العنونة والمكنونات السردية فى رواية ما أنا بكاتب للكاتب السيد حافظ بقلم د. نجاة صادق الجشعمي - دراسات في أعمال السيد حافظ (325)

السيد حافظ
2023 / 5 / 4

دراسات في أعمال السيد حافظ (325)
العنونة والمكنونات السردية فى رواية ما أنا بكاتب للكاتب السيد حافظ
بقلم د. نجاة صادق الجشعمي
لابد من القول هنا إلى الإبداع سواء على مستوى السرد أو النقد أو التقديم والتأليف ففي الغالب تصدر إبداعات المؤلفين مصحوبة بمقدمة ودراسة نقدية قد تكون وقد لا تكون أكاديمية مجرد كلمات وتطبيق نظرية ما وعدد صفحات من الورق وقد تكون مقدمة من المؤلف نفسه لنفسه فإنني لن أشرع بالدراسة التحليلية للرواية بل سأكتفي بدراسة العناويين..

أرتأيت أن نشرع ونستهل بالإشارة إلى العنونه والتجريب في السرد الروائي وتناولت رواية من السباعية الحافظية وهي رواية (ما أنا بكاتب) للكاتب الروائي السيد حافظ..

كان من المفروض تنتهي الإبداعات مع إنطلاقة عصر التطور التكنلوجي والتقدم العلمي إلا أن إنطلاقة الأسرار الإبداعية لدى الكاتب السيد حافظ يجوب بنا آفاقاً مجهولة أحياناً وأخرى مغلفة بغلال الغموض وغالباً فرضيات خيالية تبدو للقارئ العادي لكن الحاذق من يستنقي ويستقبل واقعيات الحياة ومستقبلها ببساطة وليس بأفكار فلسفية وعلمية لكن الكاتب يسرد النص والحكايات بنزعة ولغة سحرية لا تنفصل عن المشاعر والأحاسيس والظواهر الزمانية والمكانية وطبيعة الحياة الواقعية العلمية والتفسير حول ما هو مجهول في المجتمع البشري على صعيد التواصل مع طبقاته وكينوناته مؤكداً لنا أن الأدب ليس إكتشافاً بقدر ماهو إبداعاً وجمالاً وذوقاً ولغةً وثقافةً فالسباعية الحافظية بصورة خاصة والأعمال الأدبية السردية الحافظية سواء كانت مسرحاً أم قصة أم رواية أم شعراً بصورة عامة ما هي إلا مرحلة متواصلة من الإكراهات والاكتشافات والتطورات استمدت بعدها الجمالي من الإشتغال على فك الرموز والألغاز ونسف التقليد وصياغة الأطر الجمالية التجريبية للتجديد عبر صياغة منطقية سردية علاجية بعلاقة تناصية مع الرؤى والأفكار والأقوال والآيات والحكم أحياناً وثيمات متغلغلة تلقي استشفاف الكاتب السيد حافظ حول إشكالية التجريب والحداثة فنستهل دراستنا المتواضعة بصفحات وكلمات مضيئة في حياة الكاتب السيد حافظ الأدبية ومسيرته الكتابية سواء كان روائياً أو مسرحياً ...

فظل الكاتب السيد حافظ يلقي بنا في متاهات الرواية التجريبية بعد أن أمضى خمسين عامًا في المسرح التجريبي.. فمنذ عام 2010 وهو في مشروع التجريب للرواية فالتجريب أصبح سمة من سمات هذا الكاتب فهو مشروع مكتمل لم يتجزأ سواء كان في المسرح أو الرواية أو القصة القصيرة .. و في خلال إحدى عشر عامًا ظل مخلصا لمشروع التجريب في الرواية ولم لا ؟ أليست الرواية هي نجم هذا العصر في الكتابة ..؟

أم أنه جاء في اللحظة الحاسمة التى يعلن فيها وفاة الرواية بعد الإنكفاء والتراجع الذي حدث فيها.. بعد هذا الكم المذهل من الروايات التي طبعت مؤخرًا وغطت الأسواق العربية والعالمية.

