افتتاحية مؤتمر المشترك الثقافي بين مصر والعراق: الذات الحضارية المتصالحة

حاتم الجوهرى
2024 / 6 / 20

(1)
يعد مؤتمر "المشترك الثقافي بين مصر والعراق.. حضارات الموجة الأولى في عالم جديد" هو المؤتمر الثالث، والفعالية الخامسة لمشروع "المشترك الثقافي العربي" ومجال "الدراسات الثقافية العربية المقارنة" المصاحب له، ذلك المشروع الطموح الذي ظهرت إرهاصاته وبشائره عام 2020م وتبلورت بوضوح أولى ملامحه عام 2022م مع المؤتمر الأول، حيث في 22 مارس 2022م عُقد المؤتمر الأول "المشترك الثقافي بين مصر وتونس.. الواقع والآمال"، وفي 11 فبراير 2023م عُقد المؤتمر الثاني "المشترك الثقافي بين مصر واليمن.. رؤى جديدة لاستعادة المتون العربية". وقبلهما في مرحلة الإرهاصات والبشائر عُقدت المائدة المستديرة حول "المشترك الثقافي بين مصر والسودان" والوثيقة الشعبية الصادرة عنها في سبتمبر 2021م، وقبلها بعام في سبتمبر 2020م كانت البذرة مع ملف "الظاهرة الحضارية"، الذي طَرحتُ فكرته وتبنيت اختيار مواضيعه وتوزيعها وقمت بتحريره ليصدر في عدد خاص من مجلة "الفكر المعاصر"، ثم أًصدرناه في شكل كتاب مجمع وطبعة جديدة عام 2023م بعنوان "في فلسفات التدافع والتعايش الحضاري: الذات العربية والدرس الثقافي المقارن للظاهرة الحضارية".
في المؤتمر الثالث؛ "المشترك الثقافي بين مصر والعراق.. حضارات الموجة الأولى في عالم جديد"؛ نطرح الفلسفة الثالثة للمشروع، في طموح لأن نراكم نسقا معرفيا وفلسفيا متصلا ومدرسة علمية عربية جديدة تتواشج ويكمل بعضها بعضا، وهذه الفلسفة التي يطرحها المؤتمر هي فلسفة "استعادة الأنماط الحضارية الأولى" الممكنة والكامنة في "مستودع الهوية" العربي وبطبقاته الحضارية المتراكمة والمتجاورة عبر آلاف السنين، بعدما طرحنا في المؤتمر الثاني فلسفة "إدارة التنوع وتفكيك التناقضات" لاستعادة متن عربي جديد والسعي لبناء سردية عربية ثقافية جديدة وجامعة، وبعدما طرحنا في المؤتمر الأول فلسفة "المشترك الثقافي" ذاتها والتأسيس لمجال "الدراسات الثقافية العربية المقارنة"، ومنهج الدرس الثقافي وفق فلسفة جديدة تتصالح فيها المتون مع الهوامش (وفق التوصيفات والمسميات الغربية)، بعيدا عن فلسفة الدرس الثقافي الغربية وفلسفتها القائمة على الصدام بين المتون والهوامش.
لب الفلسفة الجديدة التي يطرحها مؤتمر "المشترك الثقافي بين مصر والعراق.. حضارات الموجة الأولى في عالم جديد"، تقوم على طرح "فلسفة الذات الحضارية المتصالحة" ماديا ومثاليا التي ظهرت في مصر والعراق ضمن الموجة الحضارية الأولى المبكرة التي شملت (مصر- العراق- الهند- الصين)، بديلا لذات الصدام الحضاري ونظرياتها التي يطرحها الغرب حاليا، والتي تقوم على الفرض والجبر والشمولية وتعدي الذات للآخر الحضاري بغرض تنميطه وجعله تابعا لها مثاليا أو ماديا، بحجة أن الغرب وصل لذروة الحضارة ونهايتها المطلقة المثالية (المسيحية التي طرحها هيجل الطبقي/ الرأسمالي)، أو الحضارة المطلقة المادية (العلمانية التي قدمها تلميذه ماركس اللا طبقي/ الشيوعي تمردا عليه)، أو الشكل الحالي للحضارة الغربية بعد تفكك الماركسية وسقوط الاتحاد السوفيتي، وتحول فكرة الحضارة المطلقة التي اخترعها هيجل إلى نظريات "الصدام الحضاري" عند كل من: هينتنجتون وفوكوياما وبرنارد لويس.
أي أن الفلسفة التي يطرحها مؤتمر "المشترك الثقافي بين مصر والعراق.. حضارات الموجة الأولى في عالم جديد"؛ لتنتظم إلى جوار فلسفة المؤتمر الأول المؤسس حول "فلسفة المشترك الثقافي" ذاتها ومجال "الدراسات الثقافية العربية المقارنة" نفسه، والمؤتمر الثاني حول "فلسفة إدارة التنوع وتفكيك التناقضات" لبناء "متن عربي" جديد يتوافق فيه المتون والهوامش...، هي فلسفة تقوم على قدرة النمط الحضاري الأول الذي نشأ قديما في مصر والعراق والذي قام على الذات المتصالحة مع ظروفها المادية وبالأساس حول الموارد المائية، ومع مُثلها وثقافتها المرتبطة بنمط حياتها، على أن يكون مثالا ونموذجا يصلح للاستعادة والترويج له في عالم جديد، عالم يقوم على تصالح جميع الحضارات الإنسانية وكل دول العالم مع وجودها المادي وموارده، ومع وجودها المثالي ومعتقداته، من خلال ثلاثة مبادئ مستقاة من النمط الحضاري الأول في مصر والعراق وفلسته للتصالح مع الذات ومع الآخر، وهي مبادئ: (الطبيعية- الطوعية- التأمين)، أي "الطبيعية" والتنوع في علاقة المادي بالمثالي وليس الصدام الحدي والصفري كما قدمت الحضارة الغربية، و"الطوعية" في إجراء العلاقات والتبادلات الثقافية في المثل والقيم بين المجموعات الحضارية والدول المعاصرة دون فرض أو ادعاء بوجود نمط حضاري نهائي ومطلق أو شمولي وتعميمي، و"التأمين" لمسارات التجارة والحدود المستقرة بين الدول دون محاولات للهيمنة أو الاعتداء من طرف ضد آخر. وهذه المبادئ الثلاثة مستمدة من فلسفة النمط الحضاري الأول المتصالح مع ذاته في مصر والعراق، كما سيتبين في الورقة البحثية الأولى التي ستؤسس لفلسفة المؤتمر العامة بعنوان: "فلسفة استعادة الأنماط الحضارية الأولى: الجدل بين الذات المتصالحة وذات الصدام الحضاري.. مصر والعراق القديمتين نموذجا".
ومن ثم تتضح فلسفة المؤتمر ومحوره العام في استلهام "المشترك الثقافي بين مصر والعراق"، وقدرة "حضارات الموجة الأولى" التي هي طبقة عميقة من طبقات "مستودع الهوية" العربي وقيمه الكامنة والمختزنة والمتراكمة المتجاورة في ذاكرته الحضارية، وبوصف "الذات العربية" هي ذات ثقافية مختارة يمكنها رفد اللحظة الحضارية الراهنة ومنحها قبلة الحياة، بعدما استهلكتها المتلازمات الثقافية وإشكاليتها المرتبطة بالنمط الحضاري الغربي والمسألة الأوربية القديمة، وخرافة أنها وصلت للنمط الحضاري المطلق والنهائي والمركز الذي يجب أن تفرضه على الجميع.
والحقيقة أن فلسفة "الذات الحضارية المتصالحة" بمبادئها الثلاثة، مع فلسفة "المشترك الثقافي" وتفعيل دوره، مع فلسفة "إدارة التنوع وتفكيك التناقضات" لبناء متن وسردية جديدة، يشكلون معا جزء من نسق معرفي متكامل يسعى مشروع المشترك الثقافي بهدوء وأمل وعزيمة لوضع لبناته واحدة تلو الأخرى.


