الأعياد اليهودية مواسم للعدوان والكراهية

نهاد ابو غوش
2023 / 10 / 29

نهاد أبو غوش
باتت الأعياد الدينية اليهودية تمثل كابوسا على الفلسطينيين، سواء للعمال والتجار الذين تتعطل أعمالهم ومصالحهم بسبب سياسة الإغلاق الشامل ومنع التجول، ولسائر المواطنين من طلبة وموظفين ومرضى وأصحاب الأعمال. والإغلاق الشامل جزء من الإجراءات التي تفرضها دولة الاحتلال الإسرائيلي بوتائر عالية لتمكين اليهود من الاحتفال والتجوال بحرية ومن دون أي منغصات بما في ذلك مجرد مشاهدة الفلسطينيين يشاركونهم التجوال وارتياد المنتجعات والمتنزهات.
العبء الأكبر لهذه الأعياد يقع على سكان المدن والمناطق التي تحوي أماكن دينية وتاريخية مثل مدينتي الخليل والقدس، وإلى حد ما نابلس (يقع بقربها قبر يوسف) وبيت لحم التي تقع قبة راحيل على أطرافها. فهذه المناطق تشكل مَقصدا مُفضّلا لغلاة المتطرفين الذين يقيمون احتفالات جماعية صاخبة في الساحات، وينظمون مسيرات استعراضية يطلقون خلالها الشتائم على العرب والمسلمين والمسيحيين، وكل ذلك يجري بحماية مشددة من جيش الاحتلال وشرطته الذين يحددون مسارات وأماكن خاصة لاحتفالات المتطرفين ويمنعون غيرهم من الاقتراب. كما تمنع الأجهزة الأمنية دخول بعض الأماكن المقدسة أو تقلص فرص وصولها مثل قيامها بتقييد دخول عموم فلسطينيي الضفة والقطاع، وشباب القدس دون سن الأربعين للبلدة القديمة في القدس، وتغلق بعض الأسواق الفلسطينية مثل سوق القطانين وشارع الواد وباب السلسلة في القدس وشارع الشهداء في الخليل، بما تحويه من مئات الحوانيت والمشاغل والمرافق، ويتم تشديد شروط دخول المسجد الأقصى على الفلسطينيين وإتاحته للمستوطنين وغلاة المتطرفين، أما الحرم الإبراهيمي فقد تعرض مسبقا للتقسيم الزماني والمكاني عقب المجزرة الفظيعة التي وقعت فيه عام 1994، وعندها قتل المجرم باروخ غولدشتاين المنتمي لحركة كاخ فقتل 29 مصليا، واستشهد نحو عشرة آخرون خلال المواجهات التي عمّت المدينة وباقي الأراضي المحتلة.
يُمنع دخول الفلسطينيين للحرم الإبراهيمي لأيام عديدة على امتداد العام، ويستمر إغلاق بعض الشوارع في قلب المدينة القديمة وبخاصة تلك التي تصل بين البؤر الاستيطانية والحرم، كما يجري الحد من دخول الفلسطينيين لمناطق احتفالات المستوطنين، إما لأن التشديدات الأمنية تشتمل على أعمال تنكيل وتفتيش مشدد وإيقاف طويل، أو أن المواطنين الفلسطينين يختارون تجنب التعرض للأذى والمهانة من الشرطة والمستوطنين.
تزدحم الروزنامة السنوية بعدد كبير جدا من الأعياد اليهودية، والتي تشمل مناسبات دينية وأخرى تاريخية، بعضها يرمز لأيام حزينة مثل "ذكرى خراب الهيكل"، وبعضها أقرب للفولكلور الشعبي مثل أعياد المساخر (بوريم) والأنوار (حانوكاه)، وتُلزم القوانين الإسرائيلية أرباب العمل والمُشغّلين بدفع أجرة العاملين عن إجازاتهم في تسعة أيام خلال السنة تشمل يوم الغفران ويومين من عيد الفصح، ومثلهما لعيد الفصح، ورأس السنة العبرية. ولكن الروزنامة الشعبية والتقليد لدى غلاة المتطرفين توسّع عدد أيام هذه الأعياد، وهي عينها أيام اقتحامات القدس والمسجد الأقصى والحرم الإبراهيمي في الخليل، إلى نحو 30 يوما في العام، فعيد العرش (سوكوت) يمتد إلى ثمانية أيام، ويُسبغ هؤلاء المتطرفون سمات القداسة على احتفالات وأعياد اختيارية مثل الأعياد الخاصة بمواسم الزراعة والحصاد، والأمسيات التي تسبق الأعياد الرئيسية، بل حتى أعياد ميلاد كبار الحاخامات مثل موسى بن ميمون (رمبام) ويعقوب أبو حصيرة وتواريخ وفاتهم تصبح مناسبات للأعياد عند بعض الجماعات.
ثمة أيضا احتفالات سياسية مرتبطة بمناسبات حديثة مثل "يوم استقلال إسرائيل" أي ذكرى النكبة الفلسطينية، ويوم قتلى الجيش الإسرائيلي وذكرى المحرقة، وفي كل هذه المناسبات تتحول حياة الفلسطينيين إلى سجن كبير ويُفرض عليهم إغلاق شامل، ويمنعون من دخول القدس وأماكن عملهم في الداخل المحتل عام 1948. بل إن سلطات الاحتلال تغلق الأراضي المحتلة في مناسبات سياسية اعتيادية كزيارة زعيم أجنبي، أو تنظيم جنازة خاصة لرجل دين بارز وحتى في مناسبات مدنية مثل مسيرات المثليين.