أم أن السيد حافظ جاء في زمن الروايات الانتقائية بطقوس جديدة في الكتابة و كان أكثر جرأة على ملامسة الواقع وتكثيف معنى الحداثة و جاء بمشروع مكتمل البنيان في سباعية تتجلى فيها الحيوية والتكثيف والإيجاز وثقب التاريخ المسكوت عنه الذي يعد جنونًا فى الوطن العربي الذي مازال يجلس مكتوف الأيدي في الممنوعات الثلاثة المقدسة السياسة والدين والجنس.. و على الرغم من سيل الروايات التي كسرت هذا التابو إلا أنها تمادت في البوح على حساب الفن والأدب.. وتغاضت عن الميزان اللا مرئي للكاتب في معنى الكتابة.. هل تريد أن تكتب لتبوح للفت النظر إليك ؟

هل تبوح لترضي الغرب وتحصل على جائزة نوبل؟ على حساب الفن والأدب.. ما أكثر الدجالين والكذابين في الأدب والفن وأصبح الكذب ممارسة في الإعلام والفن والأدب ..

هل التجريب ضرورة في الرواية؟

بالنسبة للكثيرين لا.. أما بالنسبة للكاتب السيد حافظ فهو كما سبقت الإشارة حين وقفنا عند مفهوم الهوية الأدبية والبصمة الحافظية ومفهوم العنونة وموقعيتها وقوفاً أولياً إلى مجموعة من المفاهيم والإشكالات المرتبطة بالعناوين التي غالبا ً ماتكون المكون المحوري والمكون التأليفي الذي يعتبر واحداً من أهم مصاحبات النصوص الحافظية بل أصبح العنوان الحافظي هو بوابة القارئ والكاتب معاً ومن جهة أخرى مرتبطاً بالثالوث ( النص ، المؤلف ، القارئ ) .

لكن يظل التجريب بالنسبة للسيد حافظ ( نعم ) فهو كما يقول (إني أرى العالم يتغير كل لحظة امامي ..فكيف لا أغير أسلوبي في الكتابة .. و على هذا فقد أخون نفسي إذا لم أجرب حتى ولو في المقالات التي أكتبها أجرب وأغير أسلوبي .. أنا ولدت غير راض عن هذا العالم القبيح .. ويقول أيضًا أن الله يأمرنا بالتغيير أنظر إلى قوله سبحانه وتعالى (كل يوم هو في شأن) إذًا عليك أيها العبد أن تبصر .. أبصر أيها العبد إلى واقعك فأنه يتغير كل يوم وعليه أسلوبك أيها الكاتب لابد و أن يتغير كل يوم... ففي الوقت الذي أعترف فيه ( جيرار جينيت ) بصعوبة دراسة العناوين وما ينجز عن ذلك من قضايا وتحليلات ، وجدنا ( ليو هوك ) ينظر إلى العنوان على أنه عنصر صناعي ، وعارض من بين أعراض عملية التلقي أو التفسير يلتقط بصورة اعتباطية من على صفحة الغلاف من لدن القراء و الجمهور و النقاد و الاكاديمين المهتمين بالدراسات البيبلوغرافية وعلم العنونة.

" عن عتبات النص المفهوم والموقعية والوظائف ، مصطفى سلوي ، ص 196 ،جامعة محمد الأول ،كلية الآداب والعلوم الانسانية ، وجدة ، رقم 71 سلسلة بحوث ودراسات 22 لسنة 2003 م"

أما نحن الآن وهنا أمام إشارة تجنيسية أتى بها الكاتب السيد حافظ وهي التجريب ليس فقط بتشظي الرواية إلى روايات بل بتشظي العناويين إلى عناويين ثانوية متبوعة بعناويين تصلح أن تكون عنوان رئيسي فهذا يؤكد بل يجزم على إبداع الكاتب في الجانب الإبداعي وما أشرنا إليه أن العناويين التي خطت هنا على صفحات الرواية وبداية كل فصل بعدد الفصول أي الفصل الأول عنوان والفصل الثاني اثنين وهكذا إلى نهاية الفصل السابع الذي حمل في بدايته سبع عناويين وسبعة من اللوحات فهذا لم يحصل في الرواية العربية والعالمية قد طرحت وكتبت بعض الروايات بأشارات رقمية ترتيبية أو تجنيسية أو تأريخية أو قد حملت ونعتت بعنوان ثانوي وبقسمة ثلاثية بالعنوان لكن الكاتب تعدى المؤلوف والمعتاد عليه فوجدناه يرفدنا بسيل من نبع العناوين والصور وكلها أشارات دالة على جنس الابداع ونوعيته وكينوناته حول التجريب في السرد الروائي فالعناويين التي وضعها الكاتب هنا من الممكن أن تنوب عن العنوان الآخر كعنوان.

