في الذكرى أل (52 ) لاستشهاده: غسان كنفاني كان مثقفاً عضوياً وعلامة فارقة في الإبداع الأدبي

عليان عليان
2024 / 7 / 10

في الذكرى أل (52 ) لاستشهاده: غسان كنفاني كان مثقفاً عضوياً وعلامة فارقة في الإبداع الأدبي
بقلم : عليان عليان
لم يكن صدفة أن يضع العدو الصهيوني اسم غسان على قائمة الاغتيالات مبكراً ، رغم أن بندقيته كانت مجرد قلم وريشة ، إدراكاً منه أن قلم غسان في مقالاته ورواياته وقصصه القصيرة يؤرخ للقضية، ويعبئ بالثورة ويبشر بها بشكل يومي ، وإدراكاً منه أنه مثقف عضوي ومشتبك، وأن بقائه على قيد الحياة مع بقية المبدعين المناضلين ،يشكل خطراً على المشروع الصهيوني في فلسطين ، ولأن استمرار مشروعه في الكتابة بمختلف تجلياتها يسهم في ولادة أجيال لا ترى في غير المقاومة سبيلاُ لتحرير فلسطين.
نعم لم يكن صدفة أن يقوم العدو باغتياله في الثامن من تموز (يوليو) 1972 ، لأنه كان بلدوزر إعلامي ليس على الصعيد الوطني والقومي ،بل على الصعيد العالمي ، يشرح بإسهاب حقائق القضية وجذورها وأبعادها ،وبآليات إقناع لم تتوفر لغيره ، ولأن همه الرئيسي تمثل في تربية أجيال وأجيال يحملون مشعل القضية والثورة، بعيداً عن لغة المساومات والمفاوضات ويؤمنون أن الصراع مع العدو الصهيوني صراع وجود، وليس صراع حدود وأن سمة هذا الصراع كانت وستظل تناحرية بامتياز.
لقد كان غسان – كما وصفه بعض النقاد -حاضر البديهة، واعياً مأساة الفلسطيني برؤية متطورة، فجاءت أعماله الروائية دالة على التفرد والأصالة، وعلى مدى التلازم بين الفن وقضية الإنسان، ومدى استعداد الفنان لأن يجعل فنه في خدمة الشعب، وقدرته على الاحتفاظ بالتوازن الضروري بين الإثارة الفنية المتجددة، والحاجة الشعبية المتطورة.
تحضرني في هذه المناسبة ما كتبه الراحل الكبير د. جورج حبش عام 1986 في ذكرى استشهاده، وما كتبه الراحل الكبير الشاعر محمود درويش من رثاء له في جريدة السفير اللبنانية غداة استشهاده، نقتطف مما كتبه د. حبش ما يلي: إ"نه لأمر كبير الدلالة أيضاً أن يكون غسان كنفاني من أوائل المبدعين الفلسطينيين، الذين لجأت الصهيونية إلى إسكاتهم بالقتل، مع أن أسلحتهم كانت القلم والكلمة، وذلك لأن قلم غسان كان بندقية، ولأن كلمته كانت رصاصة، قتلته الصهيونية وسعت للتخلص من تراثه الإبداعي العميق"... "غسان موهبة فريدة متعددة الاتجاهات وطاقة هائلة لا تستنفذها اهتماماته الكثيرة، التي وإن كانت تتناقض في متطلباتها إلا أنها تتكامل في توجهها نحو مصب واحد هو فلسطين، التي ظلت هاجس غسان والتزامه، والتي لأجلها أبدع كأديب وقاتلَ كمناضل سياسي إلى أن وضع الإرهاب الصهيوني حداً لحياته الحافلة بالعطاء، وبكل ما هو جميل ورائع".
ونقتطف مما كتبه درويش ما يلي: "طوبى للجسد الذي يتناثر مدنا، وطوبى للقلب الذي لا توقفه رصاصة، لا تكفيه رصاصة! نسفوكَ، كما ينسفونَ جبهةً، وقاعدةً، وجبلاً، وعاصمة، وحاربوكَ، كما يحاربون جيشا... لأنك رمز، وحضارة جرحٍ.... ولماذا أنت؟... لماذا أنت؟... لأنَّ الوطن فيكَ حقيقي وشفاف، وابتكار لأنهار منحوتة مياه...
