المحترَم، مقيما وغائبا

إبراهيم رمزي
2024 / 6 / 21

تعددت الأسماء التي ينادى بها عليه، فهو: "لَمْعَلَّم*"، و"فَكَّاك لَوْحَايَل*"، والفقيه، والأستاذ، والممثل، والكاتب، والقاضي، ‏والشريف،.. وقد "يخترع" أي واحد اسما يناديه به، فيجيبه .. دون تأفف أو غضب .. .. شرْطَ أن يكون اللقب منبِئا بالتوقير ‏والاحترام.‏
سألوه عن صورة يعلقها لشاب بالزي العسكري .. فضحك وهو يلمس صلعته .. وقال: ذاك أنا قبل عدة عقود عند أداء الخدمة ‏العسكرية .. وقبل أن أَجْلَح وأَجْلى .. ومنذ ذلك الحين أضيف اسم "العسكري" إلى باقي الأسماء التي ينادى بها عليه.‏

كان يحب الأطفال، وكان يكره الأطفال .. يحب وداعتهم وبراءتهم وفطرتهم .. ولذلك يدعمهم في دراستهم بحصص إضافية في ‏بعض المواد .. ويكره منهم شغبهم وضوضاءهم وخصوماتهم .. خاصة عندما يزعجونه وله رغبة في النوم حينما يريد نيل قسط ‏منه بعد سهر طويل ومتواصل في "العمل".‏
العمل؟ .. لا أحد يدري حقيقة ما يشتغل .. فعندما يتهندم بالكسوة السوداء والفراشة السوداء حول ياقة القميص الأبيض، والحذاء ‏اللامع .. تحسبه عضو هيئة ديبلوماسية .. أو مشرفا على جناح متحف، .. أو ممثلا قديرا سيسير الليلة فوق السجاد الأحمر، .. أو ‏عضو فرقة سمفونية، .. وقد تحسبه نادلا في إحدى دور الضيافة .. أو عامل استقبال في فندق مصنف،..‏
كان يعود من "العمل" في آخر الليل، أو في أوقات الصباح الباكر .. أحيانا يعود ومعه لفافة، فيها فواكه وطعام وحلويات .. فيهب ‏الكثير منها ولا يبقي إلا القليل لنفسه. يهب منها لبعض التلاميذ المتوجهين نحو مدارسهم، حاثا إياهم على الجد في التحصيل. ‏ويهب جاراته أيضا، فيدْعين له، ويمازحنه، فيلتمس منهن منع أولادهن من الضجيج، لأنه يريد الخلود للنوم.‏
قد تطمع إحدى جاراته في كتابة حِرز أو تميمة تعلقها، "علاجا" لِألم أصابها، أو حالة عصبية اجتاحتها .. فيواسيها، وينصحها، ‏وقد يمدها بقرص دواء لتخفيف صداع رأسها .. ويحذرها من عواقب تصديق "الغيبيات".‏
كان ـ في قرارة نفسه ـ يستغرب من بعض ما يلقن في المدارس، ويعتبره مجرد حشو. إلا أنه في نهاية الأسبوع، عند العشايا، ‏وأول المساء، يستقبل عددا من التلاميذ .. فيبَسّط ويشرَح .. ويوجّه وينبّه .. ويشجّع ويؤنّب .. ويعيد ويستعيد .. ثم ينهال عليه ‏الشكر عند التوديع .. ‏
وكان لا يمل من تنبيه الأطفال والجيران إلى أهمية النظافة للحفاظ على الصحة، ومجابهة عدوى الأمراض .. وأن الخطر يكمن ‏في التلوث .. وكان لتخويفه وتهويله أثرٌ كبير على صحتهم ـ بصفة عامة ـ، .. وانتشر بين الناس ـ بتلقائية ـ أتباع ينشرون نفس ‏النصائح والتوجيهات.‏

كان يستقبل في أوقات أخرى أصحاب الرسائل، لقراءتها لهم، أو الجواب عنها. ومن يرغب في تحرير شكاية .. وقد يتدخل ‏لإصلاح ذات البين بين بعض الأزواج، أو الجيران والأطفال المتشاحنين .. وقد يسدي نصائح لهم، ويذكرهم ببعض تعاليم الدين ‏في الموضوع ..‏
ما عرف عنه التزام بأداء الشعائر الدينية أو التعلق بمظاهرها وطقوسها .. ولكن الجميع يشهد له بالخصال الحميدة التي تُفتقد عند ‏كثير من "المريدين المخلصين" .. فلا أحد يجادل في استقامته، وأمانته، وصدقه، وصفاء طويته، وحبه للخير، وبذل المساعدة ‏قدر المستطاع، وإسباغ العطف على الصغار والمرضى والعجزة ...‏