فنحن أمام رواية تجريبية عنوانها (ما انا بكاتب) انشطرت إلى شطرين أي إلى روايتين (شط إسكندرية يا شط الهوى) ورواية أخرى بعنوان (وهمت به)

أي نحن أمام رواية في ثلاثة كتب بثلاثة عناوين مختلفة ..

1 - ما أنا بكاتب

2 - وهمت به

3 - شط اسكندرية ياشط الهوى ..

وأعتقد أن هذا لن يحدث ...

لم يحدث هذا في تاريخ الرواية العربية أو العالمية وهي تجربة تستحق وقفة علمية ونقدية.. جديدة.

إن تكاسل النقاد عن البحث وتجديد الخطاب النقدي أوقع النقد في حالة هبوط و تدهور شديد أثرت على الغالبية العظمى من الدراسات المكتوبة والمطبوعة والدليل على هذا أنك تستطيع أن تكتشف أن معظم الدراسات والأبحاث والرسائل العلمية متشابهة إذ أن الغالبية العظمى يلجئون إلى أستحضار نظرية نقدية غربية وتطبيقها على العمل الأدبي مستشهداً بأجزاء من العمل الأدبي وهي طريقة سهلة في نمطية البحث فليس بمستغرب أن تجد ناقداً أو باحثاً أو أستاذاً في النقد يقدم لك مقالة أو دراسة أو بحثاً علمياً في عدة ساعات أو أيام دون عناء أو بذل مجهود يذكر لذلك أختلت معاير الثقة العلمية في الحركة النقدية برمتها ( سواء كانت أكاديمية أو غيرها ) لهذا الامر لا نكاد نعثر إلا على القليل القليل النادر من النقاد الذين يذهبون إلى أبعد حد بنظرياتهم النقدية التحليلية للنص السردي الأدبي بكافة أجناسه بالمقارنة مع جمهور الكتاب الذين يكتبون الرواية أو القصة أو أي جنس أدبي أخر..

إن هذه الرواية اسست لنفسها مدرسة أدبية خاصة واتجاها واكتشفت ارضية لعالم الرواية بل فتحت بوابة للرواية العربية كي تدخل منها ويدخل خلفها طابور طويل من الروايات التي سوف تستفيد من هذا الشكل اللا عقلاني والتجديد الذي يبدأ من العنوان وينتهي عند بوابة لا مرئية ..ربما يكون الطريق صعباً للذي يقلد ويكون سهلاً للموهوبين فقط في الكتابة هؤلاء الذين اصابتهم لعنة كشف المستور عن علة الحروف واكتشاف روح النص الروائي ..فنحن امام عوالم متداخلة بدءاً من العنوان الرئيسي حتى عناوين الفصول بجانب فواصل متشابكة الموضوع منفصلة الشخصيات الدرامية في بناء العمل فالكل ليس كلاً والجزء ليس جزءاً هي عوالم تتسرب عبر الحروف حتى تصل إلى شحنة التوهج في ذهن المتلقي الذى يبحث عن الدهشة في النص الروائي انها قضية التجديد التي يندمج فيهاالكاتب بلا حدود فالرواية تندرج تحت مايسمى بالرواية التجريبة هذا المصطلح الجديد القديم أو القديم الجديد فاننا امام بحر من التجريب في الشكل السردي وفي اللغة على مستوى اللهجات العربية .. إن الرواية تبحث عن قارىء .. لكن في التجريب الرواية تبحث عن تحقيق نفسها شكلا وموضوعا .

وتبحث عن القارىء المسنفر الواعي لا الكسول الذي يود التسلية والمتعة ان الرواية التجريبة متعتها تأتي من قدرتها على الحركة في مدارات لا تجرؤ الرواية التقليدية السير فيها..فمغامرة السيد حافظ أخذت الرواية منحى مختلف تماماً مغامراً بالسرد ومراهناً على كتاباته سيكشف الضوء عنها في يوم ما لعله قريباً فيتضح من خلال الرواية ما أنا بكاتب براعة الكاتب في العزف على الكلمات ليتضح شغفه بالعشق لكن لا يمنع إنتمائه إلى جذور الارض العربية وعشقه للخطاب القومي العربي وتخيلاته لطيف النور وتوكيداته في فضاء المكان واحداث الزمان وترابطها بالصور المعبرة هنا يضمر الكاتب الروائي السيد حافظ سؤالاً جوهرياً ..

