الدولة والسلطة والمواطَنَة والنزاعات العائلية في فلسطين

نهاد ابو غوش
2023 / 9 / 16

نهاد أبو غوش

لماذا ازدادت النزاعات العائلية في الآونة الاخيرة في فلسطين. بنظرك هذا التفسخ بيت العائلات الفلسطينية متى بدا بالبروز ؟ وكيف كانت العائلات والمجتمع الفلسطيني قبل بناء الجدار العازل واتفاقية اوسلو؟؟
المشكلات موجودة في جميع المجتمعات وبين الأفراد والجماعات ومن بينها العائلات، لكن زيادة واستفحال المشكلات في المجتمع الفلسطيني يعود إلى عدم سيطرة السلطة أمنيا على جميع الأراضي الفلسطينية المحتلة وبخاصة المناطق المصنفة (ب) و (ج) التي تشمل معظم مناطق الريف والنسبة الكبرى من مساحة الأراضي الفلسطينية في الضفة وخاصة القدس. هذا بالإضافة إلى تراجع ثقة المواطنين في مؤسسات السلطة السياسية والقضائية وأجهزة إنفاذ القانون لأسباب كثيرة من بينها عدم تجديد الثقة في هيئات السلطة وأجسامها التمثيلية عبر الانتخابات، غياب أشكال الرقابة الشعبية، بما في ذلك القيود على الحريات العامة وحرية التعبير، استشراء كثير من مظاهر الفساد والمحسوبية وارتباطها بمؤسسات السلطة، هيمنة السلطة التنفيذية وأدواتها الأمنية على كل مساحات العمل العمل (حتى الانتخابات البلدية والنقابية تتدخل فيها الأجهزة الأمنية)، تراجع استقلالية السلطة القضائية ومجموعة القرارات بقانون التي مست بهيبة السلطة القضائية ومكانتها وثقة الناس بها، المشاكل الإدارية والبيروقراطية المتراكمة التي أضعفت جهاز القضاء وجعلته عاجزا عن البت السريع في القضايا المعروضة أمامه، وطول فترة التقاضي، وتخلف المنظومة التشريعية عن مواكبة التطورات المتلاحقة (مثلا قانون العقوبات هو نفسه القانون الأردني لعام 1960 وقد عدل في الاردن وتغير عدة مرات لكنه بقي المرجع الرئيس للقضاء عندنا بالإضافة لوجود تشكيلة من القوانين القديمة العهد الموروثة من زمن الانتداب والقوانين العسكرية الإسرائيلية، والقوانين المصرية (في غزة) والأردنية (في الضفة)
- ومن أبرز أسباب ازدياد النزاعات العائلية (في المجتمعات العربية عموما وليس فقط المجتمع الفلسطيني) فشل الدولة الوطنية الحديثة في تكريس مفهوم المواطَنَة ومجتمع الحقوق والواجبات المتساوية، هذا يدفع بالناس الى الارتداد إلى الهويات ما قبل الهوية الوطنية الجامعة ( عشائرية، طائفية، قبلية، جهوية، إثنية) فطالما أن الدولة / السلطة لا توفر الحماية والأمن والحقوق للفرد، يعود هذا الفرد إلى روابط الدم أملا في إيجاد بنية اجتماعية تحميه، الحالة الفلسطينية أكثر نعقيدا بسبب وجود الاحتلال، ولكن ما ينطبق على فشل الدولة الوطنية الحديثة (في سوريا والعراق واليمين وليبيا وغيرها) ينطبق على فشل مؤسسات الحركة الوطنية في إنجاز مهمات التحرر والاستقلال والحقوق.

