ما يستحضره التاريخ للرد على كتاب عبد الجبار أيوب (مع الشيوعيين في سجونهم) (4-4)

نبيل عبد الأمير الربيعي
2024 / 7 / 10

مشكلة المؤلف عبد الجبار أيوب أنه في كتابه يربط ما بين الصهاينة والشيوعيين كمبدأ واحد وهذا غير صحيح، فالصهيونية بعيدة كل البعد في المفاهيم والسلوك والمعتقد عن الفكر الشيوعي والشيوعية، لكن المؤلف يكرر وراء كل مصطلح (صهيوني، صهاينة، صهيونية) مصطلح الشيوعية والشيوعيين، وهذا السلوك في التوثيق يدل على الحقد الدفين الذي يملأ صدر المؤلف وروحيته الحاقدة.
فمن حقده على السجناء الشيوعيين، وعند نقله يوم 28/3/1949 من سجن الناصرية إلى سجن نقرة السلمان، ومباشرته بتاريخ 4/4/1949 كان عدد السجناء في النقرة (30) سجيناً شيوعياً كما ذكر المؤلف في صفحة 70 من الكتاب، فطالب المسؤولين على مديرية السجون بضرورة نقل جميع السجناء الشيوعيين من سجون بغداد والكوت والحلة وبعقوبة إلى سجن نقرة السلمان، فجاء في ص71 من الكتاب ما يلي: (ولكني وجدت من المصلحة أن نخفف عن السجون بنقل الشيوعيين فيها إلينا، فطلبت إلى المديرية العامة نقل 30 سجيناً شيوعياً. وهنا بدأت علامات الاستفهام ترتسم على وجوه المسؤولين لطلبي ذاك، فأبرقوا إليَّ أن أؤكد الطلب لعلي واهم في هذا العدد، فأكدت برقيتي بأني (أطلب هذا العدد). ونقل إليَّ على سيارات الشرطة ثلاثون سجيناً من الصهاينة والشيوعيين، فأمرت المأمور بتطبيق نظام السجون عليهم ووضعهم في المكان المعدَّ لهم من السجن، ثم طلبت وجبة أخرى لا تقل عن الستين، فأرسلوا إليَّ فصنعت بهم ما صنعت بسابقيهم، ولم تمضِ مدة حتى زادت طلباتي على الأربعمائة سجين. وأخيراً وفي شهر واحد، تجاوز عدد المساجين الأربعمائة والخمسين من الصهاينة والشيوعيين، عجّت بهم أرجاء (نقرة السلمان) وازدحمت بهم ابهاء السجن وساحاته وحجره فأصبح الشيطان يؤذن فيهم: (أن قوموا بمشاغباتكم وانشروا شباككم وأحابيلكم فقد أصبحتم من الكثرة بحيث تستطيعون أن تعملوا شيئاً). وهبّوا جميعاً يلبُّون النداء مسرعين مهطعين إلى تنفيذ أوامر سيدهم، ولكنهم ظلوا في كل مرة يبوؤون بالفشل الذريع والخسران الأكيد، فذلوا واستكانوا وكان حقاً على الله نصر المؤمنين ومساندة العاملين في سبيل المصلحة العامة وإذلال الباطل، إن الباطل كان زهوقا).
هذا غيث من فيض مما ورد في كتابه (مع الشيوعيين في سجونهم)، الصادر عام 1958م في بغداد من قبل مطبعة المعارف، وبواقع (340) من الحجم الوسط.
وتعقيباً على ما ذكره المؤلف عبد الجبار أيوب من افتراءات على سجناء في سجن نقرة السلمان لا حول ولا قوة لهم، ونافياً لوفاة أي سجين آنذاك، فقد تناسى وفاة أو استشهاد السجين الشيخ علي الشيخ حسين، وهو رجل دين من العمارة، وفيما يلي أذكر شهادة الراحل زكي خيري وهو أحد سجناء نقرة السلمان آنذاك، وممن عاش حالة الأضراب عن الطعام، وفق ما ذكره في مذكراته (صدى السنين في ذاكرة شيوعي مخضرم)، صفحة 154، قائلاً: (كان ماء الشرب شحيحاً في نقرة السلمان، حيث السجن ومقر شرطة البادية الجنوبية وعوائلهم كل هذه المئات من الشفاه تنتظر مياه الشرب؛ الذي كان ينقل بسيارة واحدة من عيون خارج (النقرة) أي المنخفض. وعندما تأتي السيارة بحصة السجناء من الماء كان رفاقنا يخرجون بالدور حسب الخفارة لينقلوا الماء بصفائح من الصفيح (تنكات) مملوءة معلقة على طرفي قضيب طويل من الخشب، يحملونها على اكتافهم ويهرولون به إلى داخل السجن معتنين كل العناية لئلا تنال الأرض نصيبها من قطرات الماء بخلاف الخمرة التي يقول فيها الشاعر:
- وللأرض من كأس الكرام نصيبُ!