هل الكلام عن السلطة والسياسة حيادية ؟

هل الكلام عن الغموض والمسكوت عنه والمجهول أستغلال وتضليل؟ أم ماهي ألا آلية وشروع ومداخل للكتابة ؟؟؟

فالكاتب هو العارف بخبايا النص وتقنياته وطقوسه لذلك في كثير من الأحيان نلاحظ الكاتب لايتأثر بأي دراسة نقدية لانه يجدها لم تخدم النص وجمالياته ولن تفك شفرات تقنياته فغالباً ما نستشف ببعض التقاطعات مع الإبداع المقدم من الكاتب والدراسات من الناقد فالناقد يزيد من الصور الخاصة بالخصائص الفنية ولغة المؤلف إذ يتعامل مع سرد المؤلف وجنس الإبداع والحديث عن النص .. فالأسلوب السردي لا يخلو من الحكائية . فالناقد العارف بهذا الأسلوب يقف لرسم لوحة النقد الرائعة دون إرتباك الأخطاء التي تغيظ القارئ الأكاديمي فهنا يكون الناقد في مرحلة الأقتناء ليكون لافتاً للانتباه عن جماليات النص السردي فبعد الغلاف والاهداء نسلط الضوء على العناوين فقد تكون متميزة ترمز إلى الاغراب والابهام والغموض وإحياناً ..ففي رواية ماأنا بكاتب تباينت المكنونات السردية في بناء الرواية من كاتب إلى أخرلكن أعتقد أن المشاهد والأحداث مع القارئ المتميز والناقد الممتاز هم من يعقدون الرهان لتحيك الهوية الروائية مثلما تجدفي رواية ( ماأنا بكاتب ) إذ تتوالى المشاهد على إمتداد الرواية وقد ضم إلى تيارها شخصيات جديدة وبهذا يتضاعف التشويق مع التشابك بالصور والعناويين فالرواية مكتوبة بحبكة بحيث إن كل جزء يبدو حكاية وبداية ونهاية وبالتالي أخذ الكاتب مسلك أخر ومنحنى جديد من التجريب للمكان وخلفياته والزمان وأوقاته كان دوراً مكملاً رغم أن الزمان تقاطع مع التكوين المكاني بحيث تحول المكان إلى موضوعات يسلط الكاتب عدسته الروائية على الشخصيات المحورية ويشكل لنا بنية الحدث على أثر الحكايات الثلاث . كذلك بالنسبة للنص الروائي (ما أنا بكاتب) المعنون، وهمت به، شط إسكندرية.. آلية تجريب وتحويل في تكوين الشخصيات والحوار والتكنيك لتصميم العمل الروائي .... فيتصدر الكتاب لوحة الفنان العالمي ماهر جرجس عن مسرحية للكاتب السيد حافظ ( سيسيف ) حين يسأل البطل كم الساعة الآن ؟ طوال العرض. وقد جلس الكاتب والصورة تعبر عن كاتب جالس ينظر إلى الساعة التي في يده والاوراق التي تتدلى من جيبه وسيجارهومشروبه في يده اليمنى الكرسي عال ويتكأ على كتاب كان يقرأه وتتبخر من رأسه أفكار متعددة في شكل دخان وسجل فالغلاف يرتبط بكاتب في لحظة تأمل أو لحظة تفكير عميقة هل قرر إعتزال الكتابة أم قرر أن يكتب لنفسه أو فرد ما يقرأه ويتفاعل مع عالمه الإبداعي ..

الفصل الأول : الخطيئة والعشق

لوحة سريالية تتداخل فيها الكائنات البشرية والحيوانية للفنان أحمد الصعيدي .. وفي ص 77 لوحة إخرى تحت عنوان (خذ لك نفساً ) عبارة عن حرف للوحة الفنان التشكيلي ( أحمد الصعيدي) وهو حرف الواو أو الفاؤ مقلوباً وفيها صلة بين بداية هذا الفصل كنت أظن وبعض الظن نعيم وهناء ومعظمه شقاء ..

الفصل الثاني ..بعنوانين

الأول .. هناك كتابة تشبه الكتابة ونساء تشبه النساء وبه لوحه لناطحات سحاب متماثله متشابهه وكأنها التقطت بصورة فوتغرافية من أعلى مع إنها صورة زيتية ..