وبعد: ماذا أقول في غسان بعد مرور 52 عاماً على استشهاده؟
غسان: اثنان وخمسون عاماً مضت على استشهادك، وكأننا افتقدناك بالأمس القائد السياسي الفذ والأديب المبدع، ونتألم بأثر رجعي لفراقك، رغم المحطات العديدة التي مررنا بها منذ استشهادك، وللفراغ الكبير الذي تركته في ساحتنا الأدبية والكفاحية والسياسية، ولا نبالغ إذ نقول: أن مقعدك في "الهدف" بعد خمسة عقود من الزمن لا يزال شاغراً، وموقعك في المكتب السياسي للجبهة الشعبية لتحرير فلسطين لا يزال شاغراً ، وموقعك في حركة التحرر العربية- رغم كل ما ألم بها – لا نجد من يملأه، لما تنفرد به من خصوصية.
ولا نبالغ إذ نقول أيضاً ، أن حضورك ودورك يا ابن الستة والثلاثين ربيعاً، في ساحة الأدب الوطني والقومي بواقعيته والعالمي بتقنيته لا يزال شاغراً / غسان: نخبرك أن (أحفاد رجال في الشمس) رفضوا الخلاص الفردي من الواقع السيئ، ذلك الخلاص الذي قاد أبو قيس ومروان وأسعد، للانقياد وراء قيادة (أبو الخيزران) المخصية وعاشوا عجز اختيار الطريق الصحيح والقيادة الصحيحة، العجز عن دق جدران الخزان، فكان الموت.. ذلك المصير السيئ في مكب نفايات الكويت ... نخبرك غسان أن أحفاد "رجال في الشمس" الذين انتظموا في صفوف المقاومة ضد الاحتلال الصهيوني، لا زالوا يخوضون معركة مزدوجة ضد الاحتلال وضد من أصروا على أن يزنوا في الثورة تحت مبررات وعناوين حل الدولة والدولتين .
نعلمك غسان: أن قيادة أبي الخيزران المخصية ، التي تربعت منذ عقود على سدة النظام العربي الرسمي، تم استبدالها في زمن الربيع العربي المزعوم بقيادات لا خصية لها، كل همها إرضاء العم سام ،عبر التآمر الذي لا ينفك ضد قضايا الأمة وعلى رأسها القضية الفلسطينية وضد المقاومة الفلسطينية وأطراف المقاومة عموماً.
ونخبرك غسان: بأن طريق المفاوضات مع العدو الصهيوني ،الذي اقتلع شعبنا من أرضه، ذلك الطريق الذي رفضته مبكراً وبشكل مطلق، في إحدى مقابلاتك مع الصحافة الغربية أصبح هو النهج السائد للقيادة المتنفذة في منظمة التحرير، ووصلت الأمور بإحدى قيادات "النهج الأوسلوي" أن يخرج علينا بمؤلف بعنوان ( الحياة مفاوضات ) وأن يعلن رئيس المنظمة والسلطة معاً "أن التنسيق الأمني مع الكيان الصهيوني مقدسا"... وفي ذاكرتنا، إجابتك- التي لا تمحي على سؤال ذلك الصحافي الأسترالي عام 1970: لماذا لا تدخل منظمتكم في محادثات سلام مع الإسرائيليين؟ أجبت في حينه في استشراف عميق للمستقبل "أنت تقصد محادثات استسلام.. هذا نوع من الحديث بين السيف والرقبة".
ننبيك غسان: أن (المجابهة طريق الخلاص) وعوامل التغيير الجنينية في (ما تبقى لكم) وقد تراكمت في حياتكم، استمرت في التراكم بعد استشهادكم، وبفعل نضالات شعبكم، أنجبت "كيفاً" نوعياً، عبر عن نفسه في الفعل المقاوم النوعي في الضفة الفلسطينية ، وفي مواجهة سلسلة الحروب العدوانية الغاشمة على قطاع غزة وتحقيق انتصارات تكتيكية فيها، وفي انتفاضة الحجارة (1987-1993) وانتفاضة الأقصى (2000-2006)، وفي الهبات الشعبية اللاحقة ، وصولا لمرحلة غير مسبوقة في الصراع مع العدو الصهيوني عنوانها (معركة طوفان الأقصى ) التي نقلت قضية تحرير فلسطين من زاوية الإمكانية التاريخية إلى دائرة الإمكانية الواقعية ، وكشفت بؤس الرهان على خيار أوسلو والمفاوضات مع العدو الصهيوني، وأجبرت العدو على طرح سؤال الوجود لأول مرة منذ نكبة 1948، وأعادت الاعتبار للرواية الفلسطينية – تلك الرواية التي ناضلت طويلاً من أجل تكريسها – وأهالت التراب على اتفاقيات أوسلو ومعاهدات التطبيع مع العدو الصهيوني.
