الرحلة والسيرة في كتاب (الطريق الى مكة)

قيس كاظم الجنابي
2024 / 6 / 20

-1-
الرحالة محمد أسد، واسمه الألماني (ليوبولد فايس) رحالة وصحفي الماني يهودي الدين أصلا، كتب سيرته التي هي عبارة عن رحلته الى بلاد العرب أو بلاد الشرق، والتي وضع لها عنوان(الطريق الى مكة)،ولم يضع لها عنواناً آخر ولكنه وضع لها صفة جنس أدبي (سيرة اتية) ولم يجعلها رحلة الى بلاد الشرق أو الى الصحارى العربية الفاتنة، ولكنه جمع بين سيرته الذاتية التي هي مركز الحدث ومركز الذات والرغبات الكاشفة للأحلام الدفينة والاهداف الدينية المضمرة، فجمع بين الرحلات الاستكشافية واكتشاف الذات الإنسانية، في البحث عن الشرق موطن الكتاب المقدس وأديان العالم القديم، من سومر وحتى ظهور الدين الإسلامي، الدين المثير لشهوة واستغراب الغرب نفسه، ولم يكن ليوبولد فايس اليهودي الدين والشاب الألماني الآري الأصل شيئاً في الشرق العربي، لو لم يعتنق الإسلام ويكتب هذه السيرة المثيرة(الطريق الى مكة).
ما يميز هذا الكتاب/ الرحلة/السيرة، انه يوثق مرحلة ما بعد الحرب العالمية الأولى، وهي مرحلة الاستعمار الغربي للبلدان العربية، بعد زوال سلطان الدولة العثمانية، باستثناء بلاد فارس التي كان الاستعمار يحاول ان يستخدمها مخلب قط لخربشة جسد الوجود العثماني منذ نشأة الدولة الصفوية والاتفاقيات السرية بينها وبين بريطانيا لتقاسم الشرق.
بكل تأكيد ،أنا شخصياً، لا أثق باسلام فايس واخلاصه للعرب، وان خروجه من سنوات شبابه الأولى وتمنعه من الزواج بمسلمة، ثم زواجه أخيراً من زوجة تكبره بأكثر من عقد ونصف كلها ادلة ربما توحي بمهمته التجسسية المضمرة وملازمته للملك عبد العزيز بن سعود واخلاصه له، الا على انه أُعد إعداداً كافياً لمهمته تلك، وهي تتعلق بظروف ما بعد الحرب الأولى، ومن ثم طرد الشريف حسين من الحجاز لصالح ابن سعود.
أول جملة كتاها الرحالة في مقدمة كتابه(الطريق الى مكة) تقول:" ما أرويه في هذا الكتاب لا يُعَد سيرة ذاتية لإمرئٍ يشعر بالفخر لدور قام به في الحياة العامة، كما لا يُعَد رواية مغامرات خضتها - على الرغم من انني صادفت مغامرات عجيبة - فانها تمثل لي أكثر من مجرد أحداث مرافقة ومصاحبة لما كان يدور داخلي وما أصادفه".[ص5/ منشورات الجمل ، بغداد 2010م]؛ بمعنى انه كتاب رحلة عمر قضاها متنقلاً بين بلد وآخر لاكتشاف الشرق وخوض المغامرات والصعاب من اجل قضيته، بصفتها قضية ذاتية تمثل طموحه الشخصي، ولكنها قضية تمثل مصالح العالم الغربي وتطلعاته، ثم يسترسل حول جنس هذا الكتاب وأهميته وموضوعه وانه لا يمكن ان يعد قصة حياة رجل يبحث بقصد ونية عن إيمان عميق أو عقيدة بذاتها، وملخص حكايته هي" حكاية اكتشاف رجل أوربي للاسلام كدين متكامل في مجتمع إسلامي".[ص5]
فحوى الرحلة هو اكتشاف الدين الإسلامي، ثم محاولة فهم مراميه، ولكن المؤثرات الخارجية والداخلية(الذاتية) عملت عملها في القدرة على تدوين تلك الحكايات العجيبة وسرد الاحداث التي تتخللها؛ ومع هذا الموقف وما يتخلله من التوقف عن المغامرة وانتقاله من مكان الى مكان وبلد الى بلد صار يفكر في كيفية تدوين سيرته أو رحلاته المتمركزة حول نزعة ذاتية لمنحها شيئاً من الخصوصية حتى تلتقي المغامرة مع الرغبة؛ لهذا يقول:
" لم يخطر بذهني ولا طاف بخاطري ان اكتب تلك الحكاية؛ لأنني لم أعتقد في أي وقت ان أحداث ووقائع رحلة حياتي من الممكن ان تشكل أي أهمية لاي انسان استثنائي أنا بالطبع، الا ان عودتي الى باريس بعد غياب واغتراب دام أكثر من خمسة وعشرين عاماً عن عالم الغرب الذي انتمي اليه، ثم انتقالي بعدها الى نيويورك عام 1952، صادفت ما جعلني اقتنع بوجهة نظر جديدة".[ص5]
تسير البدايات الأولى كالعادة سيراً خطياً أفقياً، ثم تتعشق بها النهايات والمتون المهمة التي تتصل بها، لأنها تعبير عن مسيرة الانسان، واعتنق الإسلام عام 1926م، وجاب الجزيرة العربية كرحالة وليس كمتجول يكتشف ذاته ووحدته ووجوده، لهذا جعل كتابه بعنوان(الطريق الى مكة)ويرى ان ما كتبه يتجاوز عمل رجل أوربي في مجتمع إسلامي، حيث عاش" تحولاً واعياً وارادياً عن ثقافة وفكر معينين تشعبت بهما من مولدي الى شبابي، الى ثقافة أخرى وفكر آخر مغايرين كلية لما درجت عليه".[ص7]
ما يميز هذه الرحلة/السيرة عدة أمور، أهمها:
1- انها كانت بعد الحرب العالمية الأولى حتى نهاية العرب العالمية الثانية.