أما العنوان الثاني للفصل الثاني ..

ربما نسيت أفراحي في كحل عينيك إن غبت عني غابت أفراحي وإن جئت لي عادت مهللة . اللوحة لهذا العنوان لكائنات بشرية أو فضائية متداخلة مع بعضها البعض في عالم مهلهل غير متماسك أو متوازن .

أما الفصل الثالث له ثلاثة عناوين :

العنوان الأول : الحب قوة خفية للفرح والألم . اللوحة تعبر عن كائن يكاد يطير أو يسير ولكن يسبح في فضاء ويترئ لنا هذا الكائن يرقص للفرح بألم .

أما العنوان الثاني : الحب يكحل عيوننا بالجمال . أما اللوحة التي تعبر عن هذا العنوان عباره عن طائر بحجم الارض وجناحيه للسماء وعيونه تكاد تبكي ومن الزاوية الاخرى ترى هذا الطير وجه امرأه جميلة تنظر إلى أعلى .

العنوان الثالث : ويحي قتلني الحب الصافي ..أما اللوحة توحي صورة لوجه رجل مقهور غابت عينيه وتدلى من فوق رأسه شعره الكثيف ..

في ص ( 239 ) خذ لك نفساً ...نظرت لها ..عندما تنزلين البحر بحب وعشق سيضاجعك الموج بعذرية ..ستفهمينني تسكنك أنثى عاهرة وأنت إمراة فاضلة وأنا أحبك فاضلة وعاهرة وأنا البحر ...لكن جسدك ينز عطراً ..

فيه ظهرت زهرة وردة بيضاء متفتحة وسط فضاء داكن

الفصل الرابع :

ص 240 يستهل الكاتب الفصل الرابع بأربعة عناوين هي على التوالي ....العنوان الأول

لا أتذكر أن الوطن أعطاني مرة وردة أو مظلة للمطر . ولوحة للفنان التشكيلي أحمد الصعيدي نادراً مايصادف القارئ نصاً روائياً يتفاعل مع الفنون بأشكالها المتنوعة مابين مسرح وقصة ورسم وشعر وأذاعة وتلفاز وكذلك يطوع التاريخ والفكر في البناء السردي للرواية كأن الكاتب حول أعماله الروائية إلى شاشة كبيرة للعرض الحوارات والومضات واللغة الشعرية والموسيقى بذوق ومتعة للقارئ المثقف الواعي وبهذا الكم الهائل من الاحتشاد الثقافي بذلك تكون الرواية قد فازت وتوسعت بمجال المتعة والتذوق بالأضافة إلى أنها وليدة الأفكار التجريبية قد أجزم على أنها تفردت تفرد الكاتب في حداثة مابعد الحدثة في التجريب في الرواية في زمن تنتطفئ القراءة الورقية وتنازع في أنفاسها ما قبل الاندثار أمام المنصات الالكترونية والمكتبات الفيسبوكية لكن الكاتب الحاذق يقدم لنا مؤشراً على نجاحه وتفوقه في نسج وتصميم عالم سردي و تجريبي يريد من خلال تجربته الابداعية مشاركة القارئ بل يطمح إلى أكثر من ذلك أن يكون القارئ أمتداد له في التكامل الثقافي والحضاري ونسق متوازي في تطويع المفردات والفنون والتاريخ وتنظيم محاوره المعرفية في البناء المعماري للسرد الحكائي كجرعات تشوق في اوردة السرد دون الغوص في المفردات الفلسفية الجافة ليوفر الكاتب البيئة المناسبة التي تتفاعل مع النص الروائي في رواية (ما أنا بكاتب) تعال أيها القارئ نتخيل ماذا ترمز اللوحة في العنوان الأول من الفصل الرابع في رواية (ما أنا بكاتب ) يظهر لنا في اللوحة كائن كبير يبتلع نصف اللوحه وكائنات أخرى صغيرة تحيط به وإشباه حيوانات وقبة مسجد وسلسلة بعرض اللوحة.

العنوان الثاني ( أحياناُ أراك في دمي وردة حمراء الخدين ) .

اللوحة عبارة عن مجموعة أوراق ورد تشبه الإنسان والحيوان وفي حالات مختلفة من الفرح والحزن..

العنوان الثالث ( أنا رجل يائس من هذا الوطن ) .

