عن سيناريوهات ما بعد الحرب

نهاد ابو غوش
2023 / 11 / 13

نهاد أبو غوش
تبدي عديد الدوائر السياسية الغربية اهتمامها بمستقبل غزة وسيناريوهات ما بعد الحرب، أكثر مما تظهر الحرص على وقف جرائم الإبادة والتهجير والتدمير التي تقترفها آلة الحرب الإسرائيلية يوميا وعلى رؤوس الأشهاد. تبدو هذه الاهتمامات مفهومة لمن كان شريكا في الحرب وداعما لها على الصعد السياسية والعسكرية والمالية والدعاوية. ولكن ما ليس مفهوما هو انهماك كثير من المؤسسات الأكاديمية ومراكز الأبحاث العالمية ومعها وسائل الإعلام الغربية بذلك بينما المقتلة مستمرة ويمكن وقفها أو الحدّ من آثارها الكارثية، وكأنه بات مسلما بأن الترجمة العملية للشعار الزائف "حق إسرائيل في الدفاع عن نفسها"، هو حقها في إبادة الشعب الفلسطيني وتهجيره وتدمير بيوته ومرافقه.
الأكثر إثارة للاستغراب والدهشة مشاركة سياسيين وأكاديميين عرب وفلسطينيين في النقاش حول سيناريوهات ما بعد الحرب (أي ما بعد إكمال إسرائيل لأهدافها في القضاء على حماس)، وكأن الحديث يجري عن مشكلة في ميانمار أو بوركينا فاسو.
في الحديث عن السيناريوهات إياها، تعرض الدوائر الفاشية الحاكمة في إسرائيل عدة خيارات من بينها تسليم غزة لسلطة مدنية محلية (غير السلطة الفلسطينية وفي الغالب من ممثلي العائلات والحمائل الغزية)، أو لهيئة دولية كالأمم المتحدة أو قوة متعددة الجنسيات، ويبدو خيار عودة قطاع غزة لولاية السلطة الفلسطينية من الخيارات الأقل تفضيلا لدى إسرائيل التي يصر مسؤولوها على ترداد عبارة أن لجيشهم الحق في الدخول والخروج متى شاء وتنفيذ عمليات، وهي صيغة تماثل ما تفعله إسرائيل في المناطق المصنفة (ب) في الضفة.
ويجدر بنا الانتباه إلى أن الموقف الإسرائيلي الحقيقي ليس ذاك الذي يصدر مُفلترا ومنمّقا على ألسنة بعض المسؤولين الذين يوظفون تصريحاتهم ضمن حملتهم الحربية، ومحاولات اكتساب تعاطف الرأي العام الدولي في الغرب تحديدا، بل علينا الانتباه لما يتفوّه به يوميا وزراء وأعضاء كنيست وجنرالات في الاحتياط ومحللون وصحفيون، من قبيل الرغبة برؤية غزة من دون بشر كما قال الجنرال غيورا آيلاند، أو قصف غزة بقنبلة ذرية كما طالب الوزير عميحاي الياهو، إلى تكبيد الفلسطينيين ثمن ما فعلوا في السابع من أوكتوبر باقتطاع مساحة كبيرة من قطاع غزة كما دعا الوزير جدعون ساعر.
التركيز على بديهية أن الشعب الفلسطيني هو المعني بتقرير مستقبله، ليس مجرد كلام عاطفي أو إنشائي، ولا هو لغو زائد عن الحاجة. فشعب صاحب تجربة سياسية تزيد عن قرن من الزمان، ولديه من الخبرات والمؤسسات وأشكال التنظيم السياسي والمجتمعي ما يغنيه عن الحاجة إلى وصاية أي طرف غريبا كان أو قريبا، بل إن الإصرار على طرح أفكار ومشاريع توحي أن شعبنا لم يبلغ سن الرشد بعد وبحاجة إلى من يدير شؤونه بشكل دائم أو مؤقت، ليس سوى مشاركة في العدوان ونتائجه، وكان الأحرى بهؤلاء المعنيين بمستقبل الشعب الفلسطيني أن يبذلوا جهودهم في وقف المذابح والمجازر التي طالت آلاف الأطفال والنساء والمدنيين تحت سمع العالم وبصره.