2- انها رحلة استكشافية وسيرة ذاتية في آن واحد، تتحول من حدث الى حدث ،ومن موقف الى موقف.
3- يختلف الرحالة عن سابقه في انهم ادعوا اعتناق الإسلام ولم يسلموا؛ بينما يبدو فايس قد تحول تماماً من انسان غربي يهودي الى انسان شرقي ومسلم.
4- ان الرحلة التي قام بها فايس لم تكن بتمويل أو تكليف من جهة مخابراتية أو كهنوتية أو سياسية، كما هو حال من سبقها.
لم يكتب فايس مقدمة تقليلدية بسيطة أومختصرة، وإنما كتب مختصراً شاملاً، استعرض فيه علاقة الشرق بالغرب، منذ تورط الفكر الغربي وتبعيته لنمط الفكر اليوناني- الروماني القديم "الذي كان يقسم الأمم الى اغريق ورومان في جانب وباقي البشر المصنفين "برابرة" في جانب آخر ،وان في ذلك النمط من التفكير انتقل الى الفكر الغربي وتأصل فيه حتى انهم اصبحوا عاجزين - ولو نظرياً - عن قبول فكرة وجود قيم إيجابية في ثقافات أخرى تقع خارج محيطهم الثقافي والفكري والمعرفي".[ص8]
ولهذا يتعقب محطات الصراع بين الغرب والشرق ،وسبب هذا الصراع، والانحياز التام ضد الشرق، وخصوصاً وانه عمل - فيما بعد - ممثلاً لدولة الباكستان في الأمم المتحدة، فصار بامكانه المقارنة بين الإسلام والهندوسية من جهة ،والإسلام والغرب من جهة، لهذا يرى بأن الغربي قد يتسامح مع القيم الهندوسية والبوذية ولكن موضوعيته" تتوارى وتختل وتشوبها انحيازية عاطفية ومعنوية. وربما يرجع ذلك - فيها أظن - الى ان قيم الإسلام قريبة قرباً شديداً من جوهر تلك القيم السائدة في الغرب مما يشكل تحدياً لمفاهيم غربية عديدة ،وروحية واجتماعية".[ص11]
حتى يبلغ مرحلة الحروب الصليبية التي تفجرت كتحدٍ غربي مسيحي/صليبي للشرق العربي الإسلامي؛ بدوافع دينية اقتصادية معروفة. حتى انه وصف تلك الحرب بأنها "أقوى تأثير "جمعي" على حضارة كانت بالكاد قد بدأت تعي ذاتها(...) أول وأنجح محاولة مبكرة في رؤية أوربا لذاتها، وقد توحدت تحت راية ثقافية واحدة".[ص13] حتى وصفها بأنها "موجة مسمومة" اجتاحت كل أرجاء القارة الاوربية، مع انها كانت تموج بشعوب وقوميات لا يربطها رابط الا كونها تعتنق المسيحية، فولد معه مفهوم ثقافي لاوربا ضد "الجنس الشرير"، الذي يسيطر على الأرض المقدسة، وكان من نتائج ذلك تسميم الفكر الأوربي ضد العالم الإسلامي، بوصفه عالماً معادياً للمسيحية، ومنبع الشرور اللاأخلاقية والانحراف والشذوذ، حتى وصفوا الإسلام بأنه دين حسي خالص وعنف وقسوة ،وانه دين طقوس لا دين تطهير للقلوب، دين كراهية؛ لهذا يعتقد الكاتب بأن " كراهية الإسلام ومعاداته هي مهد الحضارة الاوربية التي رُبيت عليه"،[ص15] فما زالت أشباح وظلال الحروب الصليبية تحوم في سماء الغرب حتى اليوم.