(2)
التحضير والإعداد

عام كامل تقريبا استغرقه العمل على مؤتمر "المشترك الثقافي بين مصر والعراق.. حضارات الموجة الأولى في عالم جديد"، منذ الإعلان في يونيو 2023 وحتى الانعقاد بإذن الله في يونيو 2024م، وانطلاقا من لحظة الإعداد له وبدء القيام بـ"دراسة حالة" لمصر والعراق والمشترك بينهما بعد فترة وجيزة من انتهاء المؤتمر الثاني في فبراير 2023م، والتي كانت أصعب مراحل المؤتمر النظرية حتى التوصل إلى محور المؤتمر الرئيسي والاستقرار على فكرته المركزية عن دور الأنماط الحضارية الأولى في مصر والعراق، وعلاقتها الممكنة باللحظة الحضارية الراهنة ورفدها، وبالتوازي مع تلك المرحلة الأصعب كان تجميع مجموعة من المصادر والمراجع العراقية في موضوع التراث والثقافة والحضارة، ووضعها على صفحة المشروع على موقع التواصل الاجتماعي، بتاريخ 29 يونيو 2023م أي قبل الإعلان عن المؤتمر ودعوة الباحثين له بشهر كامل تقريبا.
وفي مسار مواز كان التنسيق مع الإخوة الأصدقاء والأشقاء الأعزاء من العراق للتفاهم حول دعوة المؤتمر ومحاوره، فلقد كنت على تواصل مع الصديق العزيز الدكتور/ منتظر الحسني مدير تحرير مجلة التراث الشعبي التابعة لوزارة الثقافة العراقية، منذ فترة طويلة لإطلاعه على منجز مشروع المشترك الثقافي العربي في المؤتمر الأول والثاني وفعالياته عموما، ثم أخبرته بعزمنا على أن يكون المؤتمر الثالث عن "المشترك الثقافي بين مصر والعراق"، عارضا عليه الفكرة الأساسية للمؤتمر ومحوره العام، حيث بدأنا في التواصل حول محاوره الفرعية، وعلى دعوة الجهات العراقية ذات الصلة للمشاركة في المؤتمر والحضور على المستوى العلمي.
وبالمسار نفسه أجريت تواصلا مباشرا مع زميلين وصديقين عزيزين من العراق؛ الأول هو الدكتور إحسان الحيدري رئيس المجمع الفلسفي العربي، والثاني هو الدكتور/ إبراهيم سعيد البيضاني الأمين العام للاتحاد الدولي للمؤرخين (الذي اقترحته زميلة وصديقة عزيزة)؛ ليكونا معنا في الشراكة العلمية بالمؤتمر. واقترح الدكتور منتظر الحسني أربعة جهات أخرى لتمثل الشراكة العلمية من جهة العراق، وصولا إلى الإعلان عن المؤتمر بالشراكة العلمية مع ست جهات عراقية عاملة في التراث والثقافة، هي كل من: مجلة التراث الشعبي، الاتحاد الدولي للمؤرخين، مؤسسة شناشيل لإحياء التراث الإنساني، المجمع الفلسفي العربي، مركز نيبور للأبحاث، الكلية التربوية المفتوحة/ فرع القادسية، على آن يكون الدكتور/ منتظر الحسني منسقا للمؤتمر، ووجود لجنة استشارية عليا للمؤتمر تحمل أسماء ممثلي الجهات الست، وقمنا بتشكيل لجنة علمية للمؤتمر على أعلى مستوى ضمت أعضاء من سبع دول عربية.
على اتجاه آخر كنت أجرى حوارا مهما مع أصدقاء عدة من العراق حول محاور المؤتمر الفرعية وموضوعه؛ منهم الدكتور/ عمر كامل حسن، والصديق المبدع والكاتب/ باسم فرات، والدكتور/ صباح محسن كاظم وغيرهم كثيرين من العراق وخارجه، حتى وصلنا بالتفاهم مع الدكتور/ منتظر الحسني والزملاء بالعراق للصيغة النهائية لدعوة المؤتمر والإعلان عنها، ودعوة الباحثين للمشاركة في يوليو 2023م.
لتبدأ مرحلة أخرى من العمل في مشروع المؤتمر وقوامه العلمي وأوراقه البحثية الرئيسية بعد الإعلان عنه، كان المسار العلمي للمشروع ومجال "الدراسات الثقافية العربية المقارنة" يفتح موضوعات جديدة في كل مؤتمر وفعالية، وأعتقد أن المؤتمر الثالث كان من أصعب التحديات العلمية التي واجهتنا، حيث تطلعتُ لوجود عدة عناوين بحثية بعينها واستكتبت لها عدة باحثين، كنت أريد أن أضع أدب الحكمة والفلسفة في البلدين داخل بقعة الضوء فخاطبت الأخت الدكتورة/ ليبيا عبد الله دماج من اليمن لتكتب فيه، وكنت أسعى لتصور السمات العامة للشخصية القومية بين البلدين فخاطبت الدكتور/ خالد عبد الغني من مصر ليكتب في الموضوع، وعن السمات الحضارية العامة للبلدين خاطبت الدكتور/ صباح محسن كاظم من العراق، وأردت تصور المفهوم الجيوبولتيكي والجغرافيا السياسية وواقعها في البلدين قديما فخاطبت الدكتور/ عمر كامل حسن من العراق.
إضافة إلى توجيه مجموعة من الملخصات البحثية التي وردت للمؤتمر لتنتظم وتتكامل في محصلتها العامة والكلية، حول العمران، والمعتقدات، والتراث الثقافي غير المادي وتمثلاته النظرية والتطبيقية، وعند تحرير الأوراق البحثية للمؤتمر كانت هناك بعض الملاحظات العامة لتنضبط الأوراق وفق السياسة التحريرية العامة للمؤتمر وفلسفته، والتي تطلبت جهدا خاصا هذه المرة نظرا لعمومية وشمولية موضوع المؤتمر حول المشترك الثقافي بين مصر والعرق، وتنوعه بين الأطر الفلسفية والنظرية، والتصورات الحضارية العامة، وتطبيقات التراث الثقافي غير المادي.
علما بأن المؤتمر شهد عدة ظروف خارجية محزنة وغير مواتية في شهر واحد تقريبا؛ شملت زلزال المغرب وحادث انهيار سد درنة في ليبيا في شهر سبتمبر 2023م، ثم عملية 7 أكتوبر العسكرية التي قامت بها المقاومة الفلسطينية والحرب على غزة التي اندلعت على أثرها، بما جعلنا نتخذ القرار بتأجيل المؤتمر الذي كان مقررا انعقاده في نهاية شهر ديسمبر 2023م.
لكن الأوراق البحثية التي قدمت للمؤتمر والتي قاربت الثلاثين ورقة بحثية؛ كانت مصدر تشجيع وإلهام غير محدود لنا، لنقرر عقد المؤتمر رغم ظروف الحرب المريرة على أهلنا في فلسطين، وبما قدمته تلك الأوراق وكشفت عنه من تمثلات المشترك الثقافي الرحب بين مصر والعراق، وإمكانية استعادتها و"إعادة توظيفها" في العصر الراهن، على مستوى المشترك الحضاري العام وفلسفته الوجودية تجاه الذات والآخر، وعلى مستوى المسارات الحضارية نفسها وتمثلاتها في الحضارة الزراعية في وادي النيل وفي بلاد الرافدين، وعلى مستوى تمثلات الحضارة في المُثل والمُعتقد والأسطورة وأدب الحكمة، وعلى المستوى المادي في الحرف والفنون والعادات والتقاليد، خصوصا الجزء الذي مازال حيا من تلك التقاليد والعادات، والذي اصطلح على تسميته بالتراث الثقافي غير المادي وفق اتفاقية صورن التراث الثقافي غير المادي التي أعلنتها منظمة اليونسكو عام 2003.
جاءت أوراق المؤتمر في 28 ورقة بحثية من خمس دول عربية (مصر- العراق- اليمن- تونس- ليبيا)، 13 ورقة بحثية ساهم بها باحثون من العراق، 12 ورقة بحثية ساهم بها باحثون من مصر، ورقتين بحثيتين من اليمن، ورقة بحثية من تونس، ورقة بحثية من ليبيا، جميعهم في صلب موضوع المؤتمر وفلسفته ومحاوره بين مصر والعراق، ووزِّعت أوراق المؤتمر البحثية على سبعة محاور ضم كل محور منها أربع ورقات بحثية (عدا المحور الرابع خمس ورقات، والمحور السابع ثلاث ورقات)، وتضمنت الأوراق البحثية ثلاث ورقات مشتركة قدمها أكثر من باحث.