تمثل اللوحة جموع بشرية شبه أشباح لم يتبقى منها إلا ساقين والوجه الذي تقزم وأصبح شبه كرة صغيرة ..ونصل إلى العنوان الرابع وفيه يقول الكاتب :

العنوان الرابع ( الوطن شاخ لا مهنة له الآن ) ..

تظهر في اللوحه أمرتان تجلسان والصخور حولهما والرجل غائب . النسوة هنا يرمزن للارض والرجل يرمز للوطن ..

ص ( 278 ) خذ لك نفس يبدأ فيها الكاتب ب ( أخبئ عنك حزني وأحلامي المؤجلة البسيطة وسر سقوط الشعر والقصيدة أخبئ عنك رغباتي المجنونة وغياب الوطن من نبضاتي أخبئ عنك أني لا أرى بشراً في الشوارع بل موتى وأشباحاً وأخبئ في ذاكرتي همساتك التي أشتهيها وتبعدنا المسافات ولو التقينا أخبئ عنك لم يعد يشدني شيئاً غير شعرك وصوتك ألحاني .. فكل قصائدنا أختفت ولم نتذوق الألحان وأشتاق أن أغني يحاصرني البكاء.. الحزن قدرنا في تلك الايام وشوقنا للغناء والفرح عناء.... اللوحة عبارة عن نصف وجه أمراة ورجال أقزام صغار أشباح ويتدلى من فمها لسان كثعبان...

الفصل الخامس وله خمس عناوين ..

العنوان الأول (أكون سر الجنون)... لوحة سيريالية كل الكائنات في العقل متشابكة منشقة مثنية كأنها في مسارات طرق مختلفة ..

العنوان الثاني (حتى أقول أحبك سيدتي يحمر وجه الوطن خجلاً مما فعله معي)

اللوحة صورة إمرأة في شكل طائر وإمرأة أخرى تمتد من الأرض إلى السماء نحيفة تمد يدها إلى أعلى تستجير بالسماء..

العنوان الثالث (وأحياناً أنتظر الصبح وحدي وحتى وأن طال الليل ونسى الفجر عنواني..) صورة لكائن بشري يمسك طفلاً ورجلاً غارقاً بقارب ...

العنوان الرابع ( حنانيك ياوطني يا قاسي القلب )

اللوحة صورة أمراة تحمل قربة ماء أو زرعة ماء على رأسها..

العنوان الخامس ( وطن يبحث عن المجهول )

اللوحة عبارة عن أمراة على رأسها طائر وعيناه حزينة تشبه زمن الفراعنة ..

ونصل إلى الفصل السادس

ونتصفح الرواية بشوق متنقلين مابين كنيسة المنشية والجبل الذي وقف أمامه العم حبيب ودعا ربه وصلاة العشاء في رشيد وصمت شهرزاد وعندما تسكت شهرزاد تشم رائحة القهوة وخذ لك نفس ص (310) واللوحة وجهان ربما هما الليل والنها ر الخير والشر ربما هما رجل وأمراة ربما هما الانسان وظله المجسد.. فلن نتفاجئ من تكنيك الكاتب السيد حافظ حينما وصلنا إلى الفصل السادس وجدنا الكاتب السيد حافظ وضع لنا ست عناوين ولكل عنوان لوحة سنبحر معاً في ما أشارت هذه العناوين واللوحات ...

العنوان الأول ( للنهر عتبات الأولى التسامح والأخيرة الحب ومابينهما عتبة غربة الروح ) يعود بنا الكاتب إلى نفس اللوحة التي هي عبارة عن أمراة تحمل فوق رأسها زرعة ماء ليؤكدلنا معنى أن الماء سر الحياة وكذلك النساء .

العنوان الثاني ( ولي في مصر نشيد نسى الناس حروفه في زحمة القهر والدنس )

اللوحة عبارة عن صورة أمراة تتكرر التي تحمل على رأسها طائر وشاحبة العين كأنها مومياء فرعونية ..

العنوان الثالث ( ياقرة عيني ..ترى ماذا يقول البحارة في نهر العشق والعرافات عنك وعني ) أما اللوحة هي وجهان لرجلين أو رجل واحد في حالتين وكلاهما مصدوم أو مسلوب الارادة أو مستسلماً للواقع ..