لقد كتب الرحالة سيرته ببعض المذكرات القليلة ،وبعض اليوميات المتناثرة، وبعض المقالات الصحفية ،والذكريات العميقة عن رحلاته عبر الصحاري والوهاد، في نوع من الشاعرية، حيث يقول:" كنا رجلين على ناقتين ، عبر الأضواء السابحة في الصحراء...".[ص18] ومن هنا مزج الكاتب سيرته برحلاته ليصبح الاكتشاف اكتشافاً للذات والآخر المختلف عنه، وخصوصاً وان رحلاته هذه جرت بين عامي 1917-1934م.
-2-
في الغالب تشكل الصحراء ورمالها وموجوداتها وطبيعتها القاسية هي التحدي الكبير في التعايش والاكتشاف، لانها هي السحر الذي يستدعي الرحالة لاكتشاف تكوين أمة كبيرة مثل العرب؛ فقد كان الفصل الأول بعنوان (العطش) لتوثيق تعرضه له حتى اقتراب الموت مع زميل رحلته الشمري(زيد)، كانت الصحراء تتكون من مجموعات متناثرة من الحشائش الجافة التي تنمو على حافات الكثبان، وكان وقتها قرر ان يزور واحات (تايما) بتأثير معلوماته التوراتية (تيما).
لقد جمع بين كونه مراسلاً صحفياً وبين كونه رحالة ومستكشف تمكن من تكوين علاقة متينة مع الملك عبدالعزيز بن سعود الذي كان طموحاً لتوطيد أركان دولته الفتية المحاطة بالطامعين، ومن ذلك تعرضه لمحاولة الاغتيال من احدى زوجاته، التي تنتسب لاسرة ابن رشيد، وحصول اضطرابات عديدة في مملكته يقودها زعماء قبليون مناهضون له، كان سلوك الملك كقائد قبلي أكثر منه كملك يملك رقاب الناس، حين يحاول استمالة شيوخ القبائل بالهدايا والهبات، في وقت كان فيه الرحالة يعد نفسه لمغامرات ذاتية ومهمات أخرى، صار يقدم خدماته للملك لا توحي بالاخلاص بقدر ما توحي بالطمع.
في الفصل الأول أو رحلة العطش يكلفه الملك عبد العزيز لمعرفة سر تمرد تلك القبائل ومصادر تموينها، كما يكلفه سيد احمد برحلة الى ليبيا (طبرق والجبل الأخضر)؛ وكان الرحالة يسترجع بناءً على ما يتوفر لديه من يوميات وذكريات ومغامرات خاضها رغبة في حب الاستكشاف او التجسس، حيث تشكل الصحراء معينه الذي لا ينضب ؛ فيحاول اغلاق الفصل الأول والانتقال الى الفصل الثاني بعد أن كشف لنا ان كتابه هذا هو مجموعة من الذكريات استحضرها كجزء من انطباعات له لقراءة حياة العرب في جزيرتهم المترامية الأطراف.
-3-
في الفصل الثاني (بداية الطريق) يقارن رحلته في الصحراء برحلة النبي إسحاق ،وبحث النبي إبراهيم لابنه زوجة في ارض كنعان كما ورد في(سفر التكوين)، حيث ورد ذلك:" فليكن ان الفتاة التي أقول لها أملي جرتك لأشرب وأنا أسقي جمالك أيضاً هي التي عينتها لعبدك إسحاق"؛ فهو يصف الصحراء وكيف اخذ الابل الى البئر ليسقيها، فدلا بدلوه الجلدي الى أعماق البئر، ثم رفعه مليئاً بالمياه ، حيث أقبلت النسوة يحملن جرارهن النحاسية والفخارية على رؤوسهن ،وقد وصف البدويات بان ثيابهن سوداء، ووجوههن سافرة – كما هو حال نساء البدو والقرى في تلك المنطقة من الجزيرة فبدت عيونهن سوداء واسعة. وهو كالعادة حاله حال الرحالة الآخرين يأتي محملاً بالفكر التوراتي، فحين مرَّ أمام بئر واحة صغيرة في قلب صحراء النفوذ العظمى ، راح يتذكر بعض الاحداث التي "مرت عليها أربعة آلاف عام. جعلن ما مضى في قرون كأنها أحداث الامس القريب".[ص73]
يعاني الكاتب من إحساس خفي بالذنب ،وصراعاً مضمراً، بين الماضي والحاضر، بين الايمان الحقيقي بموقف الإسلام، وترسبات الماض(القومي/الألماني)و(الديني/اليهودي)،والحاضر(الإسلام/العروبة) حين يقول:
"منذ عامين، حين اتخذت زوجة من بنات المدينة، ورغبت ان تهبني ابناً. وقد وهبني ابناً، طلال، بدأت بعدها اشعر ان العرب هم أهلي وعشيرتي واصهاري واخوتي في الإسلام".[ص79]
وفي هذا الفصل يسترجع سيرته الذاتية وسيرة اسرته اليهودية ذات الجذور البولندية، وتحول عدد من أبناء اسرته الى المسيحية، مشيرا الى ولادته عام 1900م، كثاني الأبناء الثلاثة ،وحين بلغ الرابعة عشرة من عمره نشبت الحرب العالمية الأولى، ثم التحق بالجيش ، وانهارت الإمبراطورية النمساوية، بعدها اخترع عالم الصحافة عام 1921م.