(3)
المحور الأول
الأنماط الحضارية للموجة الأولى بين الماضي وإعادة التوظيف

المحور الأول هو المحور النظري العام للمؤتمر والفلسفة المؤسسة التي يطرحها؛ بعنوان: الأنماط الحضارية للموجة الأولى بين الماضي وإعادة التوظيف، وجاءت الورقة البحثية الأولى في المحور بعنوان: "فلسفة استعادة الأنماط الحضارية الأولى: الجدل بين الذات المتصالحة وذات الصدام الحضاري.. مصر والعراق القديمتين نموذجا"، وقدمها حاتم الجوهري من مصر لتتناول موضوع "الأنماط الحضارية" العالمية والأنماط الأولى للحضارة عموما، والفلسفة الحضارية التاريخية المتراكمة وسجلها وعلاقتها بالجغرافيا وتضاريسها وظروفها خصوصا، وكذلك علاقتها بالموارد المائية وتوافرها، وعلاقتها بالتقاليد والعادات الجماعية/ القومية (الثقافة) التي ترتبط بالحضارة وتنشأُ حولها، مهتمة الدراسة بالبدائل الممكن طرحها للنمط الحضاري السائد في العالم حاليا أي فلسفة "الصدام الحضاري"، مقدمة فرضية نظرية جديدة تماما لنشأة الحضارات البشرية؛ تقوم على وجود نمطين أو موجتين حضاريتين أساسيتين، موجة أولى للحضارات المتصالحة مع نفسها ومع الآخر ماديا ومثاليا (قيميا وثقافيا)، وموجة ثانية (متراكبة ومتعددة) من الحضارات الطامعة ماديا ومثاليا في الحضارات المتصالحة التي ظهرت في الموجة الأولى، لتختبر الدراسة فرضا أبعد في أن إصلاح الراهن الحضاري الإنساني القائم على الصدام الحضاري الغربي مع الآخر، هو الدعوة العالمية لاستعادة النمط الحضاري الأول واستلهام مجموعة القيم والمبادئ الأساسية المرتبطة به ماديا ومثاليا (الطبيعية- الطوعية- التأمين)، التي نشأت بالأساس في مصر والعراق بصفتها من قلب حضارات الموجة الأولى التي ضمت: مصر- العراق- الهند- الصين.
الورقة البحثية الثانية بعنوان "الجيوبولتيكيا وفلسفتها في حضارتي العراق ومصر قديماً" قدمها د.عمر كامل حسن من العراق، حيث تتضمن الدراسة تركيزاً على البعدين: (الجيوبولتيكي)، باعتباره يفسر ظاهرة الصراع، والبعد (الجيو – تاريخي) باعتباره المدخل الأساسي لأي بحث أو دراسة، مبينة أن دراسة الجيوبولتيك في التاريخ يتيح لنا تحليل حالة الدول في صراعاتها الخارجية، كما أن التاريخ يتيح لنا التعرف على الأحداث والمتغيرات الجيوسياسية والمدونات في فترات زمنية مختلفة، وبشكل يوسع مدارك الباحث ويمده بالمعلومات المستفيضة للخروج بشواهد مهمة من خلال تجميع الأدلة الماضية والعمل على ترتيبها وتصنيفها ونقدها، ولدراسة التاريخ السياسي والتغيير الجيوبولتيكي وقراءتها بإمعان، يتيح لنا بلا شك معالجة المشاكل ومواجهة التحديات الحالية لأنها تمدنا بجانب المعرفة وتبين لنا الوسيلة التي تمكننا من أن نجعل الحاضر مستقبلاً أفضل.
الورقة البحثية الثالثة بعنوان "الطبيعة الحضارية وأثرها على الشخصية القومية في مصر والعراق: محددات وآفاق" قدمها د.خالد محمد عبد الغني من مصر، حيث تتناول الدراسة أثر الطبيعة الحضارية لمصر والعراق بوصفهما ينتميان إلى حضارات الموجة الأولى، في تشكيل الشخصية القومية في البلدين ومنحها سماتها المميزة، لتنظر الدراسة في طبيعة الشخصية القومية العربية في كل من مصر والعراق، وما وصلت إليه من تأثر سلبي بالعوامل المستحدثة إعلاميا وسياسيا وثقافيا، وتبحث في آليات استنهاضها بالنظر إلى واقع ما تعيشه الحاضنة العربية من استقطابات محلية وإقليمية ودولية ومن ثم تدرس إشكالية الدراسة إمكانية تطوير أنماط ثقافية تستند إلى الشخصية القومية في مصر والعراق، وتقوم على فكرة الغنى الذاتي، في مواجهة صعود أنماط للشخصية القومية في الغرب تقوم على الحدية والاستقطاب والصراع مع الاخر.
الورقة البحثية الرابعة جاءت بعنوان: "الهوية العربية بين الموروث والاختلاط الثقافيان: مصر والعراق أنموذجا" قدمها بشكل مشترك من ليبيا كل من د.انتصار مسعود العقيبي ود.عبدالفتاح عبدالرحيم المسماري، حيث تتناول الدراسة الموروث الثقافي بوصفه أحد أهم عناصر دعم التفاعل الإيجابي في المجتمعات، مبينة أنه يضم كافة المكونات الاجتماعية في قالب واحد من خلال بلورة أنماط حياتية متفاعلة مع بعضها منذ سنين طويلة، تدعم الانتماء الاجتماعي والثقافي للأفراد نحو بعضهم البعض، وتنبذ مظاهر الخلاف، مما يعزز دور الموروث الثقافي الجوهري في تشكيل الهوية الثقافية لأفراد المجتمع، ساعية لإعادة صياغة تعاطي الهوية الثقافية مع متطلبات العصر الجديد وتقلباته في ظل الاجتياح الثقافي الغربي الذي يشهده العالم الأن بتصوراته عن الهيمنة والصدام والحضاري.

