اليمين المتطرف الأوروبي والصهيونية، نفس المعركة ضد نفس الأعداء

الطاهر المعز
2024 / 6 / 20

أدّى انهيار الإتحاد السوفييتي ( نهاية التاريخ، وفق فرنسيس فوكوياما) إلى تَغَوُّل الولايات المتحدة التي حاولت ولا تزال تحاول فَرْض هيمنتها على العالم، بدون منافس – في حين تُشكّل المنافسة أهم الركائز النّظَرِية للرأسمالية- وأدّى إلى إعادة تشكيل القوى السياسية في العالم وبالأخص في قارّة أوروبا، ليعود الخطاب الإستعماري ( صراع الحضارات وفق سامويل هنْتِنْغْتُون) إلى العَلَن وبدون مواربة أو حرج، بالتزامن مع اضمحلال الأحزاب "الشيوعية" التي كانت تحريفية أصْلاً وذات علاقة هزيلة بأُسُس ومبادئ وسياسات وبرامج وممارسات الشيوعيّين، ومع انخفاض "القيمة الإنتخابية" لأحزاب الديمقراطية الإجتماعية (المُسمّاة باطلاً "اشتراكية") وسادت إيديولوجية وخطاب وحُكْم اليمين التقليدي واليمين المتطرف في الولايات المتحدة منذ رونالد ريغن وبوش الإبن ودونالد ترامب، وفي أوروبا واليابان والعديد من البلدان المُصنّعة، بما فيها الأرجنتين والبرازيل...
تعلّلت الإمبريالية الأمريكية بمكافحة الإرهاب أو بالقضاء على أسلحة الدّمار الشامل لتجنيد جيوش حلف شمال الأطلسي والعُملاء والوُكَلاء المحليين والإقليميين لغزو وتدمير يوغسلافيا والصومال وأفغانستان والعراق وليبيا وسوريا واليمن وغيرها وسط صمت أو لامُبالاة أو تأييد معظم القوى السياسية في بلدان حلف شمال الأطلسي، وكان ذلك بمثابة تشجيع للكيان الصهيوني لتكثيف العدوان على لبنان وسوريا فضلا عن المناطق المُحتلّة التي لا يزال الفلسطينيون يُمثلون أغلبية سُكّانها ( غزة والضّفّة الغربية) وكلما كثّف العدو الصهيوني عدوانه زاد عدد الأنظمة العربية المُطبّعة معه سياسيا واقتصاديا...
في أوروبا، مهد الرأسمالية والإستعمار والإمبريالية، أصبح اليمين المتطرف من القوى السياسية الرئيسية في شمال وجنوب وشرق وغرب أوروبا وتَجَلّى ذلك انتخابات نواب البرلمان الأوروبي، من السادس إلى التّاسع من حزيران 2024، كشفت انتخابات البرلمان الأوروبي الأخيرة ، حيث أصبح اليمين المتطرف أهم قوة سياسية في أكبر الدّول الأوروبية ( كما في الولايات المتحدة)، والقُوة التي تجمع أحزاب وتيارات اليمين التقليدي حولها لتشكيل ائتلافات بقيادة اليمين الفاشي الذي أعاد خطاب حُرُوب الفرنجة وعُدْوان نابليون على مصر والشام والخطاب الإستعماري العنصري الذي ساد خلال حرب التحرير الجزائرية أو العدوان الثلاثي على مصر أو الذي ساد خلال كل عدوان صهيوني، رغم مُعارضة شباب أوروبا وأمريكا الشمالية للهمجية "المُفرطة" التي اتّسم بها عدوان السابع من تشرين الأول/اكتوبر 2023 ومعارضة الدّعم الأمريكي والأوروبي المُطْلق للكيان الصهيوني...
بيّن عُدْوان السابع من تشرين الأول/اكتوبر 2023 على فلسطينِيِّي غزة سيادة هذا الخطاب الإستعماري العنصري، وتطابق الإيديولوجية الصهيونية مع فاشية تيارات اليمين المتطرف الذي يعتبر الكيان الصهيوني نموذجا للطهارة وحسن الأخلاق، ويُصنف الشعب الفلسطيني ومنظماته في خانة الإرهاب، ولا يختلف موقف زعيمة اليمين المتطرف في فرنسا (كنموذج ) عن موقف زُعماء التيار الديمقراطي الإجتماعي وحزب البيئة (الخُضْر) في ألمانيا أو عن موقف زعيم اليمين الذي يدّعي الإعتدال في فرنسا (إيمانويل ماكرون) أو موقف جوزيف بايدن وزعماء الحزب "الديمقراطي" الأمريكي...