يعود في الفصل الرابع(رياح) أدراجه الى رحلته ، بعد ان شط القلم به الى شذرات من سيرته، حين اقلته السفينة قبل عشرة أعوام وهو بعمر الثانية والعشرين، حيث استعاد المناقشات الساخنة في(مقهى المثقفين) في فيينا وبرلين، ثم (مقهى رومانشيه) ملتقى الكتاب والمفكرين البارزين ومشاهير الصحفيين والممثلين والمنتجين الذين كانوا يمثلون بالنسبة له "البيت الفكري"؛ وكيف تسنى له اتخاذ قراره بالقيام برحلة الى بلاد الشرق، متشعاً بحكايات الليالي العربية، في رحلة الهروب من الوطن التي تدفعه لاستذكار تاريخه وجذوره، في نوع من الحين ومحاكمة النفس لهذا العقوق، كانت خطوات الرحلة من أوربا الى مضيف البسفور وقلعة"روميلي حصّار" العثمانية الشهيرة ذات البرجين، ثم الرحيل الى فلسطين بالقطار الى مدينة القنيطرة وصحراء سيناء والعريش وغزة، فهو مشحون بطاقة توراتية والصور الدينية المترسبة في الأعماق، فقد كان في عام 1922م يعيش مع خاله (دوريان) في منزله بمدينة القدس القديمة، والتي كانت بالنسبة له "عالماً جديداً تماماً. عبق التاريخ ينضح من كل زاوية وحجر بالمدينة العتيقة. الشوارع التي شهدت نبوءات أشعيا، حجارة الشوارع التي سار عليها المسيح، الجدران التي كانت عتيقة أيضاً حين تردد منها صدى خطوات فرسان الإمبراطورية الرومانية التي غزت المدينة ، الاقواس الحجرية على الطرقات التي تحمل على صدرها نقوشاً ونصوصاً إسلامية من عصر صلاح الدين ، سماء زرقاء صافية اللون، بدت لمن هو مثلي ومن عاش وتربى في طقس وجو اقل وداً، مثل نداء ووعد".[ص143]
وهنا بالتأكيد عاد الى الخلف الى عصر النبي داوود، والتاريخ اليهودي، مما يدفعه لان يقارن بين حياة الشرق وحياة الغرب، ليوثق بعض الحقائق التاريخية التي تشير الى ان اليهود يشكلون 20% من سكان مدن فلسطين عام 1922م، فكل خمسة من العرب مقابل يهودي واحد،" وهذا يعني بكل وضوح انها بلدة عربية".[ص146]
ومن هنا جاء اعتقاده بان إقامة مستعمرات يهودية في فلسطين "ليس الا فكرة مصطنعة، والأسوأ من ذلك، انها تهدد بتحويل ونقل كل التعقيدات والمشاكل المستعصية على الحلّ في المجتمعات الاوربية الى بلد كان سيظل أسعد حالاً لو لم يأتوا اليه".[ص147]
لقد أصدرت بريطانيا وعد بلفور عام 1917م، وحنثت بوعدها للشريف حسين في تكوين دولة عربية، وجرى اغتيال لورنس العرب والضغط على المس بيل لكي تنتحر؛ بينما في وعودها لليهود، ولعل وقوف فايس مع العرب هو نوع من التخفيف عنهم في هذا الشأن، فقد كان له موقف واضح وحوار مباشر مع(حاييم وايزمان) الذي كان يروج لفكرة ان فلسطين أرض يهودية وانه يريد استراد حقهم المسلوب منهم بطريق الخطأ. وكان رد فايس على وايزمان ان العبرانيين جاءوا "كغزاة لفلسطين. قبلهم بعصور طويلة كانت قبائل سامية وغير سامية تسكن فلسطين".[ص150]
في الفصل الرابع(أصوات) يعود الى رحلاته في الصحراء، في استذكاره لسنوات 1922-1926م، حيث كان عام 1922م التمهيد للمشروع الصهيوني، بالتواطؤ مع بريطانيا البلد المحتل لفلسطين، وبالرغم من السرديات الخاصة بالصحراء والحياة البدوية آنذاك، الا ان الكاتب يحمل معه نزعة للمقارنة بين العرب والاوربيين(الفرنج) في المواقف والاحداث، فينقل بعض آراء ومواقف الفرنج من العرب وكيف يصفون العرب بانهم "سطحيون"، ثم يستدرك بطريقة ذكية في انه اكتشف ان ذلك الحكم على العرب ينبع من ميل الغرب الى المبالغة ،ويرى بان العرب " قد ظلوا متحررين من تلك التوترات الداخلية والضغوط النفسية التي يتصف بها أبناء الغرب بصفة خاصة".[ص168]