(4)
المحور الثاني
التمثلات الحضارية العامة بين مصر والعراق

المحور الثاني جاء بعنوان: "التمثلات الحضارية العامة بين مصر والعراق، وجاءت الورقة البحثية الأولى فيه بعنوان "المياه ودورها في حضارتي بلاد الرافدين ومصر القديمة" قدمتها د.أزهار هاشم شيت من العراق، متناولة موضع المياه ومكانتها المادية والواقعية ومشاريع الري القديمة، ورمزيتها المثالية والدينية في المخيلة والمعتقد والأساطير والملاحم عند البلدين، مسلطة الدراسة الضوء على حضارتي مصر والعراق والمشترك الحضاري/ الثقافي بينهما في مقاربة المياه ومكانتها لدى البلدين ماديا ومثاليا، مشيرة إلى أهمية المياه وأثرها المباشر في حياة سكان بلاد الرافدين ومصر القديمة وخاصة نهري دجلة والفرات ونهر النيل، حيث يعود لهم الفضل الأكبر في نشوء أولى التجمعات البشرية وكان لهم دور في النقل والمواصلات، وازدهار التجارة والزراعة، وتنسب لهم كل أسباب الخير والرفاه.
الورقة الثانية تأتي بعنوان: "ملامح من حضارتي زقورات سومر وأهرامات مصر" وقدمها د.صباح محسن كاظم، ملقية الضوء على العطاء حضاري من أبناء الرافدين وأبناء النيل، من خلال رمز الزقورات/ المعابد ومكانتها الدينية وشهرتها في الحضارة العراقية القديمة، ومن خلال رمزية الأهرامات ومكانتها وشهرتها والغرض الديني منها في الحضارة المصرية القديمة، مشيرة إلى انعكاس كل حضارة ومعطياتها وتأثيرها بالإنسانية بشكل جلي، مستحضرة البناء المعماري للزقورات -التي هي معابد مدرجة منتشرة بالعراق وتعني المكان المرتفع بالغة الأكدية- التفكير الهندسي الراكز بالعلمية، والذي صمد آلاف السنين ليدهش العالم على فخامة تلك الزقورات التي شيدت من الطوب اللبن بالحضارة السومرية، الذي يقابله جمالية بناء الأهرامات من الحجارة وارتباطها بعلوم الهندسة والفلك والعمارة المتقدمة في وقت مبكر للغاية من الحضارة البشرية.
الورقة الثالثة تأتي بعنوان: "العمارة بين حضارتي مصر والعراق قديماً.. نماذج مختارة" وقدمتها د.هديل محسن خلف من مصر، مشيرة إلى الاهتمام الكبير بالعمارة وفنونها في القرون الماضية من بعثات التنقيب والاستكشافات الأثرية العربية أو الأجنبية، وتوافق العديد من الآراء على الصلة الممتدة بين عمارة البلدان العربية وبالأخص حضارتي بلاد الرافدين وبلاد النيل وبين الجذور العمرانية القديمة للعمارة المبكرة في تلك الحضارات العظيمة، وتسعى الدراسة للقيام بالتحليل الوصفي للتراث المعماري في البلدين مركزة على المعابد الدينية وعمارتها وزخرفها، المعابد فيها مكانة هامة، وذلك على اختلاف أشكالها وخصائصها ومواقع بنائها، والعناصر المشتركة في التأويل والوظيفة واستخدامها في العمارة الدينية في كل من البلدين.
الورقة الرابعة تأتي بعنوان: "تمصير المدن في العراق ومصر في العصر الراشدي.. دراسة مقارنة" وقدمتها د.أفراح علي جبران ناجي السنباني من اليمن، وتتناول الدراسة مسار المسلمين بعد الفتوحات الإسلامية؛ وسعيهم إلى إنشاء مدن جديدة بطراز معماري عربي اسلامي مميز وناشئ، تكون سكنا للمسلمين وقاعدة لهم، والاشتراطات العمرانية التي ارتبطت بها مثل أن تكون بعيده عن المناطق المأهولة بالسكان؛ حرصاً منهم على عدم مضايقة أي طرف للآخر في تعايش وتراكب للطبقات الحضارية، لتتبدى أهمية الموضوع في ذِكر أسماء المدن التي تم تمصيرها في العراق ومصر، وكيف تم اختيار مواقعها، وتخطيطها وتسكين المسلمين فيها، وبحث المجالات التي رافقت التمصير والتخطيط والإسكان في العراق ومصر واقتضتها الضرورة في الناحية الاقتصادية، وكذا الاجتماعية.


(5)
المحور الثالث
التراث الثقافي غير المادي: أطر نظرية وشخصيات مؤثرة بين البلدين

المحور الثالث جاء بعنوان التراث الثقافي غير المادي: أطر نظرية وشخصيات مؤثرة بين البلدين، وتأتي الورقة البحثية الأولى فيه بعنوان: "إحياء العمل العربي المشترك في مجال الفولكلور.. عن الدور الريادي للعراق ومص"، وقدمها د.صالح زامل من العراق، مشيرة الدراسة إلى دور العراق ومصر في وقت مبكر برعاية العمل العربي المشترك الذي يبحث عن المشتركات في الفولكلور عبر مؤسسات ولقاءات مشتركة مرة، وعبر تشجيع النشر المشترك مجلات البلدين، فضلا عن تنظيم المؤتمرات الدولية ورعايتها، ومسلطة الضوء على أول حلقة عربية بعنوان "العناصر المشتركة في المأثورات الشعبية في الوطن العربي" في القاهرة في أكتوبر عتم 1971م برعاية المنظمة العربية للتربية والثقافة والعلوم "الألكسو"، والندوات الثلاث اللاحقة التي عقدت في بغداد صعودا من عام 1977م، مؤكدة على أهمية مشروع المشترك الثقافي العربي في اللحظة التاريخية العربية الراهنة.
الورقة البحثية الثانية تأتي بعنوان "التراث الشـعبي بوصفـه فـضاء جـامعـاً.. التواصل المصري العراقي مثالا" وقدمها د. علي حداد من العراق، حيث بُني هذا البحث على رؤية تجد في منجز التراث الشعبي المصري ونظيره العراقي سمات تأسيس ومرتكزات قيم مشتركة أو متقاربة، أوجدتها عوامل التاريخ والجغرافية وطبيعة الصلات الإنسانية والاقتصادية المستدامة بين البلدين، وعلى مرّ العصور التي عايشت الحضور المتميز لشعبي البلدين، دون تنميط لجملة التمايزات بينهما تلك التي صنعتها فواعل حضارية وبيئية، وأخرى لغوية (لهجية) خاصة، فضلاً عن طبيعة الصلة بالمحيط الخارجي الذي قدّر لكلا البلدين أن يعايش مؤثراتها، مشيرة الدراسة إلى خريطة عامة لتطور مسار التراث الشعبي في البلدين عبر التاريخ، وعوامل التلاقي والتشابه وحضور المشترك بينهما، من خلال البيئة الزراعية نفسها وتفاعلها في المسارين في تصور بانورامي شامل.
الورقة البحثية الثالثة تأتي بعنوان: "مسارات التراث الثقافي الشعبي غير المادي في مصر والعراق.. الدلالات والرموز: رؤية أنثروبولوجية" وقدمها د.عبدالواحد مشعل عبد من العراق، حيث تتناول الدراسة موضوعها مشيرة إلى اهتمام الانثروبولوجيين بدراسة الثقافات غير المادية التي ينتجها المجتمع في بيئته المحلية وفق الظروف والمعطيات الواقعية التي يتعامل مع الافراد بالاستناد الى تراث انتجته ممارسات الاجداد ونقل الى الاجيال الجديدة كتراث معبر عن الشخصية وتفاعلاتها اليومية. محاولة الدراسة البحث في مقاربتها للوصول إلى المشتركات ودلاتهما ورمزيتهما في تراث الانسان في كلا البلدين الدالة على الذات العربية وخصوصيتها الثقافية المشتركة، وبيان قيمتها المتبادلة من خلال التراكمات التي انتجت البعد الهوياتي، وقيم التعايش بينهما في نسق ثقافي قائم على الاحترام المتبادل بينهما.
الورقة البحثية الرابعة تأتي بعنوان: "شخصيات مصرية وعراقية أثرت الحضارة العربية الإسلامية"، قدمتها د.سحر مراد سامي كامل من مصر، وتتناول الدور والمساهمة الحضارية المصرية والعراقية في مرحلة الحضارة العربية الإسلامية من خلال عدة شخصيات فاعلة، مشيرة إلى أن العصر الذهبي للحضور الثقافي والعلمي العربي يبدأ من منتصف القرن الثامن وحتى منتصف القرن الثالث عشر الميلادي ( 750 – 1250م )، فهو العصر الذى تجلت فيه الحضارة العربية، فظهر أمثال أبوالحسن بن على بن رضوان الطبيب وعالم الفلك، والمهندس النابغة سعيد بن كاتب والذى اشتهر بالمساحات العالية والفراغات، وحنين بن إسحاق عالم اللغات والمترجم والطبيب الذي كان يجيد بالإضافة الى العربية السريانية والفارسية واليونانية والإغريقية، والفيلسوف مترجم الفلسفة من السريانية الى العربية يحى بن عدى (894 – 975 م) الذى أهتم بالمنطق فلقب بالمنطقى. بالإضافة الى كثيرين مثل الفيلسوف والفقيه القانونى والطبيب أبو الفرج بن الطيب، وثيودورس أبى قرة، والأسقف الملكى من حيران، وابو رائطة التكريتى حبيب بن حذيفة.