فالماء هنا أعز من الخمرة لو وجدت هذه. وقد حدث ذات مرة أن رشقة من الماء انطلقت إلى الأرض من الصفائح التي كان يحملها رجب عبد الكريم الطالب الحقوقي، فقامت قيامة مدير السجن على هذا (الهدر)، ووجه كلمةٍ مهينة إلى الرفيق، فلما علم سالم عبيد النعمان بذلك فقد زمام نفسه، وأصدر إيعازاً مرتجلاً منفعلاً صاعقاً بالكف فوراً عن الكل. وكان الرفاق ملتمين حول القصاع وقد بدأوا تواً بالأكل بين تناول الملعقة الثانية والثالثة. وكان الإيعاز العسكري الفوري الصارم:
- اتركوا القصاع في فناء السجن!
واعلن الأضراب عن الطعام حتى الموت أو حتى ينقل مدير السجن الجلاد عبد الجبار أيوب، الذي شنقهُ طيب الذكر عبد الكريم قاسم بعد ثورة 14/ تموز 1958، مع بهجت العطية مدير التحقيقات الجنائية سوية.
وتورطت المنظمة في اضراب مرتجل فجائي لم يفكر فيه أحدٍ قط، بما فيهم القائد الآمر الناهي الذي أوعز بالاضراب... وقد طال الاضراب بسبب تأخر الخبر عن المتضامنين في بغداد، أي عوائل المضربين والشيوعيات اللواتي ينظمنّ المظاهرات... جاء مدير شرطة البادية إلى السجن وطلب وفداً من السجناء المضربين عن الطعام، فاستدعانا (أنا وكاظم حمادة) سالم عبيد لينتدبنا للمفاوضات... فطلبت من مدير الشرطة وكان مسلكياً فظاً سيء الأخلاق تدرج من شرطي بسيط إلى ضابط شرطة كبير، طلبت الوعد بنقل مدير السجن لننهي الاضراب. فانفجر كدملة مكتظة بالقيح وجرى سيل من القذارة من فمه... وانتهت المفاوضات... بعودة (ما كان إلى ما كان عليه)، أما مطلب نقل مدير السجن فتعويذة للحفاظ على ماء الوجه أمام الرفاق، إذ كان مقتنعاً أن هذا المطلب لن يتحقق لأن عبد الجبار أيوب اختير خصيصاً لأذلال الشيوعيين... واستمر الاضراب بعد ذلك بأيام قلائل أخرى، وانتهى بشروط (جديدة) وهي استعادة المكاسب القديمة: المخزن والمطبخ واجراء تحسين طفيف في تجهيز ماء الشرب).
من خلال نقل ما ذكره الفقيد الراحل زكي خيري في مذكراته نجد أن صاحب الألفاظ البذيئة وسيل القذارة من الفم هم المسؤولين على سجن نقرة السلمان لا كما ذكرها عبد الجبار أيوب في مذكرات هذه.
ثم ينقل لنا عبد الجبار أيوب في كتابه، أنه على معرفة بتاريخ السجين سالم الفخار، قائلاً: (وكنت اعرف هذا السجين من قبل، فقد عرفتهُ طالباً بالكلية العسكرية واسمهُ (سالم الفخار) من أهالي الموصل، وهو وسيم قسيم لا يتجاوز التسع عشر سنة، ذو شارب اشقر جميل، وهو وديع لطيف الحديث ومن عائلة محترمة).