وكالعادة الغربي يبدأ تصوره من الكتاب المقدس والديانة اليهودية والمسيحية وبعضها مرتبطة ببعض الاساطير والخرافات ،وصوره عن الإسلام والشرق هي ذات طبيعة رومانسية، كما يقارب بين الظواهر الجسدية والنفسية والاجتماعية بطرق شتى، حول العادات وهويات القبائل العربية وكيفية معالجة مشاكلها الداخلية بحكمة الشيوخ، كما في زواج شاب من قبيلة صاحبة ثأر من فتاة عذراء من القبيلة التي عليها الثأر، مشيراً الى ان دماء العذرية تعد رمزاً للدم المطلوب من القبيلة التي عليها، في عودة الى علاقة الجسد بالرغبة، وهكا كان الأمير طلال بن عبدالله في تفتيت الصراعات، وكان ذلك ربما أسباب استياء بريطانيا منه، فقد كانت خطبه واحاديثه ضدها فصارت ريعة للإطاحة به وتنازله عن العرش عام 1952م.
في الفصل الخامس(روح وجسد) يحاول المقارنة بين الغرب والإسلام، متتبعاً رحلته/سيرته من أوربا الى صحاري العرب، حيث يغادر سورية في خريف عام 1923م وخلال رحلته هذه يلتقي بـ(إلزا) التي كانت تكبره بـ( 15) عاماً؛ فهو يمزج بين سيرته واستكشافاته، كما يمزج التاريخ بالاساطير والعادات، فبعد ذكره لنجمة الصباح(كوكب الزهرة) يستعيد اسطورة (هاروت وماروت) في بابل، وهو ما يدعوه الغرب بالغصن الذهبي الذي أشار اليه النيسابوري في كتابه عن قصص الأنبياء(عرائس المجالس) ؛ والغصن الذهبي هو الى حدٍّ ما علامة الغموض التي تحيط بالموضوع في إشارة الى شخصية أبي رغال الذي دفن معه هذا الغصن.[راجع: العرب والغصن الذهبي ،إعادة بناء الأسطورة العربية: ياروسلاف ستيتكيفيتش، ترجمة سعيد الغانمي ،المركز الثقافي العربي(بيروت – الدار البيضاء، 2005م)،ص53.] اذ يعتقد الرحالة ان الاطار العام لهذه الأسطورة يعود الى عشتار ربة الجمال التي أعاد صياغتها الاغريق في اسطورة افروديت ،ويرى بأن الاسطورتين ينسبان الى كوكب الزهرة، اما " قصة هاروت وماروت ، فهي ليست الا من نتاج الفكر الإسلامي، هي تصوير لفكرة ان النقاء الخالص ،او الخلو من الذنوب والمعاصي، لا يحمل أي قيمة أخلاقية مادام ذلك النقاء موجوداً في غياب الدوافع والرغبات والشهوات: فالاختيار بين الصواب والخطأ يتطلب وجود منطلق أخلاقي"[ص224]
فكلما ذهب بعيداً عن جزيرة العرب عاد اليها سريعاً، وقد استهواه الصراع بين قبيلتي شمر وعنزة، أو بين ابن سعود وابن رشيد، وهذه المرة استعاد رؤيته لحائل، مركز امارة ابن رشيد سابقاً، التي احتلها ابن سعود في غزوه لها عام 1921م؛ وكانت حائل مدينة تجارية وقبلية مهمة، ولكن بعد ان صارت الرياض عاصمة للمملكة العربية السعودية قلت أهميتها، ولان الكاتب كان مقرباً من الملك عبد العزيز بن سعود فق استهوته بعض الذكريات معه، عن والي حائل من قبا ابن سعود( ابن مسعد الجلوي) ، شقيق زوجة الملك عبد العزيز، والذي وصفه بانه كان واحداً" من أقوى الحكام الذين عينهم الملك على الولايات التي كان يسمى "أمير الشمال" لأنه لم يكن حاكماً على منطقة نجد حتى مشارف سوريا والعراق، وهي منطقة مساحتها مساحة فرنسا على وجه التقريب".[ص227]