(6)
المحور الرابع
الحضارة والمعتقدات بين البلدين: تشابه وتقارب

تأتي الورقة البحثية الأولى في المحور بعنوان: "المعتقدات الدينية والاحتفالات والطقوس ورمزيّتها مشتركا ثقافيّا بين العراق ومصر.. بين التّماثل والاستمراريّة، وقدمتها د.نعيمة بن عثمان من تونس، مشيرة إلى أن الحضارة في بلاد الرافدين ووادي النيل كانتا من أول مصادر القوة الناعمة الطوعية عبر التاريخ، وأنهما على المستوى المثالي أو المثل والثقافات غير المادية كان مصدر إلهام ومحاكاة وتمثل ونسقا أعلى للعديد من الجماعات والشعوب التي جاورتهما، مؤكدة أن الكثير من المعتقدات والطقوس والممارسات الروحية والاحتفالات التي نراها اليوم في المجتمعات العربية (لا فقط في العراق ومصر)، مصدرها تلك الحضارات الأولى التي أسست الأطر الروحية/ المثالية للإنسان في مجالات جغرافية مترامية الأطراف. مدللة الدراسة الميدانية على أن أولى المعتقدات العراقية والمصرية مازالت حية في الممارسات الشعبية اليوم في البلدين، مع نزع منها ما يتعارض مع المعتقد الديني السماوي (أو المعتقد الجديد في سمة متعارف عليها في المعتقد الشعبي وطبقاته المتراكمة والمتعاقبة بطبيعتها وطريقة عملها)، اذ يتشارك الشعبين عددا هاما من المعتقدات والممارسات الروحية والتقاليد والطقوس الاحتفالية، ناهيك عن وحدة رمزيّة تلك الممارسات. ولا تخلو الثقافة الشعبية من كلمات وإشارات إلى موروث واحد المنبع، وبالتالي هوية ثقافية واحدة رغم الخصوصية. مشترك ثقافي تَدعَّم وتطور عبر مختلف الحقب التاريخية من خلال التثاقف والتلاقح.
الورقة البحثة الثانية تأتي بعنوان :"رمزية الثعابين في الأساطير المصرية والعراقية وأثرها على المعتقد الشعبي في الوقت الراهن.. مقارنة التشابه والاختلاف" ويقدمها د.حارص عمار النقيب من مصر، مشيرة إلى أن الحضارتين المصرية والعراقية القديمة من أقدم الحضارات التي استخدمت أنواع الأدب الشعبي المختلفة للتعبير عن واقعهم السياسي والاجتماعي والاقتصادي والنفسي، وأن الأساطير من أكثر أنواع الأدب الشعبي التي تمّ استخدامها في حضارات الموجة الأولى الخاصة بالشعبين المصري والعراقي، وتدور معظم الأساطير حول الآلهة وخلق الكون وظهور الإنسان، ودور الآلهة في الخلق، ولتفسير العديد من الظواهر الطبيعية والطقوس الدينية والسحر. مؤكدة الدراسة وجود نقاط تشابه واختلاف بين الأساطير المصرية والعراقية، وأن هناك تأثير واضح للأساطير القديمة في المعتقد الشعبي المصري والعراقي في الوقت الراهن، معتمدة الدراسة في مصادرها الأساسية على: أسطورة الخلق: الإله رع وأبو فيس (أبيب– إبيبي– عبب) في مصر- أسطورة الخلق البابلية: الإله مردوخ (مردوك) في العراق.
الورقة البحثية الثالثة تأتي بعنوان: "المشترك الحضاري بين مصر والعراق.. الأساطير وطقوس الخصوبة أنموذجا" ويقدمها أشرف أيوب معوض من مصر، لتطرح الدراسة تساؤلات عدة عن تتشابه طقوس الخصوبة في مصر وطقوس الخصوبة العراق، في تلك التي تتعلق بالموت، وبوصفهما من أولى الحضارات النهرية الزراعية في العالم، مشيرة إلى مساهمة نهري دجلة والفرات ونهر النيل في تطور معتقدات البلدين بطريقة مشابهة، من خلال مع الدراسة المقارنة للأساطير المصرية مثل أسطورة (إيزيس وأوزريس) وما يقابلها من الاساطير العراقية مثل أسطورة (عشتار وتموز)، والدراسة المقارنة للعادات والممارسات الشعبية للحمل والانجاب في البلدين (طقوس الخصوبة).
الورقة البحثية الرابعة تأتي بعنوان: "حياة ما بعد الموت في معتقدات حضارتي مصر القديمة وبلاد الرافدين" وتقدمها د.منار عبد الحليم محمد ناصر من مصر، مشيرة الدراسة إلى أن عقائد ما بعد الموت في الحضارات القديمة وحضارتي ومصر والعراق تحديدا تعطينا صورة واضحة عن السياق الإيماني العام للشعبين، لأنها تشرح غاياتهم وشكل الحياة عندهم وتطلعنا عن ما أخذته عنهم الديانات والشعوب اللاحقة من ناحية المثل والمعتقدات، ومؤكدة أن حضارتي مصر القديمة وبلاد الرافدين من الحضارات التي اهتمت بالمصير بعد الموت، ففي الحضارة المصرية القديمة كتاب الموتي يعتبر شاهدا علي هذا الأمر بوصفه مجموعة وثائق دينية، تكون للمتوفي كالعون أو المرشد في رحلته إلي العالم السفلي، وفي حضارة بلاد الرافدين كان يدفن مع الميت أشيائه المحببة إليه في اعتقاده إنها تؤنسه في العالم الأخر، مجرية الدراسة مقابلة شيقة بين مفاهيم الحياة وأساطيرها وتصوراتها عند المصريين القدماء وعند العراقيين القدماء.
الورقة الخامسة في المحور الرابع جاءت بعنوان: "ميثولوجيا الميلاد والموت في بلاد الرافدين ومصر.. وأثرها على شبه الجزيرة العربية قديمًا" وقدمها كل من حسين فاضل الملوح ومروة شاكر منصور من العراق، مشيرة إلى أن حضارات الموجة الأولى قدمت النموذج البدئي/ الأول للمعتقدات والمثل والعبادات، فكانت أسطورة "الولادة والموت" انطلاقا من بلاد الرافدين ومصر قديما، لتتغلغل في المنطقة الجغرافية القريبة، وصولًا إلى شبه الجزيرة العربية قديما، مدللة أن الآلهة المُتخذة للعبادة كانت تتسم بالملامح والوظيفة المتقاربة، تأثرا طوعيا ناعما بالمبادئ الأساسية التي أنتجها النموذج البدئي/ الأول في مصر والعراق. مطبقة الدراسة تصورها على حضارة الرافدين وأسطورة الولادة والموت متجسدة في شخصيتي (ديموزي/ عشتار)، وعلى الحضارة المصرية في أسطورة (أوزريس/ أوزيس)، وهذه الشخصيات نجد حضورها على مستوى شبه الجزيرة العربية بدوال مختلفة، وبوظائف متشابهة، وساعية الدراسة إلى القيام بمقاربات بين الآلهة الرافدينية والمصرية القديمة، وأثر تلك العبادات على العرب، ومن ثمَّ تحديد وجه العلاقة بين تلك العبادات والمثل والمعتقدات والقيم، بالاعتماد على تحليل النصوص والمرويات العربية وارتباطها بالنماذج العليا (النموذج البدئي/ الأول) في حضارة الموجة الأولى بمصر والعراق.