وعند اطلاعي على كتاب عبد الفتاح علي البوتاني، تاريخ الحزب الشيوعي في لواء الموصل 1934-1970 (دراسة سياسية وثائقية)، تقديم د. حسام الدين إسماعيل رشيد، أربيل، مطبعة روزهه لات، ساعدت الاكاديمية الكوردية في اربيل على طبع الكتاب، 2023، ص672، الوثيقة رقم (17). وجدت أن سالم عبد الله الفخار من مواليد الموصل، كان يعمل خبازاً في مدينة الموصل، لا كما ذكر مدير السجن عبد الجبار أيوب أنه يعرفه كان طالباً في الكلية العسكرية، علماً أن من يقدم على الكلية العسكرية ليتخرج ضابطاً في الجيش العراقي أبان العهد الملكي يطالب بتقديم وثيقة (عدم محكومية) فضلاً عن تقديم شهادة التخرج في الثانوية، والسجين سالم الفخار متهم بتحريض الخبازين ومحكوم بالحبس الشديد لمدة شهر في قضية واحدة ولا نعرف الحكم الآخر بتهمة الشيوعية في القضية الثانية، ومن خلال الكتاباعلاه يستدل لي وللقارئ الكريم أن مدير سجن نقرة السلمان عبد الجبار أيوب يهدف لتشويه سمعة السجناء الشيوعيين من خلال نشر هذه التلفيقات من الشذوذ الجنسي والانحراف وغيرها من التهم الباطلة، والدليل بما جاء وفق كتاب دائرة متصرفية لواء الموصل- قلم التحري السري للغاية، ذي العدد (131) الصادر بتاريخ 3 نيسان 1948م، موضوع الكتاب (الشيوعي سالم عبد الله الفخار) والمرفوع إلى (وزارة الداخلية) والمتضمن ما يلي: (نثبت أدناه صورة كتاب مديرية الشرطة الرقم 2286 تاريخ 28/3/1948، المتضمن القبض على الشخص الموضوع البحث ونتيجة مرافعته بتهمة التحريض على اقلاق الرأي العام والسكينة وسنعلمكم بنتيجة التحقيق وقرار المحكمة في التهمة الثانية الموجهة ضده بموجب المادة الأولى من قانون ذيل قانون العقوبات البغدادي). وقد وقع الكتاب متصرف لواء الموصل، وارسل صورة من الكتاب إلى مديرية الشرطة لاعلامنا بالنتيجة رجاءً.

صورة الكتاب
إلحاقاً بكتابينا المرقمين 505 و528 والمؤرخين في 19/ و9/7/1947، بتاريخ 23/3/1948 قبضنا على الشيوعي سالم عبد الله الفخار الذي كان قد يحرض الخبازين على تقديم عريضة للمقامات المختصة لغاية اقلاق الرأي العام والسكينة فأتخذ الاجراءات الفورية ضده، وقدم إلى المحكمة بتاريخ 27/3/1948 فحكم عليه بالحبس الشديد لمدة شهر واحد بموجب المادة الرابعة من قانون صيانة الأمن أثناء الاضراب رقم 70 لسنة 1932، كما اجرى التحري بدار المذكور فعثر على كتب ووثائق تدل على أن المذكور يحمل مبادئ هدامة وطلبنا من حاكم تحقيق الموصل بكتابنا المرقم 2156 في 24/3/1948 التوسط لدى المحكمة الكبرى للموافقة على سوقه للمحكمة بموجب المادة الأولى من قانون ذيل قانون العقوبات البغدادي رقم 51 لسنة 39 وسنوافي مقامكم بالنتيجة.
صورة الكتاب الرسمي هذا تبين لنا مدى ادعاءات وافتراءات مدير السجن عبد الجبار أيوب على الشيوعيين وتشويه سمعتهم، فهو لا يفرق بين عامل مخبز حرض اصحاب المخابز على الاضراب؛ وبين ادعائه أن سالم الفخار ضابط فصل من الخدمة بسبب انتمائه للحزب الشيوعي، فضلاً تلفيق تهم الانحرافات وغيرها التي وردت في الكتاب.
أما ألصاق التهم من قبل عبد الجبار أيوب وربط الحزب الشيوعي العراقي بالحركة الصهيونية فهذا الرأي دحضه بهاء الدين في مذكراته الصادرة عن دار الحكمة عام 1991 بالقول: "إني اعلن كرجل عاصر الحركة الشيوعية في العراق طوال ستة وأربعين عاماً الماضية وكإنسان تسنى له أن يعيش مع اليهود الشيوعيين لسنوات في السجون وخارج السجون، بأن العناصر اليهودية التي انتمت للحزب الشيوعي العراقي لم تفعل ذلك إلا بدافع الشعور بأن هذا الحزب وقف ضد التمييز والاضطهاد ودافع عن حقوقهم المشروعة". ومهما يكن من الأمر فأن دور اليهود في الحزب الشيوعي سرعان ما أفل نجمه في عقد خمسينيات القرن العشرين، وكان من تأثيرات ذلك قيام الكيان الصهيوني وقضية شفيق عدس الذي صادف اعدامه مع قيام دولة إسرائيل حيث وجهت له تهمة الانتماء للحركة الصهيونية وتمويل الحزب الشيوعي، وتهجير اليهود العراقيين في زمن حكومة توفيق السويدي بقرار اسقاط الجنسية عام 1950-1951م.