-4-
في الفصل السادس المعنون(أحلام) تكون البداية عن ضيافة الأمير ابن مسعد حاكم مدينة حائل ،وقد تزوج الملك شقيقة ابن مسعد (جوهرة) التي وكانت ذات شان عظيم في حياة الملك أكثر من أي امرأة تزوجها، مع صعوبة إحصاء النساء اللواتي تزوجهن وطلقهن حتى قيل عنه انه" منغمس في الملذات والمتع الحسية"، لكنه يرى ان زيجاته كانت لأسباب سياسية، وان حبه في حياته هو لجوهرة الذي ضاع منه بموتها، حتى ان الكاتب وصف علاقتها بها كان اشباعاً كاملاً للروح والبدن، وان مشاعره وحبه كله كانت تحتفظ به وحدها مكتملاً اثناء حياتها؛ لهذا اعتاد ان يكتب لها قصائد حبه، فكان يقول:" وحين انتهي منها، أجد العالم قد أضاء أمامي فجأة وينكشف أمامي ما يجب عليّ أن أفعله".[ص249]
فقد كان يوحي بالأحلام انتزاع علاقة الملك بوالده عبد الرحمن، الذي كان يتواضع معه فكان لا يسمح لنفسه ولا لغيره أبداً ان يضع قدمه في غرفة من غرفه اذا كان والده في غرف الطابق الأسفل التي يسكن فيها والده، فكان يقول:" كيف اسمح لنفسي أو لغيري ان اسير فوق راس أبي؟".[ص250] وكانت عمة عبدالعزيز الكبرى قد غرست في ذهنه منذ صباه فكرة استعادة "عظمة آل سعود" فانتقل سراً الى نجد وأعاد بناء دولته. ولعل تفسير الحلم ، هو إشارة الى الاحلام والأفكار التي كان يطمح اليها.
وفي الفصل السابع (منتصف الطريق) ؛أو منتصف الرحلة ينشر كتابه (رحلة غير حالمة الى ارض الاحلام) الا ان الكتاب برغم الضجة التي دارت حوله لم يحقق المبيعات العالية، لان الكاتب كان مناهضاً للصهيونية، وفي هذا الفصل ينتقل الكاتب الى مرحلته القاهرية، ثم لقاؤه بالشيخ مصطفى المراغي، وكيف كان يدير أمورهن وكيف توثقت صلته به وكيف تورطت قدراته في اللغة العربية؛ وماهية الصراع الداخلي في أعماق الكاتب وهو ينتقل من اليهودية الى الإسلام؟
لقد وجد في الإسلام ما يرضاه العقل والروح، وانه كان من الذكاء بحيث لا يحصر نفسه في اطار منهج عقائدي لم يصل اليه بذاته باقتناع مطلق. وكانت من نتيجة ذلك مشاهداته لحلقات الذكر الصوفي؛ في ظل هاجس مضمر انه سيكتب يوماً سيرته ورحلاته، ونشاطه الاستشراقي؛ فهو كلما توغل في الاستذكار والسرد فيما هو مناسب لوقته عاد بالقارئ الى ماضيه وبداياته، وسنة 1924م حيث انطلق من القاهرة في جولة طويلة، ثم يعود الى الأردن للاطلاع على الأوضاع السياسية فيها في ظل امارة الأمير عبدالله بن الشريف حسين أمير شرق الأردن، عائداً الى جزيرة العرب مروراً بأعالي الفرات.
كان الفصل الثامن بعنوان( جن) في إشارة الى عقائد العرب بالجن والغيبيات، من خلال ذاكرة نافذة واستذكارات تتعلق بكون العرب تعتقد ان الابل من مراكب الجن، فضلاً عن مراقبته لتمرد البدو من بعض القبائل ضد ابن سعود بين عامي 1928-1929م؛ بينما هو الان في عام 1927م، حيث كانت الأعوام 1921-1927م هي أعوام التكوين في تأسيس المملكة العربية السعودية، بعد زوال امارة ابن رشيد على حائل وامرة الشريف حسين في الحجاز.