(7)
المحور الخامس
تمثلات التراث الثقافي غير المادي وإعادة توظيفه بين البلدين

الورقة البحثية الأولى في المحور الخامس تأتي بعنوان: "المشتركات الثقافية التراثية الغير المادية وإعادة توظيفها في مصر والعراق.. الحرف والأزياء والموسيقى أنموذجا" وتقدمها د.سلوى محمد هاني من مصر، وتتناول الدراسة موضوعها ساعية الى دراسة المضامين المشتركة بين التراث الثقافي غير المادي في مصر والعراق، من خلال مقاربة المشتركات التراثية في الحرف والأزياء والموسيقي والغناء، وتبين تأثير الثقافة النهرية الزراعية وما تركته عليه من بصمات مرتبطة بتلك التقاليد والعادات، وبيان كيفية رسم ملامح مشتركة في كلا البلدين على مستوى الإنجاز في الآلات الموسيقية أو في صناعة الحلي مثلا، مشيرة إلى أنه قد عبر الإنسان في حضارة البلدين بفنون وعادات متقاربة مشتركة نسجتها البيئة المائية، تكاد أن تكون متطابقة في كلا المجتمعين كما مع الجوزة والناي من الأدوات الموسيقية، ومستعرضة ملمحا عاما للحرف التقليدية والأزياء والموسيقى بين البلدين.

الورقة البحثية الثانية في هذا المحور تأتي بعنوان "المشتركات الثقافية التراثية الغير المادية وإعادة توظيفها في مصر والعراق.. الأدب الشعبي والرسم والزخرفة أنموذجا"، وتقدمها د.عذراء غالب عبد من العراق، مشيرة الدراسة إلى محاولة فهم "إعادة توظيف" الثقافة الشعبية عامة عن طريق حضور الفنون الشعبية التراثية في الحياة المعاصرة من خلال أدوار جديدة متواشجة مع الحياة المعاصرة، وإعادة توظيفها بين البلدين (العراق-مصر)، مطبقة على مجالات: الرسم، والزخرفة، والنحت، والعناصر المشتركة بينهم، ومؤكدة أن فن الرسم والزخرفة من الفنون التي تمتاز بأنها ذات أبعاد مختلفة، يمكن تجسيدها بقدرات تعبيرية هائلة من حيث (التكنيك والمهارة) في العمل سواء كان العمل مجسماً أو بارزاً، ساعية إلى تأصيل دراسة الفنون الشعبية ضمن الفضاء الثقافي العام بين البلدين، بوصفها وسيلة لتحفيز الهوية الوطنية في المجتمعات التي تعاني من طمر لتلك الهويات الثقافية، عبر الولوج إلى جذور التعالقات الثقافية وعلاقاتها بالمجتمعات بشكل عام في مصر والعراق.

الورقة البحثية الثالثة تأتي بعنوان: "الطب الشعبي ومشتركاته بين مصر والعراق" وقدمها د.سامح شوقي من مصر، متناولة الدراسة موضوعها من جهة كونه يسعى لمعرفة مدى استمرار العلاجات الشعبية بطرائقها المختلفة بين أفراد مجتمعي الدراسة في مصر والعراق، ذلك على الرغم من التقدم التكنولوجي في المجال الطبي الحديث، والنظر فيما يعكسه هذا الاستمرار والشيوع للمفهوم الاجتماعي للصحة والمرض لدى التصورات الشعبية في مصر والعراق بطابعها التاريخي المتوارث، وهادفة إلى معرفة الدور الذى يلعبه الطب الشعبي بجانب الطب الرسمي وتعايشهما سويا، وأسباب اتجاه أفراد مجتمعي الدراسة للطب الشعبي، والدور الذى يقوم به بعض الأطباء الرسميين للعودة للعلاجات الشعبية، والتحديات التى يواجهها الطب الشعبي من بعض الأطباء الرسميين، مفترضة الدراسة أن الحالة الاقتصادية والاجتماعية والتعليم والثقافة والدين، لهم دور فعال فى الاتجاه للعلاجات الشعبية، فالعلاجات الرسمية الحديثة على الرغم من توافرها وانتشارها إلا أن لها جانبا اقتصاديا غير متاح دوما لبعض أفراد المجتمعات الشعبية في البلدين.
الورقة البحثية الرابعة تأتي بعنوان: "ألعاب الصبيان الشعبية بين العراق ومصر.. عن المشترك المتعالق بالبيئة المتشابهة" وتقدمها د.شذى خلف حسين من العراق، مشيرة إلى أنه قد عرف العالم العربي ولاسيما (العراق، ومصر) ألعابا مشتركة تتناسب مع كل مرحلة عمرية ولها ما يناسبها من لعب وألعاب، استنادا إلى نمط الحياة المتقارب المرتبط بالزراعة والمخيلة الشعبية ذاتها بل والأدوات الموجودة والمتاحة في البيئة نفسها، وأن هناك الكثير من اللعب والعرائس والدمى التي صنعها العراقيون والمصريون بابتكار من مواد أتاحتها الطبيعية الجغرافية، فكانت من الخشب أو من الطين أو من الحجر أو من الجلود، أو إعادة تدوير لمواد تالفة خاصة في المدن. مشيرة إلى أنه لا تزال هذه الألعاب حية في مجتمعات البلدين المعاصرة، لاسيما في الأحياء الشعبية في أطراف المدن أو الأماكن الريفية، مؤكدة أنه قد تتقارب هذه الألعاب بأسمائها أو تختلف مسمياتها لكنها تحتفظ بروحها المشتركة وببساطتها ومرحها، وتحمل الكثير من الألعاب الشراكة وصفات المجتمعات الريفية التي تميل للتعاضد والمشاركة في العمل الجماعي الذي ينتقل بأمثل صورة في العاب الطفولة والعاب الصبيان.