وعندما صدر قانون "أسقاط الجنسية العراقية عن اليهود" في عام1950، ومغادرة اغلب اليهود العراق، حاول البعض أن يعطي مبرراً أن وراء صدوره هو أن هذا القانون صدر للتخلص من اليهود الشيوعيين، وهو أمر دحضه رأي الدكتور صادق السوداني الذي ينص على أن "قلة عدد الشيوعيين بين اليهود وهو ما يؤكده تقرير لمديرية التحقيقات الجنائية عن عدد اليهود في الحزب (245) عضواً من الذين تم اعتقالهم، غير أن هذا نفي في الواقع لوجود عدد غير قليل من اليهود في مراكز قيادية، فهل يبرر هذا العدد الضئيل اخراج كل يهود العراق البالغ تعدادهم (130) الف يهودي".
كما أن التضحيات التي تضاعفت بين صفوف الشيوعيين الأمر الذي يؤشر تزايد حدةّ المواجهة بين السلطة الحاكمة والشيوعيين. مع هذا لا ننسى المجازر البشعة التي حدثت في سجني بعقوبة وبغداد المركزي، وقام عبد الجبار أيوب مدير سجن بغداد بمتطلبات الضيافة من القتل والتعذيب العشوائي بحق السجناء، وأصدر الحزب الشيوعي آنذاك بياناً أستنكر الحادثة، معلناً عن عدد القتلى في سجني بغداد والكوت بلغ عشرة، والجرحى (50) جريحاً. ولم تمر تلك الحوادث الدموية دون أن تلقي بظلالها على حكومة جميل المدفعي إذ كثرت المطالبات بعدم استخدام السلاح ضد السجناء، وتوجه المفتش الاداري بوزارة الداخلية ومفتش الشرطة الى الكوت لإجراء التحقيق ورفعا تقريراً مطولاً عن الحادثة.
فضلاً عن أن القتل الذي حصل في تلك المجزرتين الذي راح ضحيتها من السجناء الشيوعيين كلٍ من: صبيح مير ووحيد منصور وأحمد علوان وجبار الزهيري ورؤوف صادق الدجيلي وعبد النبي حمزة ويحيى عباس البارح وهادي جواد ومحسن حداد وحسن مهدي حبيب. وبمعنى آخر فأن التضحيات تضاعفت بين صفوف الشيوعيين عند تولي عبد الجبار أيوب إدارة سجني الكوت وبغداد المركزي، الأمر الذي يؤشر تزايد حدةّ المواجهة بين السلطة الحاكمة والشيوعيين من خلال يدهم الضاربة عبد الجبار أيوب.


المصادر:
1- عبد الجبار أيوب، مع الشيوعيين في سجونهم، بغداد، مطبعة المعارف، ط1، 1958.
2- عبد الحليم أحمد الحصيني، موسوعة رجال ذي قار في العلوم والأدب والفنون، ج3، بغداد، الرافد للمطبوعات، ط1، 2018.
3- بهاءالدين نوري، مذكرات بهاء الدين نوري، دار الحكمة، لندن، 1991.
4- محمد المعلم، نقرة السلمان بين الذاكرة والنسيان، (2)، مدن عراقية، د.ن، ط1، 2011.
5- صادق حسن السوداني، النشاط الصهيوني في العراق 1914 - 1952، دار الشؤون الثقافية، بغداد، 1986.
6- صائب عبد الحميد، معجم مؤرخي الشيعة الإمامية، ج1، إيران، قم المقدسة، مؤسسة دائرة معارف الفقه الإسلامي، 2004.
7- سليم إسماعيل البصري، الصراع.. مذكرات شيوعي عراقي، بغداد، دار المدى للثقافة والنشر، ط1، 2006.
8- للمزيد ينظر: زكي خيري، صدى السنين في ذاكرة شيوعي عراقي مخضرم، ستوكهولم- السويد، د.ن، ط1، 1994.
9- محمد السعدي، فهد والحزب الشيوعي العراقي، ملحق جريدة المدى، ليوم 4 شباط 2022.
10- عبد الفتاح علي البوتاني، تاريخ الحزب الشيوعي في لواء الموصل 1934-1970 (دراسة سياسية وثائقية)، تقديم د. حسام الدين إسماعيل رشيد، أربيل، مطبعة روزهه لات، ساعدت الاكاديمية الكوردية في اربيل على طبع الكتاب، 2023، ص672، الوثيقة رقم (17).
11- مجلة (شؤون فلسطينية) العدد: 15 (تشرين الثاني 1972).
12- نبيل عبد الأمير الربيعي، الشيوعيون اليهود وعصبة مكافحة الصهيونية في العراق (1945-1946م)، بابل، دار الفرات للثقافة والنشر والإعلام، 2019.

حوار مع الكاتب البحريني هشام عقيل حول الفكر الماركسي والتحديات التي يواجهها اليوم، اجرت الحوار: سوزان امي
حوار مع الكاتبة السودانية شادية عبد المنعم حول الصراع المسلح في السودان وتاثيراته على حياة الجماهير، اجرت