العنوان الرابع ( وغنى الوطن والناس موتى جياع ) لوحة للفنان ماهر جرجس عن عيد الغطاس

العنوان الخامس ( تباً لك ..النور في القلوب خافت جداً ) اللوحة لطفل صغير يحتمي بأبويه والاب والام أمتزجا سوياً ككائن واحد ..

العنوان السادس (ليس كل حقيقة خيال وليس كل خيال حقيقة) اللوحة تبين لنا صورة رجل قد أنشطر وجهه نصفين وجه للقمر في حالة هلال ووجه للظلام الدامس. تاخذنا الصفحات أمام الجريدة ظهراً حيث يعمل فتحي رضوان وأسئلة سهر ودموعها التي تنهمر والحب المتصل المنفصل واللازم والعناد وأبتسامة الهندي سائق التاكسي والصحفية الجميلة حياة ويرن هاتف فتحي وتهاني التي تتوارى بالابتسامات والضحكات وهي تموت غيضاً وقهراً من علاقات فتحي المتعددة ومطار دبي وبالكونة شهرزاد وهي تجلس وتحتسي القهوة وأمامها الشيشة (خذ لك نفس ص 357 )

تسألينني من أنت ..أنا الغريب سلكت الحياة حتى أخبرها ..أنا من قطع مقامات الأربعين ومزقت إلى أربعين ....أوشكنا على الانتهاء من قراءة الرواية ومن أجمل الصدف في رمضان المبارك ودخول الايام السعيدة أيام العيد والفرح والسعادة والوطن ينزف دماً وفلسطين تستيقظ وسط نجاسة الخيانات وأنا وانتم جميعنا ضمن خارطة وطن أعمى فالوطن وأنا وأنتم وفلسطين وأحلامنا خيمياء الكون والتحدي لم أقصد هنا القتل بل خياطة الجراح بالحب والفرح سنذهب أنا وأنتم وكل من سيقرأ الرواية أو أي كتاب يتضمن بحوث ودراسات نقدية بأقلام وحروف ماسية تتلالئ نوراً وفرحا لهذا الابداع الثري المفرح الموجع المهمش عمداً لكنه يسري كالسيل الجارف ليمحق الضالين من طمس الحقيقة ان النص يتكلم بصوت الحق الصادق الامين النص صك من صكوك المغفرة للكاتب المبدع الحقيقي سنرى ماذا أتحفنا الكاتب في الفصل السابع تعالوا معي نتصفح الفصل الاخير من رواية ( ما أنا بكاتب ) لنتعرف كيف يكون كاتب إذا أن لم يكن كاتب ؟؟؟

تنهيدة ..

حبيبتي أنت عنفوان الحب الذي ليس له عنوان .. وواجب سري وجنون خفي وعشق سحري وأنت السلام وهمس الكلام وناضجة الموج وبحرك لا يصب في قلبي إلا نوراً من شمس لا تغيب ... هكذا الابداع عند الكاتب لغة بليغة سلسة ذات وزن وقافية ومشاعر وأحاسيس تأخذك إلى واقع قد حلمت به يوماً فيرسمه لك الكاتب المبدع تشعر بالفرح بشعور مجاني تستمتع ويغمرك الفرح والتنبوء بتوقعاتك المستقبلية الكاتب يتصف هنا بالمكر والمراوغة وهذا من فضل دراسته ضمن أختصاصه في الفلسفة وعلم النفس كلنا يعرف أن اللذات والسعادة تتحقق من خلال الاكل أو الرقص أو الاستماع إلى أغنية أو مقطع موسيقي أو قراءة قصة أو قصيدة أو رواية ما في سطر ما في صفحة ما في كلمة ما تجد اللذة فهذه هي طبيعة الانسان فالنفس البشرية تتأمل وأقصد هنا التأمل الذاتي ( الرغبات والدوافع ) كذلك الكاتب هنا فتح لنا مجال العنونة في هذه الرواية ( ما أنا بكاتب ) فتكون الرواية متسيرة مع ذاتنا لتنهض بعقولنا ورغباتنا فيحاول الكاتب السيد حافظ أن يرشدنا هنا في عنونة روايته ( ما أنا بكاتب ) أن يقول لنا أعرف نفسك بنفسك وأختر ما يناسب رغباتك ودوافعك وذاتك فهنا تمكن الكاتب من أن يتوافق المضمون والمدلول فيتحقق النهوض العقلي والفكري وتتحقق السكينة فهكذا صير الكاتب ذواتنا في صيرورة عنونة الرواية وفصولها وفواصلها وتنهيداتها.