(8)
المحور السادس:
الأدب وتمثلاته في المشترك الثقافي بين مصر والعراق

الورقة البحثية الأولى في هذا المحور تأتي بعنوان: "أدب الحكمة في حضارتي مصر والعراق القديمتين" وقدمتها د. ليبيا عبدالله دماج من اليمن، وتقدم هذه الدراسة لمحة عن أدب الحكمة في حضارتي مصر والعراق، والمشترك بينهما، مشيرة إلى أن لهما قيمة عظيمة في تاريخ أدب العالم القديم؛ يمكن أن نلمحها في آدب منطقة الشرق بأكملها، فقد بلغتا مبلغاً كبيراً من التطور في كافة مناحي الحياة، ولا ريب أن يبلغ الأدب -بكافة أشكاله- فيهما مبلغاً عظيماً، مدللة بما تركه مبدعو وحكماء العصور القديمة في تينك الحضارتين التي تنتميان إلى الموجة الحضارية الأولى، إذ تعَدّ حضارتا مصر وبلاد الرافدين من أقدم الحضارات التي وصلت منها الأمثال والحكم المكتوبة على أوراق البردي والألواح الطينيّة، وكان أدب الحكمة والنصيحة في حضارتي مصر والعراق يركز على مجموعة الحكم والأمثال والأقوال المأثورة والحكايات، التي تقدِّم دروساً أخلاقية، أنتجها الأدب انطلاقاً من الحياة اليومية المادية، في علاقة واضحة متواشجة وطبيعية بين الشكل المادي والمثالي في البلدين الهدف منها هو إصلاح المجتمع، مؤكدة الدراسة على إمكانية استخلاص الفائدة من الحكمة في البلدين قديمًا، وأن يكون لها دور فعال في تغيير مألات اللحظة الحضارية والإنسانية الراهنة.
الورقة البحثية الثانية تأتي بعنوان: "الحكاية الشعبية العراقية والمصرية دراسة مقارنة.. حكاية النصيب أنموذجا" وقدمتها د.نجلاء عادل حامد من العراق، مشيرة إلى أن الحكايات الشعبية في البلدين تعبر عامةً عن فلسفةٍ بسيطة بلغة عامية سهلة، فيها فهم الإنسان البسيط للحياة فهماً أولياً، في أثناء بحثه عن التأقلم مع الواقع ورغبته في تحقيق الطمأنينة والاستقرار، وهي فلسفة عمادها اعتبار القيم والعادات والتقاليد غاية سامية يجدر الحفاظ عليها بكافة السبل الواقعية منها والخيالية، وتناولت الدراسة موضوعها للوقوف على الكيفية وعلى ظروف الطبيعية الجغرافية الزراعية الى جانب الظروف الاجتماعية في خلق تقارب وتشابه بين الحكايات الشعبية العربية بشكل عام, والشبه والتقارب بين الحكاية العراقية والمصرية بشكل خاص, والتي خلقت حكايات بأحداث وقيم متشابهة الى حد كبير بين المجتمع العراقي والمصري رغم البعد الجغرافي بين البلدين، بما يدل على التقارب الاجتماعي والفكري بينهما وبين المجتمعات العربية، دون إهمال تأثير بعض الظروف التي قد تخص بلد دون غيره من البلدان، والتي تظهر بوضوح على أحداث أو نهايات الحكايات , والتي نحاول تسليط الضوء عليها في صفحات بحثنا
الورقة البحثية الثالثة تأتي بعنوان: "الاسطورة والسرد الشعبي في الروايتين العراقية والمصرية.. البطل الشعبي في روايتي "مستعمرة المياه" و"الزويل" أنموذجا" ويقدمها د.محسن الزبيدي من العراق، حيث تبحث الدراسة عن حضور الأسطورة والبحث عن الحلول المادية في عالم اليوم المعاصر من خلال المثل والقيم الأسطورية وحضورها في الأدب الروائي بين مصر والعراق، معتبرة أن الجماعات البشرية تنظر للأسطورة بوصفها الإلهام الممكن أن يحمل الأمل في أوقات التراجع الحضاري، وأن السرد الشعبي المتضمن داخل النص الروائي –لاسيما البطل الشعبي فيه– يستمد حكايته الخارقة في الغالب من الاسطورة، بمعنى أن السرد الشعبي يأتي تاليا للأسطورة، بل أن عددا من هذه السرود الشعبية يحيلنا إلى العصور الغابرة، وما ضمت من أساطير مدهشة وحكايات غريبة؛ مما يعني هيمنة البنية الأسطورية على أغلب الحكايات الشعبية في الأدب الإنساني عامة وبين البلدين اللتان كان لها الأثر الأول في الحضارات التاريخية وتكون أساطيرها المهيمنة، عبر منح البعض قدرات رمزية خارقة تمثل فكرة انتصار الجماعة وتحققها ماديا ومثاليا.
الورقة البحثية الرابعة تأتي بعنوان: "ترجمة الأدب الشعبي من وإلى العربية.. دارسة مقارنة في الأدبين المصري والعراقي" وقدمها كل من د.علي مهنا من العراق ود.إبراهيم سلامة من مصر، وتقدم الدراسة نموذجا في دراسات ترجمة الأدب الشعبي من وإلى العربية، والعربية هنا تأتي بمفهوم الحاضنة الثقافية الجامعة وليس مجرد البنية اللغوي فقط، لأن البلاد التي تبنت الذات العربية الإسلامية عامة كانت ومازالت تحتوي على تنوعات لغوية ثرية، تتعايش داخل الحاضنة الثقافية الأوسع والأشمل، وهو ما يتمثل في الشق الأول من هذه الدراسة التي تعني بدراسة نموذج من الأدب العراقي المكتوب بالكردية إلى العربية، لتؤكد على مجال الدراسات الثقافية العربية المقارنة ومفهوم الذات العربية المختارة بوصفها فضاء ثقافيا جامعا للتنوعات الموجودة به، قدمه الدكتور علي مهنا من العراق من خلال دراسة قصة (ممي آلان) بوصفها واحدة من أشهر نصوص الأدب العراقي المكتوب بالكردية، مشيرا لوجود ترجمة قام بها أحد المستشرقين، إنما معتمدا على ترجمتين لمترجمين عربيين في دراسته. أما الشق الثاني من الدراسة فيتناول ترجمة أحد نماذج الأدب الشعبي المصري إلى اللغة الفرنسية، الذي ترجمه أحد المستشرقين الغربيين، وهي الدراسة التي قدمها الدكتور إبراهيم سلامة من مصر، متناولا قصة "السندباد البحري" كما وردت في الأدب الشعبي المصري وفي إحدى المخطوطات المدونة.

(9)
المحور السابع:
الهجرات ومظاهر الحياة العامة

الورقة البحثية الأولى في هذا المحور تأتي بعنوان: "الهجرة والاندماج بين شعبي مصر والعراق.. في ضوء التغيرات السياسية في المنطقة العربية" وقدمتها د. دينا طمان من مصر، وتتناول الورقة تاريخ الهجرة والاندماج بين الشعبين المصري والعراقي خاصة في ضوء التغيرات السياسية المختلفة التي مرت بالبلدين وبالوطن العربي حديثا، ورصد التحديات التي واجهها المهاجرين من خلال: الوقوف على أسباب ودوافع الهجرة بين العراق ومصر تاريخيا، والتحديات التي واجهها أبناء البلدين خلال فترات تواجدهم في كلا من مصر والعراق، ومظاهر الاندماج بين الشعبين خلال فترات الهجرة، ودور الحكومة والمجتمع المدني والمنظمات الدولية في التعامل مع المهاجرين واللاجئين في البلدين. مشيرة إلى أن وحدة اللغة والثقافة والتاريخ المشترك ساهمت في توطيد الصلة القوية بين الشعبين وتشجيع الهجرة في كل من الاتجاهين من وإلى، ودعمتها في كثير من الأحيان أواصر المصاهرة والاندماج المجتمعي بين البلدين بسبب الطبيعة الحضارية التاريخية المشتركة، فلا نجد فترة في التاريخ الحديث لم يتواجد أبناء الشعبين معا سواء في مصر او العراق. ففي الثمانينات، هاجر ملايين المصريين بحثا عن سبل للعمل والعيش في العراق التي استقبلتهم بكل حفاوة وترحاب. وعند الغزو الأمريكي للعراق في عام 2003، كانت مصر وجهة آمنة للألاف من العراقيين الذين وجدوا فيها ملاذنا آمنا للعيش والدراسة.
الورقة البحثية الثانية تأتي بعنوان: "الأسر التكريتية المهاجرة نحو الإسكندرية والقاهرة.. بوصفها تمثلا للمشترك بين العراق ومصر" ويقدمها إبراهيم فاضل الناصري من العراق، مشيرة الدراسة إلى أن البلدين يرتبطا بعلائق انتماء عميقة وروابط بقاء وثيقة، أساسها الموروث الثقافي المشترك والتاريخ الحضاري الواحد، فضلا على وحدة الحال ووحدة المصير، ساعية إلى تسليط الضوء على صورة حية للترابط الثقافي المشترك من خلال الحديث مدينة تكريت الحاضرة الرافدينية العتيقة وبين العاصمة المصرية القاهرة والحاضرة المصرية الكبرى الاسكندرية. مؤكدة غايتها في تجسيد وجه حيوي من أوجه المحاكاة للمسلّمة القائلة باستعمال التاريخ الحضاري في التقريب بين المجتمعات والامم، خاصة بين بلدين من بلدان الموجة الحضارية الأولى التي ظهرت في العالم، مهتمة ببيان هوية مجموعة من الاسر التكريتية المهاجرة وأثرها الفاعل في واقع البلاد المصرية التي كانت من أهم البيئات الحاضنة للوافدين.
الورقة البحثية الثالثة تأتي بعنوان: "مظاهر الحياة العامة بين مصر والعراق.. في الحضارة العربية الإسلامية: المستشفيات والحمامات العامة أنموذجًا" ويقدمها د. شريف علي الأنصاري من مصر، متناولة النظر في مظاهر المشترك بين مصر والعراق في مرحلة الحضارة العربية الإسلامية في قرونها الوسطى، وذلك من خلال البحث في المظاهر العامة التي سادات في تلك الفترة، من خلال مرفقين عامين لهما دلالة حضارية شديدة الأهمية، كونهما يعدا مرفقين صحيين أساسيين بمفاهيم العصر الحديث، وهما المستشفيات التي تقوم على علاج الناس وإسعافهم، والحمامات العامة التي توجد في الأسواق والمدن ما إلى ذلك. مشيرة إلى أنه تعددت مظاهر الحياة العامة في الحضارة العربية الإسلامية بين بناء القصور، وبناء المساجد، والحدائق العامة وغيرها، لكن أهم هذه المظاهر من- وجهة نظر معينة- هي المستشفيات والحمامات العامة، فهي تعكس مدى تقدم الدولة واهتمامها بالحالة الصحية للشعوب، واكتمال الدين والنظافة الشخصية.