في فرنسا، اشتهر سيرج كلارسفلد ( وابنه الذي وُلِدَ وشبّ ويُقيم ويعمل في فرنسا، لكنه اختار الخدمة العسكرية بالجيش الصهيوني، ويفتخر بذلك بمناسبة أو بدونها ) بملاحقة مُعادي السامية وبمعارضة أفكار "الجبهة الوطنية" (حزب اليمين المتطرف في فرنسا الذي أصبح يُسمة "التّجَمُّع الوطني") التي وصفها بأنها "معادية للأجانب ومعادية للسامية"، ودعا بشكل خاص إلى عرقلة اليمين المتطرف في الجولة الثانية من الانتخابات الرئاسية، سنة 2002 و 2017...
تضاعفت اللقاءات (المُعْلَنَة وغير المُعْلَنَة)، منذ سنة 2010، بين أحزاب اليمين المتطرف الأوروبية وقادة الدولة الصهيونية، وتزامنت هذه اللقاءات السياسية مع تغيير خطاب وممارسة من نَصّبهم الإعلام الرسمي أو نصبوا أنفسهم زُعماء "للحرب ضد معاداة السامية" (برنارد هنري ليفي، وروبير وإليزابيث بادينتر –الزوج والزوجة الثرية بالوراثة-، وآلان فينكيلكروت، وآل كلارسفلد، الأب والابن، وما إلى ذلك، وتمت مُكافأة هؤلاء من قِبَل اليمين المتطرف، حيث مُنح سيرج كلارسفلد خلال شهر تشرين الأول/اكتوبر 2022، وسام مدينة بربينيان من قبل عمدة المدينة لويس أليوت، أحد أهم زعماء اليمين المتطرف، وردًّا على الجدل الذي أثاره هذا "التّكريم" أعلن كلارسفيلد الأب "أعتقد أنه ( لويس أليوت) لم يعد يمينيًا متطرفًا، إنه خصم سياسي لكنه لم يعد عدوًا"، وبعد أقل من سنة لم يعُد المحامي والمؤرخ كلارسفيلد يعتبر اليمين المتطرف "خصمًا سياسيا"، وأجرت قناة ( LCI ) التي تمتلكها أُسْرة "بويغ"،إحدى أكبر مُقاولات الإنشاء في العالم ( البناء والجُسور والطرقات والبنية التحتية والموانئ والمطارات...) مُقابة مع سيرج كلارسفلد يوم السبت 15 حزيران/يونيو 2024، وعندما سُئل عن اختياره في الإنتخابات التشريعية الفرنسية السابقة لأوانها (يومي 30 حزيران والسابع من تموز/يوليو 2024) في حالة وجود "معضلة" وضرورة الإختيار بين التجمع الوطني (حزب اليمين المتطرف) وحزب فرنسا الأبية ( المحسوب على اليسار) رَدَّ سيرج كلارسفلد على الفَوْر "لو كان لي الاختيار بين فرنسا الأبية والتجمع الوطني، سأصوت دون تردد لصالح حزب التجمع الوطني"، وندد "بالنبرات المعادية للسامية والمعادية للصهيونية لليسار المتطرف تحت تأثير - فرنسا الأبية- ... إن حزب الجبهة الوطنية – أي اليمين المتطرف - يدعم اليهود، ويدعم دولة إسرائيل [...] سأصوت لحزب مؤيد لليهود... لقد أدْرَكت أحزاب اليمين المتطرف في أوروبا أن اليهود هم عامل تقدم”.
هل يحتاج هذا التصريح إلى تعليق؟

حوار مع الكاتب البحريني هشام عقيل حول الفكر الماركسي والتحديات التي يواجهها اليوم، اجرت الحوار: سوزان امي
حوار مع الكاتبة السودانية شادية عبد المنعم حول الصراع المسلح في السودان وتاثيراته على حياة الجماهير، اجرت