كما يشير الى قيام العراق تحت الانتداب البريطاني ، في صيف عام 1927م بتشييد حصن دفاعي عند الآبار الحدودية في منطقة "بيسابا"، واعلن رسمياً الرغبة ببناء حصون أخرى على طول الحدود مع العراق، لوجود عداء مستديم بين ابن سعود والملك فيصل الأول ملك العراق آنذاك، لهذا قام ابن سعود بهجمة على حصن "بيسابا" ودمره، وكان فيصل الدويش من قبيلة المطير يقود مع ابن رشيد هجمات ضد حائل، ولكن الطيران البريطاني ساعد الحكومة العراقية في حسم الأمور، بقصف نجد لان ابن سعود تجاوز الحدود المسموح بها، كما كان ابن سعود يتعرض لتمرد داخلي حيث خاض معركة ضارية لاسقاط ابن(بوجاد) في نجد، ربيع عام 1924م؛ ويبدو ان بدو جزيرة العرب لم يكونوا على استعداد لوجود حكومة مركزية.
كما كان مشروع سكة حديد حيفا – البصرة يشكل انتهاكا لقوة ابن سعود، وكان بريطانيا ترغب بتنفيذه ليكون وسيلة لربط العرب بالدولة اليهودية التي وافقت عليها في وعد بلفور، وكان ليوبولد فايس يقوم بأكثر من دور ولاكثر من جهة في آن واحد، وهذا ما لم تكشف عنه سيرته ورحلاته، فضلاً عن علاقته بين ضدين ابن سعود وعبدالله ابن الشريف حسين، كما كانت له خفية مع زعماء القبائل والتجار، وكذلك كان يقدم خدماته مقابل المال؛ فهو الذي اكتشف ان القبائل العربية المتمردة على ابن سعود كانت تتلقى الأموال بريالات (ماريا تريزا) الذهبية عبر الكويت وبطرق شتى، وخلال رحلته تعرف على ما قدمه الصليب من خدمات، فصار يميل الى الاعتقاد بانهم جنس مغاير هو ما يجعل البدو - الذين لا يهتمون بالأنساب والسلالات - الى وضعهم في دائرة خاصة لا تتجاوزها حتى لا تختلط الانساب.
وبدوري أميل الى أن (الصُّليب) هم سكان جزيرة العرب القدماء، وان العرب نزحوا من بلاد اليمن القديم ثم تبعتهم موجات متتالية فيما بعد فصار الصليب أقلية، كما حصل للصابئة بالعراق وسكان الامريكيتين وأستراليا، والدليل على اصالة الصليب هو تمسكهم بالبداوة والصحراء، أما تشرذمهم فربما يعود الى تعرضهم الى غزوات كبيرة شتت شملهم ودفعتهم للحركة الدائمة، كما هو حال الغجر في غالب بلدان العالم، أما أسم (صليب)؛ فمن المحتمل انه غلب عليهم لعملهم في الحداد وصناعة الصلبان والسحر والطب الشعبي القديم، وفي كثير من الصناعات يصنع الصليب لغرض تنفيذ أحكام الإعدام، أو يرسم على الجسم حين الكي كنوع من التركيز الشديد لشفاء المريض من الإصابة او الداء؛ وذلك من خلال رسم خطين متعادين، وهذا ما كان يحصل في وسم الابل، وربما كان بسبب انتمائهم الى جد قديم جرى صلبه بعد اندحاره في احدى المعارك مع القبائل التي كانت تخاصمهم فتشتت شملهم وهربوا في اصقاع الصحراء بحثاً عن النجاة، أما اسطورة صناعة صليب المسيح التي التصقت بالغجر؛ فهي أقرب الى أسطورة الصليب في الصحراء العربية.
لقد مرّ الرحالة ببعض زعماء القبائل من أمثال ابن دويش وفرحان بن مشهور ونوري الشعلان، قد قابل الثاني عام 1924م في دمشق، وكان سيء السمعة لتواجده الدائم في أماكن الترفيه المشبوهة، بعد فترة طرد هو وعمه من دمشق مع بعض أبناء قبيلته، وهي قبيلة (الرولا).
وقد ساهم الكاتب بنشر عدة مقالات حول تمرد القبائل ضد ابن سعود كنوع من الدعم الإعلامي له، وفي عام 1929م احتج ابن سعود على سماح البريطانيين للدويش بحرية شراء الأسلحة والذخيرة من الكويت، كان رد البريطانيين بأن تجار الكويت هم من يبيع الأسلحة، وانهم ليس لهم سلطة على التجار، وخصوصاً بعد توقيع اتفاقية جدة عام 1927م،والتي تقضي برفع الحظر عن مبيعات السلاح الى جزيرة العرب وغير ذلك من المناورات ،ولكن قوة الردع كانت قوية فانتهت باستسلام الدويش عام 1930م.