لا يزوره أحد .. ولا تعرف له أسْرة .. يعيش بمفرده منذ سكن في هذا الحي، بعد الزلزال الذي عرفته إحدى المناطق .. يتكتم ولا ‏يفصح عن شيء من حياته الخاصة .. رماه سيّئو الظنون "بما شاؤوا من النعوت" فلم يغضب .. واكتفى بالابتسام الساخر كتعليق ‏‏.. ‏

ويوما ما غزت ساحة الحي بضع سيارات "رسمية"، و"استعمر" أفراد منها الزوايا والمداخل والمخارج .. وغاب آخرون لحظات ‏‏.. ثم عادوا وبينهم "المحترم"،... أركبوه .. انطلقت السيارات مطلقة "عواء" صفاراتها ..‏
كان الأطفال أكثر الناس إشفاقا على "اعتقال أستاذهم"، واستغرابا من مشيته "منتصب القامة" دون خوف أو هلع ممن يدفعونه ‏أمامهم .. جرت الأحداث بسرعة، وخلفت شبه صدمة بين سكانٍ لم يروا منذ زمان بعيد "سيارة رسمية" في ساحتهم. حتى سيارات ‏الإسعاف نادرا ما تصل إليها. ‏

عقدت المفاجأة الألسنة إلى حين، ثم بدأت التخمينات والتحليلات تتناسل. كانت في البداية تقال مشفوعة بجملة "والله أعلم". ثم ‏اكتسبتْ ـ بتعدد مصادر التكرارـ "الوثوقية والمصداقية واليقين". وكلما تنوعت منابع الإعادة، أضيفت تلوينات وتوابل .. فهو ‏‏"مختبيء بينهم" لأنه هارب من العدالة بسبب: "ملفات قديمة".. القتل .. المخدرات .. السرقة .. "الاشتغال بالسياسة" .. خلط ‏إداري في "تحديد" المبحوث عنه .. ‏
قال جار له: عندما لازَمَ الفراشَ طويلا ـ في إحدى المرات ـ كنت أدخل إليه أمرّضه وأنظفه، فرأيت على جسده آثار ندوب ‏وجراح مهولة، قد تعزى لمصدر لا يخفى.‏

ولجميع الجيران ـ المتحلقين في مجموعات ـ ما يحكون وما يقولون .. تبدأ بجملة: "بالنسبة لي ـ وفي إحدى المرات ـ قال لي .... ‏وقع لي معه ... "‏
وقف أحد الشبان وسط الجموع المتسائلة اللاغطة الكاظمة لمشاعرها ـ كان يلوّح بجريدة في يده ـ ويصيح بأعلى صوته ليسمع ‏أكبر عدد ممكن من الناس:‏
نَشَر في هذه الجريدة مقالا عن حيّنا، ينعى الفساد، ويقترح إصلاحات مستعجلة لتوفير حاجيات اجتماعية، لازمةٍ للحد الأدنى من ‏الحياة الكريمة، .. الرجل لا ينتظره "مصير مجهول" وسيعود عما قريب، بعد التحقيق معه، و"كشْف" رموز الفساد.‏
نزل صمتُ تخاذلٍ رهيب على الجموع كأن على رأسهم سيف ديموقليس*، حينما اقترح الشاب رفع عريضة ـ يوقّعها السكان ـ ‏إلى المسؤولين، للمطالبة بإطلاق سراحه.‏

أخذت "واقعة المحترم" تحتضر وتتقادم بتوالي الأسابيع والشهور .. وقلةُ الاهتمام بدأتْ تزحف عليها .. وغرق الناس كالمعتاد في ‏كفاحهم اليومي المعيشي .. والأسئلة التي أثيرت ـ في البداية ـ صارت حدّتُها تخفّ: ما حقيقة "تهمته" إن كان مذنبا؟ هل التعبير ‏عن رأي، له "صبغة جرمية"؟ أما زال معتقلا؟ هل أطلق سراحه وفضل الاستقرار بمكان آخر غير حيّنا؟ .. أين يكون الآن: على ‏وجه الأرض أم تحته؟ ‏
غير أن كل من ذكره يقول: كان شخصا فذًّا،عاش محترما: مقيما، وغائبا.‏


‏* لَمْعَلَّم: الذي يحذق إنجاز عمل، غالبا ما يكون يدويا.‏
‏* فَكَّاك لَوْحَايَل: حلال المشاكل. (المُعانِي من مشكلة، يشبه الغائص في الوَحل) ‏
‏* رمز لرهاب دائم.‏

حوار مع الكاتب البحريني هشام عقيل حول الفكر الماركسي والتحديات التي يواجهها اليوم، اجرت الحوار: سوزان امي
حوار مع الكاتبة السودانية شادية عبد المنعم حول الصراع المسلح في السودان وتاثيراته على حياة الجماهير، اجرت