث العلمانية في العالم العربي | |
|
خيارات وادوات |

حامد خيري الحيدر
2024 / 9 / 7
يُعّد سَد "البَند" الأثري والمَعروف مَحلياً بـ"بَند العظيم" واحداً من أضخم المشاريع الإروائية التاريخية في وادي الرافدين، أثبتت البحوث الآثارية بعائدية بنائه الى القرن الرابع الميلادي حيث الفترة الساسانية 224_651م، وقد تَمّ ادراجه ضمن لائحة التراث العالمي للرَي في عام 2022، وغالباً سُميَّ السَد بهذا الاسم نسبة الى بلدة قديمة تقع في هذا المنطقة تعود الى تلك الحِقبة، أوردها المؤرخ العربي "ياقوت الحموي" في مُعجمه عن البلدان باسم "بَند نيجين"، ذكر عنها.. (بلدة لا يُعرف مَعنى أسمها تقع في طرف النهروان من ناحية الجبل).
وسَد "البَند" يقع في محافظة ديالى العراقية الى الجنوب من نهر العظيم بمسافة حوالي ثلاثة كيلومترات، عند المنطقة التي يقطع فيها هذا النهر سلسلة جبال حمرين، الى الغرب من ناحية "أنجانة" بنحو كيلومترين، وتحديداً عند المَضيق المُسمى "دمير قبّو"، شُيّد بَدنه بالحجارة الرملية المُهندمة، إنهار جزئه الوسطي بالكامل، وما تبقى منه فقط جانبيه الأيمن الصَلد والأيسر الذي يَضّم بوابات ونَواظم تصريف المياه التي تم بناؤها بالطابوق. وكانت قد جَرَت على السد العديد من عمليات الترميم والصيانة خلال الفترات الاسلامية اللاحقة استمرت حتى زمن انهياره، الذي يُعتقد أنه جرى خلال القرن الثاني عشر الميلادي، وهذا ما يَتبيّن بشكل واضح من شكل الطابوق المستخدم في عمليات الترميم تلك والذي لم يكن من أصل البناء، أنما يُبين حجمه وقياساته أنه نفسه المُستخدم في تَشييد الأبنية الاسلامية في العراق.
يبلغ إجمالي طول السد (القسم الأوسط والمُجنبات عند ضفتي النهر اليُمنى واليُسرى) حوالي مائتان وخمسة وعشرون متراً، فيما يبلغ طول قسمه الوسطي الذي يقطع النهر قرابة المائة وثلاثون متراً، كما قارب ارتفاعه السبعة عشر متراً، وتَحدد سُمكه عند القاعدة حوالي خمسة عشر متراً وعند القمة بحدود سبعة أمتار، وقد شُيّد بحيث تكون جهته الأمامية الصادة لجرَيان النهر ذات واجهة عامودية مع تًحدب في وسطها، بينما جُعلت جهته الخلفية تَميل بزاوية ستين درجة، لغرض تَحمُّل شدّة ضغط الماء، كما أنه شُيّد بطريقة ذكية من خلال استغلال الطبيعة الجيولوجية للمَضيق، إذ شُيّد جانبه الأيسر على سِن صخري كبير وبارز، بينما أسّند الأيمن والقائم على أرض سهلية مُنبسطة على دَعامة ضخمة طولها حوالي خمسة عشر متراً وسُمكها حولي تسعة أمتار مُشيّدة بالحَجر المُهندم، مُشّكِلة مع بَدن السَد ما يشبه حرف (L) اللاتيني، لتكون بمَثابة ذارع ساندة له.
لقد كانت وظيفة السد أروائية وليست تخزينية، حيث كان يَسهم في تأمين المياه لأكثر من مئة الف دونم من الأراضي الزراعية ضمن حوض نهر العظيم، وكذلك تقليله من مخاطر الفيضانات في مواسم الربيع، ويتَمثل ذلك بتصريف جُملة جداول وسَواقي من نهر العظيم، تَمتد لمسافات طويلة لسَقي منطقة "الغرفة" تلك الأرض المُنبسطة المَحصورة بين نهري ديالى والعظيم، والمذكورة في كتب البلدانيين العرب باسم "طفر"، التي تمتد لمسافة تُقارب السبعين كيلومتراً تبدأ من شمالي "الخالص" بمسافة ثمانية كيلومترات، وحتى سفوح جبل حمرين، بالإضافة الى تَصريف نهر كبير يَمتد الى الجنوب الغربي منه ولمسافة بعيدة يُعرف بـ"البَت"، الغاية منه إرواء المنطقة الواسعة المُسماة "العيث" الواقعة الى الجنوب من السَد، كان قد ورد ذكره في المصادر العربية باسم "الراذان الأصغر" لتمييزه عن نهر العظيم الذي وَرد في تلك المصادر باسم "الراذان"، وهذه التسمية مُشتقة بالتأكيد من الصيغة التي وَرد فيها أسم النهر في المصادر البابلية والآشورية وهي "ردانو" التي تعني "الذراع"، علماً أننا حتى اليوم لانزال نستخدم هذه الكلمة بقولنا "ردان الثوب" أو "ردان القميص" أي ذراعه، أما في المصادر اليونانية والرومانية فقد ذُكر نهر العظيم باسم "فيسكوس.
المصادر:
_ حامد خيري الحيدر ... حين تحكي الرمال / من ذكريات منقب آثار ... مالو / السويد 2020
_ طه باقر .... مقدمة في تاريخ الحضارات القديمة / الجزء الأول ... بغداد 1973
_ طه باقر ، فؤاد سفر ... المُرشد الى مواطن الآثار والحضارة / الرحلة الرابعة ... بغداد 1965
_ ياقوت الحموي ... مُعجم البلدان / المجلد الأول ... بيروت 1977