أما الفصل السابع فضم كالعادة سبعة عناوين ...

العنوان الأول ( نعم ) واللوحة التي تمثل العنوان كانت من وحي الفنان ماهر جرجيس عن ميلاد حورس وأمه أيزيس تحمله بين يديها رمزاً للامل المستمر رغم النكبات وماأكثرها

العنوان الثاني ( لا ) أيضًا من لوحات الفنان العالمي ماهر جرجيس وفيها تظهر أمراة تحمل ( البلاص ) أي ( الجرة ) فوق رأسها وأختفت الرأس وأصبحت الجرة هي الرأس ربما رمزاً للعبودية أو رمزاً أن الماء هو سيد الحياة ..

العنوان الثالث ( ربما ) كذلك هذه اللوحة من عمل الفنان العالمي ماهر جرجيس وفيها يظهر صورة إلى أمرة على جبينها تقف حمامة السلام ربما هي دعوى للسلام العالمي ..

العنوان الرابع ( أحتمال ) وهي عبارة عن لوحة تحمل وجهين وكل وجه يشبه الاخر في الحزن والصمت والترقب ..

العنوان الخامس ( متى ) وهي لوحة تمثل التعميد عند الاقباط تأكيداً على الوحدة الوطنية في مصر ...

العنوان السادس ( هل ) اللوحة عبارة عن ثلاثة صناديق محشورة فيها رؤوس بشر وكأن العالم قد سيطرت عليه صناديق مثل التلفزيون أو الموبايل ...

العنوان السابع ( مؤكد )

تشير إلى أربعة رجال في صف واحد وكأنها ضرورة توحد وأتحاد البشر لمواجهة الشر ...هكذا تصبح العناوين مع اللوحات لتصل بنا إلى مابعد الاطر المعتادة في بناء العمل السردي على مستويات مختلفة.. هكذا يقوم الكاتب السيد حافظ بمكاشفة أبدعية جمالية جديدة للسرد الروائي متحدياً للقوالب الجاهزة التقليدية المعتادة وهذا ما تعودنا عليه من الكاتب فهو كما يقول الكاتب الكبير ( عبد الكريم برشيد ) السيد حافظ لا يكتب عملاً يشبه الاخر بالشكل والمضمون فهو في كل عمل تجد شخصاً جديداً ) ..

ملخص الرواية:

تستمد رواية (ما أنا بكاتب) خصوصيتها من طابعها التجريبي والتحاور والتحادث مع الشخصيات الاساسية والثانوية في الرواية وقصص الفتيات الثلاث والوصف المكاني والوقع الزمني مابين القهر والخيانات والتحولات السياسية والاحلام والتحديات المستميته والغوص في قاع المجتمع ومابين إرتواء الرغبة والتواصل الحسي والعاطفي متزامنناً مع التواصل الحميمي مع سهر وحياة والزوجة في آن واحد وأستيعاب الوجود الروحي والقدرة الفكرية والتطلعات والأزمات الحياتية من جهة أخرى والسخط بالرغبات الغريزية المشبوهة التي طالما كانت وظلت الجانب المعتم لدى الطبقات البرجوازية الذي يكون متعة عابره لديهم أما الطبقات الفقيرة ظاهرة لافته للعيان مما يجدر بالاشارة أن رواية (ما أنا بكاتب) اعطت تصورتاريخي ومعلومات ومعطيات مختلفة وثيمات متعددة كما أحسن الكاتب السيد حافظ توظيف الحوار الوامض فحول لوحات الفنان ماهر جرجس والفنان أحمد الصعيدي إلى حوارات ومشاهد ناطقة لتعمق الوعي بالحزن والفرح الكامن في أعماق شخصيات الرواية وحالات عشق وحب الوطن العاجز عن أحتواء أبنائه وأنماط المعيشة بين طبقات المجتمع العربي عامة والوطن خاصة.
د. نجاة صادق الجشعمي

حوار مع الكاتب البحريني هشام عقيل حول الفكر الماركسي والتحديات التي يواجهها اليوم، اجرت الحوار: سوزان امي
حوار مع الكاتبة السودانية شادية عبد المنعم حول الصراع المسلح في السودان وتاثيراته على حياة الجماهير، اجرت