ما هي الحلول للخلاص من هذه النزاعات؟ وماذا بشأن الصلح العشائري كطريقة سلمية غير رسمية لحل النزاعات العائلية؟
- هناك إجراءات عاجلة مطلوبة لإصلاح النظام السياسي أولها تجديد شرعيته وبناء نظام يقوم على التوازن بين السلطات الثلاث التنفيذية والتشريعية والقضائية، إلى جانب ذلك العمل سريعا لإصلاح القضاء عبر تطوير التشريعات وتحديثها وتوحيدها، وتعزيز بنيته الإدارية من محاكم وقضاة مؤهلين ومحاكم اختصاص، الصلح العشائري يمكن أن يكون مفيدا كجزء من أدوات المجتمع المدني لحل النزاعات، وهو يمكن ان يستكمل الثغرات في النظام القضائي ويراعي درجة التطور الثقافي والاجتماعي، ولكن لا يمكن أن يكون بديلا عن جهاز قضائي معاصر وقوي ومستقل، هناك مؤسسات اخرى للمجتمع مثل الاحزاب والنقابات والجمعيات يمكن أن تساهم في تقليص النزاعات العائلية ويمكن ان تساهم في تكريس ثقافة التسامح وقبول الآخر واحترام الحيز العام، ومنع الاستقواء بالقوة والعشيرة والقبيلة على الفئات الضعيفة والمهمشة.

ما هو البديل عن التنسيق الامني من قبل السلطة الفلسطينية لحل النزاعات العائلية بما ان اتفاقية اوسلو مجمدة؟
التنسيق الأمني ، واتفاق اوسلو ليس مجمدا بل موجود وفعال وتسعى اسرائيل لاختزاله إلى القيود والضوابط التي تخدم هيمنتها وسيطرتها واحتلالها، آخر ما تفكر فيه إسرائيل هو مصلحة الشعب الفلسطيني وما تفكر فيه هو إخضاع كل البنى الاجتماعية والثقافية بما يخدم أهداف الاحتلال: من الأدلة الدامغة على ذلك سلوك السلطات الاسرائيلية تجاه استفحال الجريمة في أوساط فلسطينيي المناطق المحتلة عام 1948، حتى كتابة هذه السطور هناك أكثر من 167 جريمة قتل هذا العام، معظمها لم يحل والسلطات متقاعسة وصامتة، ولكن لو كان هناك مشكلة أمنية تمس اسرائيل لقلبوا البلاد حجرا على حجر بحثا عن اي قطعة سلاح. مثال آخر هو ظاهرة الضواحي العشوائية التي تبنى وتتوسع في محيط القدس بدون شروط هندسية وبيئية ومعمارية ملائمة، كل ذلك من اجل خفض أعداد المقدسيين داخل القدس، مثال آخر هو انتشار السلحة بكثافة في الخليل والصراعات العشائرية هناك، الاحتلال لا يفعل شيئا لمنع ذلك بل يشجع هذه الظاهرة، وهو معني كذلك بإفشال اي تجربة للإدارة الفلسطينية الناجحة، يريد أن يكرس لدينا ولدى العالم أننا غير قادرين على إدارة شؤوننا بأنفسنا وأننا لا نستحق دولة ، وأن الاحتلال هو سقف طموحاتنا.
البديل لكل ذلك هو بناء مؤسساتنا الوطنية الرسمية والأهلية وتعزيز ادوار مؤسسات المجتمع المدني، ومعالجة ناجعة للاختلالات الاجتماعية (الفقر والبطالة والجريمة ، التسرب من المدارس) التي تشكل بيئة خصبة للنزاعات ، وتطوير منظومة القيم والأخلاق بتعزيز قيم العلم والعمل والتعاون والانتاج والمبادرة والتطوع بدلا من الاستعراضات التفاخرية بالقوة والمال والجاه والعصبوية العائلية والجهوية.

حوار مع الكاتبة السودانية شادية عبد المنعم حول الصراع المسلح في السودان وتاثيراته على حياة الجماهير، اجرت
حوار مع الكاتبة التونسية د. امال قرامي حول ما تعانيه النساء من جراء الحرب والابادة اليومية في غزة، اجرت ا