وما دام الفلسطينيون هم أصحاب الحق في تقرير شؤونهم فمن باب أولى الإشارة إلى أن آلاف الأشخاص العالقين تحت الأنقاض فمنهم شهداء ومنهم ما زالوا أحياء هم من المعنيين بمستقبلهم ومستقبل غزة، وكذلك حال المئات من الأطباء والممرضين والمسعفين وعمال الإنقاذ والإغاثة الذين أنهكهم التعب والإعياء فوصلوا الليل بالنهار وهم يقومون بواجباتهم الإنسانية لإنقاذ أبناء شعبهم وسط شروط مستحيلة، ولا يملكون الآن ترف التفكير في الخيارات السياسية كما يفعل الساسة والمفكرون في صالوناتهم ومكاتبهم الوثيرة. ونفس الحق يملكه مئات آلاف النازحين الذي ينصبّ تركيزهم حاليا على لملمة أسرهم المشتتة، او تأمين كسرة خبز أو شربة ماء أو سقف يغطي عائلاتهم وأطفالهم.
نتوقف قليلا عند دور السلطة الفلسطينية التي عليها مسؤوليات وطنية وسياسية وأخلاقية وقانونية تجاه شعبها الذي يذبح ويباد في غزة. هذه المسؤوليات تظل قائمة على الرغم من كل الكلام الذي يقال عن ضعف دور السلطة وتقصيرها وبطء أدائها خلال الحرب. هنا يرد دور السلطة في سياقين متنافرين ومتناقضين: فمن باب المسؤولية، نعم السلطة هي المسؤولة عن شعبها لكن شكل تحقيق ذلك منوط بتوافق وطني بين كل المكونات السياسية لشعبنا بما في ذلك، بل في المقدمة القوى التي تحملت العبء الأكبر في المقاومة. ومتصل أيضا بما قاله أكثر من مسؤول ومنهم الرئيس أبو مازن بأن الأمر مرتبط بحل سياسي شامل. لكن السياق الآخر المعادي الذي يوحي بأن السلطة يمكن أن تعود لحكم غزة كامتداد لفعل آلة الحرب الإسرائيلية، أو على ظهر دبابة إسرائيلية، هو خيار مُدان ومرفوض جملة وتفصيلا، وعلى السلطة والمتحدثين باسمها أن يعلنوا ويعيدوا ويكرروا رفضهم القاطع له.
في الحديث عن سيناريوهات ما بعد الحرب، يجب أن يتم التركيز على عدم إفلات إسرائيل بأفعالها وجرائم الحرب التي اقترفتها، فثمة شهادات موثقة ودامغة على قيام إسرائيل بارتكاب ثلاثة أنواع من جرائم الحرب والجرائم ضد الإنسانية، وهي جريمة الإبادة واستهداف المدنيين بشكل مقصود ودون تمييز بينهم وبين المقاتلين، وجريمة التطهير العرقي والتهجير، وجريمة العقوبات الجماعية بحرمان مليون مواطن من الماء والغذاء والكهرباء والدواء والوقود. فقد رصدت ثماني عشرة منظمة أممية عاملة في غزة هذه الجرائم ووثقتها، وهناك المدعي العام للمحكمة الجنائية الدولية كريم خان الذي لم يُعرف عنه أبدا انحيازه للفلسطينيين أو معاداته لإسرائيل، تحدث عن توفّر دلائل وبينات قوية لقيام إسرائيل بارتكاب جرائم حرب. لدينا إذاً المحكمة الجنائية الدولية والمحاكم الوطنية ذات الاختصاص بجرائم الحرب الدولية، صحيح أن ذلك يمكن أن يستدرج مزيدا من العقوبات على السلطة، لكن هذه العقوبات لن تزيد بشكل نوعي ولا كمي عما تعرضنا له في مناسبات كثيرة سابقة، وهي لا شيء يستحق الذكر أمام هول الخسائر البشرية والمادية التي تعرض لها شعبنا في غزة.

حوار مع الكاتبة السودانية شادية عبد المنعم حول الصراع المسلح في السودان وتاثيراته على حياة الجماهير، اجرت
حوار مع الكاتبة التونسية د. امال قرامي حول ما تعانيه النساء من جراء الحرب والابادة اليومية في غزة، اجرت ا