إسرائيل لا ترى في الفلسطينيين إلا مشكلات أمنية

نهاد ابو غوش
2023 / 10 / 4

كان الرئيس الفلسطيني الراحل، الشهيد ياسر عرفات يكثر من استخدام مصطلح "سلام الشجعان" في حديثه عن اتفاق أوسلو والآمال المعقودة عليه، مستلهما تجربة الرئيس الفرنسي الأسبق شارل ديغول لدى محاولات الأخير بدءا من العام 1958 احتواء الثورة الجزائرية التحررية ضد الاستعمار الفرنسي، والخروج بأقل الخسائر الممكنة. حديث أبو عمار عن سلام الشجعان كان ضربا من تشجيع القيادات الإسرائيلية على المضي في الطريق التي اختارها شريكه في إبرام الاتفاق، رئيس الوزراء اسحق رابين الذي قتله اليمين المتطرف، إلى جانب كون ذلك تبريرا لبعض التنازلات التي قدمتها القيادة الفلسطينية، ورهانها على تحسن الظروف لصالحها.
توجد على الأغلب نماذج كثيرة، بعضها قديم جدا خلال حروب قرطاجنة ضد الرومان لما يمكن وصفه ب"سلام الشجعان" أي الوصول إلى إنهاء القتال بما يحفظ شرف طرفي القتال وبخاصة المهزومين. ولكن من الواضح أن استخدام الرئيس عرفات لهذا الوصف كان يعكس تفكيرا رغائبيا، وهو أبعد ما يكون عن الحقيقة والواقع الذي نشأ بعد الاتفاق، الذي قدم بوصفه إعلان مبادئ حول ترتيبات الحكم الإداري الذاتي. فالرئيس عرفات نفسه دفع حياته ثمنا لمحاولاته كسر قيود الاتفاق من خلال تشجيع انطلاق الانتفاضة الثانية. أما تاريخ العقود الزمنية الثلاثة التي تلت الاتفاق وتطبيقاته على الأرض فيثبت أن "أوسلو" كان مَصيَدة مُحكمة للحركة الوطنية الفلسطينية وقياداتها التاريخية. ودليل ذلك لا يقتصر على النصوص والبنود التي تضمنها الاتفاق وإنما في الواقع المرير الذي يرزح فيه ملايين الفلسطينيين تحت احتلال ما انفك يواصل سيطرته على كل تفاصيل حياة الفلسطينيين وأرضهم وحياتهم وحركتهم ومقدساتهم وكل حقوقهم الوطنية، بينما يزداد تورُّط السلطة الفلسطينية في مأزقها، وارتهانها للقيود التي كبلها بها اتفاق أوسلو، ويبدو حلم الحرية والاستقلال والعودة أبعد منالا مما كان مرئيا عشية أوسلو (أي في زمن الانتفاضة الكبرى).
ينطوي مصطلح "سلام الشجعان" على نوع من الندية والتكافؤ بين المتقاتلين، لكن ذلك كان بعيدا عن تفكير الإسرائيلين الذين لم يتعاملوا مع الفلسطينيين أبدا بوصفهم شعبا. فإنكار وجود الشعب الفلسطيني ليس بدعة جاء بها الوزير بتسليئيل سموترتيتش في تصريحاته قبل أشهر قليلة خلال زيارته لباريس، بل إن إنكار صفة الشعب عن الفلسطينيين هي سمة من سمات التفكير السياسي الإسرائيلي لم يفارق حتى أولئك الذين يجري تصنيفهم كحمائم أو معتدلين. ولعل أبرز ما قيل في هذا الصدد هي الأقوال التي نسبت لرئيسة الوزراء السابقة غولدا مائير ( 1969-1974) حيث دأبت على إنكار وجود الشعب الفلسطيني، ثم قالت " أنا كنت فلسطينية بين العامين 1921 و1948".
وبعودة قليلة إلى الوراء سيتبين أن وعد بلفور نفسه تجاهل وجود "شعب" فلسطيني، مكتفيا بالإشارة إلى "الحقوق المدنية والدينية لغير اليهود المقيمين في فلسطين"، وهو ما يؤكد أن الوعد الذي أصدرته بريطانيا صيغ بلغة ومضامين صهيونية خالصة.