-5-
في الفصل التاسع المعنون(رسالة فارسية) ثمة سرد لأحداث رحلته في بلاد فارس وأفغانستان، بعد ان سرد بعض الذكريات في حائل والحجاز، حيث وجد عدداً من الرسائل من أصدقائه من مكة ،ورسالة من رئيس تحرير جريدة" نيوز بورخ ذيتونج" السويسرية، التي يعمل مراسلاً لها، ورسالة من الهند يطلبون منه التعرف على أكبر مجتمع إسلامي في العالم، وهي من صديقه "أعلي أغا الإيراني"؛ وكانت الظروف الداخلية الإيرانية مضطربة والرغبة الدولية تريد ان تبقى ايران في حالة عدم استقرار، فكان يحاول ان يتابع صعود رضا شاه الى حكم البلاد ، وهي قصة " تشبه القصص الخيالية ،ولا يمكن ان تتحقق الا في دول الشرق فقط"، الذي عرفه منذ عام 1924م، فكان" رئيسا للوزراء ودكتاتور ايران بلا منازع".[ص395] وقد فصّل كيفية صعود رضا بهلوي بحيث صار شاه ايران. كما يتحدث عن تاريخ بلاد فارس وتاريخها وتشيعها.
في الفصل العاشر، المعنون (دجال) يتحدث عن الشيخ عبدالله بن بليهيد الذي عده من أعظم علماء نجد، ثم ينتقل الى رحلته الى بلاد فارس وأفغانستان؛ ففي عام 1926م وقرب نهاية الشتاء غادر هيرات متوجها الى مدينة مارف في تركستان وسمرقند وبخارى وطشقند، ثم يعبر اصقاع تركمانستان الى جبال الاورال ثم يبلغ روسيا ، وخلال رحلته الاوربية هذه يتزوج من الزا وهي في الأربعين من سنها وهو لم يكمل السادسة والعشرين. فيمزج سيرته برحلاته في تصور جميل ولغة شيقة ورشيقة مع شيء من الانشائية.
وفي الفصل العاشر، المعنون(جهاد)تكون رحلته الى ليبيا، حيث كانت المقاومة على أشدها ضد الاحتلال الاستيطاني الايطالي، حيث غادر الى مصر بداية عام 1923م وشاهد عمر المختار فاسماه(أسد برقة) وكان ابن سعود يرغب بمساندة الجانب السنوسي، وهو يشير الى تغطية الاحداث، وقد أشار الى فعله الجنرال الإيطالي حين أمر بتمزيق القرآن الكريم وداس عليه بحائه أمام الليبيين المسلمين، فصاح:
" دعوا نبيكم البدوي يساعدكم الآن، اذا استطاع"، ثم أمر بقطع أشجار النخيل وتدمير الابار وحرق كتب مكتبة سيد احمد ،ثم أخذ الرجال الكبار وعلماء الدين وقذفهم من الطائرة على ارتفاع كبير ،وهناك التقى الرحالة بعمر المختار فقاله:
" نحن نقاتل لأننا لا بد ان نقاتل في سبيل ديننا وفي سبيل حريتنا حتى نجلي الغاصب أو نموت دون ذلك، ليس أمامنا اختيار آخر."[ص500]
ويقول عن السنوسي الكبير:" تطلعت الى الوجه المتعب للمقاتل العجوز".[ص508]
وفي الفصل الأخير الثاني عشر(نهاية الطريق) يتحدث عن جزيرة العرب حيث ترك أوربا في يناير عام 1927م، وزوجته الزا ومعها ابنه الصغير متجهين الى الشرق الأوسط، ليصل الى مكة التي وصف بيوتها بانها" تماثل بيوت جدة، بنوافذ غريبة من الاخشاب المعشقة والشرفات ذات الاسوار".[ص538]
وفي نهاية الرحلة تموت الزا ويدفنها في مقبرة من الرمال بمكة، وبقي معه ابنه الصغير احمد، يقول:
" استدرت ملتفتاً خلفي وانا على سرج ناقتي ، رأيت خلفي الكتلة المتماوجة المنسوجة من آلاف الراكبين في ملابس بيضاء".[ص553]
وهي إشارة واضحة الى نهاية تاريخه وخاتمة متابعه.

حوار مع الكاتب البحريني هشام عقيل حول الفكر الماركسي والتحديات التي يواجهها اليوم، اجرت الحوار: سوزان امي
حوار مع الكاتبة السودانية شادية عبد المنعم حول الصراع المسلح في السودان وتاثيراته على حياة الجماهير، اجرت