ننبيك غسان : بأن (أم سعد) عنوان تلك الطبقات التي لا تعرف الاستسلام، رغم استشعارها الهزيمة وشربها الكأس المرة حتى الثمالة، عاشت كل معارك الثورة حتى تسعينات القرن الماضي قبل الدخول في دهاليز الاستسلام، وأن تلك "المشحرة" ظلت على عادتها قبل وفاتها وفية لقضية الثورة والثوار... وفي هذا المقام مقام (أم سعد) نتذكر مقولتك "خيمة عن خيمة بتفرق" وننبيك بأن العود اليابسة، التي زرعتها تحولت إلى كروم ودوالي، فمن رحم الهزيمة يولد التحدي ويزدهر النصر.
ونكتشف فيك غسان التحول النظري إلى العالمية والأممية، قبل أن يلج الآخرون إلى مواقعها فقطعت المسافة إلى النظرية عبر محطات الأدب... (فحميد) المشرد في (كعك على الرصيف) ليس ببعيد عن (غافروش) المشرد في "بؤساء فيكتور هوجو" والمناضلة "أم سعد" ليست بغريبة عن (الأم) عند مكسيم غوركي.
وأنت في تحولك غير الآخرين، لم يكن تحولاً ميكانيكياً، بل عبر قراءة متأنية معمقة وتفاعل مستمر ومعاناة، وبالتالي لم يكن صدفةً "نفس الوجود" في (القبعة والنبي... والباب)، والأهم من ذلك أنك جسرت المسافة بينك وبين الاشتراكية العلمية، دون أن تغادر موقعك الوطني والقومي، وأذبت الجليد بينك وبين النظرية بأدق تفاصيلها، عبر تجوالك المستمر في حدائق الأدب الأممي والسوفييتي.
وتحول غسان في السياسة والأدب، ارتبط بتحوله طبقياً عبر النكبة وبفعلها عام 1948، حيث عاش المخيم وعاناته ، وعمل مع شقيقع غازي في لصق أكياس الورق الكبيرة بالصمغ، وفي المطعم والمطبعة، ومدرساً، وانتهى بك المطاف مثقفاً غايةً في الثورية، ملتزماً بأصول النظرية وأخلاقياتها، ومن هنا كان موقعه القيادي في الثورة الفلسطينية، ولهذا السبب استوحى جميع أبطال رواياته من الواقع – الذي كان يصدمه بقوة – وليس من الخيال، فكانوا من المخيم وليس من خارجه.
غسان كنفاني: وتختصر الحنين إليك مقولة أبو فراس الحمداني (وفي الليلة الظلماء يفتقد البدر).. ونختصر الزمن الماضي ومحطاته، "لتعود بنا الذاكرة إلى اليوم الذي نسفوك فيه كأنما نسفوا جبلاً وجبهةً وقاعدة وعاصمة، وحاربوك كما يحاربون جيشاً، لأنك رمز وحضارة جرح، ولأن الوطن فيك صيرورة مستمرة وتحول دائم، من سواد الخيمة حتى سواد النابالم ومن التشرد حتى المقاومة" – على حد تعبير الراحل الكبير محمود درويش- نختصر الزمن الماضي ومحطاته، وكأن جثمانك الملفوف بالعلم الفلسطيني الذي عشقته لا يزال مسجى في باحة مقبرة الشهداء، بعد أن اغتسلت بيروت الثكلى بحزنها، وحملتك تحت صهد شمسها الملتهبة على أكتاف الرجال الرجال من رفاقك، الذين أحبوك وساروا على دربك، فمنهم من قضى نحبه ومنهم من ينتظر.
وسلوانا في ذكراك أنك كنت ولا تزال مدرسةً في الإبداع الأدبي بعد أن أنجزت في زمن قياسي من عمرك أربعة عشر عملاُ أدبياً ما بين الرواية والقصة القصيرة والمسرح، وبعد أن قدمت خدمة كبرى للمقاومة وأدبها في المناطق المحتلة من وطننا عام 1948 في مؤلفك (الأدب الفلسطيني المقاوم تحت الاحتلال 1948- 1968)... كنت ولا تزال ومدرسة في السياسة والكفاح، نسترشد بها وبمنهجك الكلي... سلام عليك.

حوار مع الكاتب البحريني هشام عقيل حول الفكر الماركسي والتحديات التي يواجهها اليوم، اجرت الحوار: سوزان امي
حوار مع الكاتبة السودانية شادية عبد المنعم حول الصراع المسلح في السودان وتاثيراته على حياة الجماهير، اجرت