في العادة، تبرر سلطات الاحتلال إجراءات الإغلاق بالدوافع الأمنية لحماية المحتفلين اليهود من هجمات فلسطينية أو من صدامات محتملة، لكن الواقع يثبت أن قرارات كهذه نابعة من عقلية عنصرية ترى أن هناك أولوية مطلقة لراحة اليهود وعباداتهم واحتفالاتهم وسلامتهم على حساب حياة الفلسطينيين بكل تفاصيلها من عمل وعبادات واحتياجات يومية للعلاج والسفر والتعليم وممارسة الحياة الطبيعية. إلى جانب أن إسرائيل معنية بتكريس الانطباع بأنها هي صاحبة الأمر والنهي، وهي التي تسمح بدخول الفلسطينيين أو تمنعهم، لأنها المالكة الحصرية للسيادة على القدس بينما الفلسطينيون مجرد زوار وسكان طارئون.
ولعل من يسمع بمصطلح "الأعياد الدينية" تخطر له قيم ومعاني التسامح والبِرّ والإحسان والعمل الصالح، والطقوس التي تشمل التكفير عن الذنوب والخطايا، وهي معتقدات وممارسات موجودة في معظم الأديان والمعتقدات بما فيها اليهودية التي يكرس أهم أعيادها وهو يوم الغفران (كيبور/ ومعناها يشبه معنى الكفّارة) للصوم الطويل الشاق والانزواء في البيوت والمعابد دون القيام باي عمل، وتكريس الوقت لما يسمى "حساب النفس" ومساءلة المرء لذاته عما فعل خلال العام، وهو طقس تطهري أقرب لمفهوم "التوبة" عند المسلمين و"الاعتراف" عند المسيحيين. تحتل هذه الطقوس والممارسات مكانة مركزية لدى المتدينين اليهود وبخاصة لدى جماعات مثل ناطوري كارتا وهي مجموعة متزمتة دينيا ولكنها مناوئة للصهيونية وتدعو إلى قيام دولة فلسطينية على كل الأراضي الفلسطينية.
أما لدى أتباع تيار الصهيونية الدينية التي تقوم افكارها على مزيج من خلاصة العنف والاستعلاء المستوحى بشكل انتقائي من الموروث الديني التوراتي والتلمودي (كيف تعامل يوشع بن نون مع المدن والقرى التي فتحها مثلا)، مع الفكر القومي الصهيوني المتطرف، القائم على فرادة "شعب إسرائيل" وتميزه الاجتماعي والثقافي عن سائر الشعوب، فتتحول الأعياد الدينية إلى مواسم للكراهية والعربدة والتعدي على غير اليهود، بما يشمل أعمال العنف البدني وهتافات الشتائم التي تطاول الأديان والأنبياء، والتهديدات وممارسات التحقير، والاستقواء على المارة من مدنيين عزل ونساء وأطفال وسياح أجانب ورجال دين ولكل من يقوده حظه التعيس للتواجد في مسيرات البغضاء هذه. هذه الاعتداءات تجري تحت حماية الشرطة الإسرائيلية التي لا تكتفي الشرطة بمرافقة المشاركين وتأمين سلامتهم، بل تقوم بشكل مسبق بإخلاء الطرق وإغلاق المحلات التجارية على امتداد الطرق التي تجتازها المَسيرات.
من أقبح الممارسات التي تجري خلال الأعياد اليهودية (تجري في كل وقت لكن الأعياد تمثل مناسبة للاستقواء) عادة البصق على رجال الدين المسيحي بشكل خاص، والتي وثقتها كاميرات الفيديو هذا العام على نحو جماعي من قبل عشرات المستوطنين ضد مجموعة من رجال الدين والسياح. قُدّمت شكاوى عديدة من قبل المؤسسات الكنسية للسلطات الإسرائيلية، كما رُفع الأمر للمرجعيات الروحية الكنسية، لكن وزير الأمن القومي الإسرائيلي ايتامار بن جفير تنطع للدفاع عن مرتكبي هذا الفعل الشائن بحجة أنه تقليد تراثي يعود لمئات السنين، وأنه لا يمكن محاكمة هؤلاء الأشخاص لأنهم يبصقون على الأرض! لكن الشرطة رضخت لنداءات إسرائيلية وأخرى كنسية فاعتقلت خمسة متهمين بالبصق، وسط توقعات بأن لا يواجه هؤلاء أي مشكلة جدية مع القضاء في ضوء تفشي ثقافة الكراهية والاستعلاء حتى لدى المسؤولين في الحكومة الإسرائيلية وأجهزة دولة الاحتلال.

حوار مع الكاتبة السودانية شادية عبد المنعم حول الصراع المسلح في السودان وتاثيراته على حياة الجماهير، اجرت
حوار مع الكاتبة التونسية د. امال قرامي حول ما تعانيه النساء من جراء الحرب والابادة اليومية في غزة، اجرت ا