(10)
خاتمة: ويبقى الأمل
دور مصر والعراق

كل بلد عربي يملك في مستودع هويته المشترك ما يمكن أن يرفد به فرصة الذات العربية الكلية في التحقق والاستعادة في القرن الحادي والعشرين، وكل مساهمة مهما تمايزت هي إضافة للمحصلة العامة لتلك الذات العربية ومشروع "المشترك الثقافي العربي"، ومجال الدراسات الثقافية العربية المقارنة، إنه تنوع الزهور في الحديقة الغنَّاء وتكامل العازفين في جماعة موسيقية لكل أداة دورها وموعدها المدمج والمتفاعل في عزف اللحن الكبير و"النوتة الموسيقية" المشتركة، إذ تملك الذات العربية المختارة بوصفها بنية ثقافية متكاملة شغلت الطبقة الأخيرة في "مستودع هوية" البلدان العربية، ذلك المستودع متعدد الطبقات ومتنوع المكونات المتعايشة عبر الأزمان في سبيكة متناغمة ومتماسكة..، تملك تلك الذات العربية المختارة في تمثلها المصري والعراقي فرصة كامنة وممكنة لرفد مشروع المشترك الثقافي العربي بينيا، وتملك فرصة لرفد المشهد الحضاري العالمي في القرن الحادي والعشرين، الذي تسيطر عليه أوهام الصدام الحضاري وسيادة النمط الحضاري الغربي الأوحد، من خلال إمكانية طرح مبادرة لاستعادة فلسفة الذات الحضارية المتصالحة والنمط الحضاري الأول الذي نشأ في مصر والعراق ضمن الموجة الحضارية الإنسانية الأولى، مع دعوة للتكامل وتنسيق الرؤى وتعاضد الأدوار بين المراكز الحضارية التاريخية القديمة في مصر والعراق، والمراكز الحضارية الجديدة الصاعدة في منطقة الخليج العربي، وكذلك الثقل العام لمنطقة المغرب العربي.
تعد العراق البوابة الشرقية الحارسة للوطن العربي عبر التاريخ، وتعد مصر المركز القوي الذي وهبته الطبيعة حماية طبيعية عبر تضاريس منيعة جعلته يعد حصن المنطقة وقلبها القوي، لكن الجسد كالبنيان المرصوص لا يستقيم حاله إلا بتناغم بواباته وقلعته الحصينة وأجنحته الحامية والدعمة من الخليج شرقا إلى الأطلسي غربا.
وإذا كنا من قبل قد قدمنا "فلسفة المشترك الثقافي" ذاتها والتأسيس لمجال الدراسات الثقافية العربية المقارنة في المؤتمر الأول، ثم فلسفة "إدارة التنوع وتفكيك التناقضات" واستعادة متون عربية وتصالحها مع ما يسمونه "هوامشا" وهي في حقيقة الأمر بنية وطبيعة جغرافية اجتماعية عبر التاريخ لها فطرتها وعلاقتها الطبيعية، فإننا في المؤتمر الثالث نؤكد على قدرة الذات العربية والمشترك الثقافي العربي على رفد المشهد الحضاري العالمي والنظريات الثقافية الحاكمة له، من خلال فلسفة النمط الحضاري الأول للذات المتصالحة بديلا لذات الصدام الحضاري ونظرياتها المهيمنة على الثقافة الغربية الآن.
والحقيقة أن المشترك الثقافي بين مصر والعراق الذي كشفت عنه أعمال هذا المؤتمر وبحوثه كان شيئا مدهشا ومبهرا في الدرس الحضاري الثقافي المقارن لحضارات المنطقة العربية والشرق، بعيدا عن الاشتغالات الثقافية التقليدية للدراسات التاريخية الأوربية التي ركزت على بناء صراع ظاهري مفتعل حول الأولوية والترتيب في الظهور بين حضارة مصر القديمة وحضارة العراق القديمة، في حين كشف هذ المؤتمر وبحوثه عن مساحة أكثر ثراء في الدرس الثقافي المقارن بين البلدين، تقوم على التشابه والتقارب في التصورات المادية لنمط الحياة الزراعي الواقعي والتصورات المثالية او الثقافية التي ارتبط به، في معتقدات الحياة والموت والغناء والفنون والحرف، وكذلك كان الدرس الثقافي المقارن على مستوى العمارة وفلسفاتها بين معابد العراق القديمة الزقورات وبين معابد مصر وأهراماتها، وكذلك التصورات تجاه الآخر الجيوبولتيكية والتي تقاربت بسبب التشابه في التضاريس الطبيعية بين البلدين، مع حظ مصر الأوفر في تضاريس جغرافية حامية بنسبة أكبر من العراق، لكن توفر الموارد المائية في البلدين جعل الكثير من السياسات الخارجية تتشابه بين البلدين.
ولا يفوتني أبدا أن أتوجه بالشكر والتحية إلى جملة الباحثين الذين شاركوا في المؤتمر من كافة الدول العربية، من مصر والعراق واليمن وتونس وليبيا، فلقد ساهموا بلبنة سوف تتذكرها الأجيال القادمة ووضعوا مشاركة قوية في مجال الدراسات الثقافية العربية المقارنة، تطبيقا على مصر والعراق والأبحاث شديدة الأهمية المتنوعة التي قدموها في مختلف محاور هذا المؤتمر، وكذلك أتوجه بالشكر إلى السادة الأساتذة الأجلاء أعضاء لجنة التحكيم المؤتمر، وكذلك الشكر الواسع إلى الزملاء الأعزاء الذين مثلوا الشراكة العلمية من العراق وعلى رأسهم الصديق العزيز الدكتور/ منتظر الحسني منسق المؤتمر، وكافة الأصدقاء الأعزاء كل أحد باسمه، وكذلك الدعم والمساندة من الصديق العراقي العزيز سعادة الدكتور حيدر الجبوري الوزير المفوض بجامعة الدول العربية، ونقاشاتنا المستمرة ليخرج المؤتمر بأفضل صورة، وسعادة السفير الوزير المفوض الدكتورة/ أروى هاشم -القائم بأعمال السفارة العراقية بالقاهرة- على جميل استقبالها لفكرة المؤتمر وسابق منجز مشروع المشترك الثقافي العربي، وترحيبها بانعقاد المؤتمر وخروجه بأفضل ما يكون، وكذلك الشكر إلى كافة الأصدقاء الذين شاركوا في النقاش حول محور المؤتمر وفلسفته العامة.. فحقيقة عمل الجميع في ظروف نفسية وإقليمية ودولية غير مواتية كان دافعهم الأول فيها هو السعي، لأن يكون ذلك المشروع وتمثله في مؤتمر المشترك الثقافي بين مصر والعراق خطوة في الطريق الصحيح.
ويبقى الأمل دوما حاضرا في أن يتحول مشروع المشترك الثقافي العربي إلى سياسة ثقافية فعالة تتبنى شراكات وكراسي علمية فاعلة وبروتكولات واتفاقيات تعاون ثنائي وجماعي في مختلف الجامعات العربية، تؤكد المكانة لمجال "الدراسات الثقافية العربية المقارنة"، وتضع الثقافة العربية في موضع التفعيل والدور الحقيقي الفعال بين العرب في القرن الحادي والعشرين، لتكون الثقافة رصيفا مشتركا وجزيرة صلبة يجتمع عليه العرب في لحظة تاريخية مهمة وفاصلة.

حوار مع الكاتب البحريني هشام عقيل حول الفكر الماركسي والتحديات التي يواجهها اليوم، اجرت الحوار: سوزان امي
حوار مع الكاتبة السودانية شادية عبد المنعم حول الصراع المسلح في السودان وتاثيراته على حياة الجماهير، اجرت