خلا اتفاق أوسلو من أي إشارة لإنهاء الاحتلال، أو حق تقرير المصير للفلسطينيين، حتى رسائل الاعتراف المتبادلة بين إسرائيل ومنظمة التحرير الفلسطينية يمكن تفسير نصها الانجليزي بأنها تتحدث عن "شعب" أو "ناس"، وفي الأدبيات الإسرائيلية يشار للفلسطينيين باعتبارهم "سكان المناطق" أو "العرب في أرض إسرائيل"، كما يمكن العثور على تنازلات لفظية كثيرة في مواقف المسؤولين الإسرائيليين في حديث بعضهم عن الشعب الفلسطيني وحل الدولتين، ولكن ما يتأكد عمليا هو أن إسرائيل، وعبر مختلف الحقب التي تعاقب عليها قادة وحكومات من حزب العمل وكاديما والليكود وما أسمي ائتلاف التغيير برئاسة الثلاثي لابيد-بينيت- غانتس، بذلت كل جهد مستطاع لتقويض فرص قيام دولة فلسطينية وإحكام تبعية الفلسطينيين لإسرائيل، أما ترجمة ذلك في مجال الحلول والمبادرات السياسية فهو يتلخص في جعل الاحتلال سقفا لطموحات الفلسطينيين.
يغيب موضوع الفلسطينيين تماما عن واجهة الصراع بين حكومة اليمين المتطرف الحالية ومنتقديها من قوى المعارضة، كما غابت القضية (ومعها الخلافات بشأن الحرب والسلام والموقف من الاحتلال) في جميع الدورات الانتخابية للكنيست التي جرت خلال ربع القرن الأخير، وإن ورد "حل الدولتين" في تصريحات بعض المسؤولين فهو مجرد فكرة غائمة وغير محددة، وفي جميع الأحوال هي ليست للتطبيق.
تسعى إسرائيل لتصوير الموضوع الفلسطيني وكأنه شأن داخلي إسرائيلي، والفلسطينيون وفق هذا التصور وُجِدوا في هذا المكان بالصدفة أو الخطأ، وبالتالي فهم "مشكلة" يجري تصويرها أحيانا على أنها مشكلة إنسانية تقع على المجتمع الدولي مهمة تخفيفها، أو أنهم مشكلة ديمغرافية سينفجرون يوما كقنبلة موقوتة في وجه المجتمع اليهودي الإسرائيلي إذا لم يبادر هذا الأخير بنزع فتيلها، أي نزع الشرعية السياسية عن فلسطينيي الداخل المحتل عام 1948، ونزع الحقوق الوطنية عن بقية الفلسطينيين. أما السمة الطاغية لمشكلة الفلسطينيين فهي المشكلة "الإرهابية" التي يعجز عقل الغطرسة الإسرائيلي عن استيعابها أو تفهم وجود دوافع وطنية تحفز الشبان الفلسطينيين لمقاومة الاحتلال. لذلك لا يستطيع ذلك العقل الاستعلائي التفكير بأية حلول سياسية لما يسميه "الإرهاب"، فجميع الحلول التي يفكر قادة إسرائيل بها ويعملون على تنفيذها هي خيارات الاجتياح والاقتحام والاغتيال وهدم المنازل والاعتقالات والإبعاد، وثمة مقولة رائجة في أوساط القيادات الإسرائيلية العسكرية والمدنية على السواء مفادها "أن ما لا يأتي بالقوة يأتي بمزيد من القوة".
على المستوى السياسي ولأن إسرائيل لا تنظر للفلسطينيين كشعب، ولا كجيران أو أصحاب حقوق وطنية، فكل مشاريع ساسة إسرائيل تتراوح بين الحسم العسكري وبين تقديم تسهيلات اقتصادية وإنسانية، على قاعدة مقايضة الحقوق الوطنية ببعض الخدمات المعيشية، وهي تمضي في التكريس الواقعي لكون الموضوع الفلسطيني شأنا داخليا إسرائيليا. هذه الرؤية تجد غطاء لها في التعاطي الأميركي مع القضية (خلال زيارة الرئيس بايدن للمنطقة نحدث عن حل الدولتين كخيار بعيد المنال، ووعد بدلا من ذلك بدعم مستشفيات القدس ومساعدة الفلسطينيين في الحصول على تقنيات الجيل الرابع للهواتف الذكية)، وفي كل تفاصيل الدور الأوروبي، وفي مسلسل الهرولة العربية والإسلامية نحو التطبيع، والخشية كل الخشية في أن تجد هذه الرؤية وكلاء لها في الحالة الفلسطينية، من الصعب على مثل هؤلاء الإفصاح عن ذلك علانية، ولكن التعايش مع الواقع القائم دون التفكير بخيارات بديلة يفضي إلى ما تريده إسرائيل لا محالة.

حوار مع الكاتبة السودانية شادية عبد المنعم حول الصراع المسلح في السودان وتاثيراته على حياة الجماهير، اجرت
حوار مع الكاتبة التونسية د. امال قرامي حول ما تعانيه النساء من جراء الحرب والابادة اليومية في غزة، اجرت ا