بلاغة التناص فى روايات السيد حافظ دراسة بقلم أ. مى جمال الشربينى - دراسات في أعمال السيد حافظ (307)

السيد حافظ
2023 / 4 / 30

دراسات في أعمال السيد حافظ (307)
السرد الروائي ما بين خلخلة التأريخ وتجاوز الذاكرة
بلاغة التناص فى روايات السيد حافظ
دراسة بقلم
مى جمال الشربينى
إن الرواية من أهم الأجناس الأدبية التى يمكن من خلالها نقل الأفكار والرؤى المختلفة، لذلك يلجأ إليها الأدباء للتعبير عن الواقع المعيش بكل تفاصيله و أزماته ، وذلك باستخدام العديد من التقنيات السردية الفنية والبلاغية. من هنا نجد أن روايات السيد حافظ تعكس لنا بعض من القضايا السياسية ، والاجتماعية والاقتصادية وتبرز أهم الأزمات التى مرت بها مصر عبر العصور التاريخية المختلفة ، وذلك عن طريق الإبحار فى سجلات التاريخ التى تكون مظلمة فى بعض الأحيان ومضيئة فى أحيان أخرى ، للكشف عن الواقع المظلم الذى يعيشه المصريون والوطن العربى بأكمله نتيجة لترسخ الفقر والظلم والاستبداد ، وفى الوقت ذاته نجده يأمل ، ويحلم بواقع جديد يسوده العدل والحرية والمساواة.

إن المتأمل فى روايات السيد حافظ يلحظ إنه قد مزج فيها ما بين القديم والحديث بدءًا من روايته الأولى " مسافرون بلا هوية " إلى آخر ما وصل إلينا من نتاجه الروائى " حتى يطمئن قلبى " ، وذلك عن طريق التفاعل الحادث بين نصه الروائى وعدة نصوص قديمة متنوعة ومختارة ما بين نصوص تاريخية ، وأدبية ، ودينية قام الكاتب باستدعائها من ذاكرته ووضعها داخل رواياته بصورة مرتبة ومنظمة لخدمة نصه الروائى ، فلا تكاد تقرأ نصًا من نصوصه الروائية دون أن تلحظ أن هناك نصوصاً دخيلة متعلقة بمخزون القارئ المعرفى ، والثقافى الموجود داخل ذاكرته سواء على المستوى التاريخى أم الأدبى أم الدينى ، هذا الأداء تكنيك فنى الذى يطلق عليه النقاد حديثًا مصطلح " التناص "، الذى يعد من أهم السمات الفنية والبلاغية التى تميزت بها روايات السيد حافظ سواء أكان ذلك عن طريق التصريح تارة ، أم عن طريق التلميح والإشارة تارة أخرى .

قبل الخوض فى الدور الفنى الذى قدمه التناص فى روايات السيد حافظ لابد من أن نقف عند حد مصطلح " التناص " باعتباره من أهم المفاهيم النقدية الحديثة ، الذى حفى به الأدب المعاصر (شعره ونثره) ، فالتناص يتحقق من خلال تداخل أو تفاعل نص الكاتب الروائى مع عدة نصوص متنوعة ، وترابطها داخل العمل الأدبى مما يؤدى ذلك إلى إنشاء نص جديد مترامى الأطراف يتميز بالإنفتاح والثراء.

وبالنظر إلى مصطلح التناص فى النقد الغربى نجد أنه قد "ولد على يد جوليا كريستيفا عام 1969 التى استنبطته من باختين فى دراسته لدستويفسكى ، حيث وضع تعددية الأصوات (البوليفونية) ، والحوارية (الديالوج) دون أن يستخدم مصطلح التناص ثم احتضنته البنيوية الفرنسية ، وما بعدها من اتجاهات سيميائية وتفكيكية ، فى كتابات كريستيفا ، ورولان بارت، وتودوروف، وغيرهم من رواد نقاد الحداثة.. فترى جوليا رائدة مصطلح التناص أن كل نص عبارة عن فسيفساء من الاقتباسات، وكل نص هو تشرب وتحول لنصوص أخرى"(1) ، وعلى الرغم من أن مصطلح التناص مصطلح نقدى حديث المنشأ فإن له جذور فى النقد العربى القديم ، فنجد أن العلماء قد أطلقوا عليه مصطلحات عديدة ومنها الاقتباس ، والتضمين ، والاحتذاء ، والأخذ(2) .

يتضح مما سبق أن مفهوم التناص قد اتسع مؤخرًا ، وتعددت الآراء حوله مما أدى ذلك إلى تنوع ألوانه وأنماطه ، ولكننا فى دراستنا سنركز على التناص التاريخى ، و التناص الأدبى ، والتناص الدينى لأن الكاتب قد استلهم بعض مادته من تلك الألوان دون غيرها .

وبالنظر إلى روايات السيد حافظ نجده يهدف إلى إعادة قراءة التاريخ، و كتابته داخل قالب فنى روائى ، لذلك لجأ إلى التناص التاريخى بأنواعه المختلفة من (المقولات التاريخية والمذكرات والأماكن التاريخية) بوصفه أداة فنية تساعده على ربط الماضى بالحاضر ، فنجده على سبيل المثال يتناص فى بعض رواياته مع عبارات تاريخية قيلت بواسطة شخصيات متعددة منها شخصيات الساسة ، ورجال الدين ، والفلاسفة ، والمؤرخون وغيرهم الكثير ، تلك المقولات تحمل فى طياتها مدلولًا سياسيًا أو لها هدف سياسى ، وهو ما وضح فى رواية " قهوة سادة " التى تناص فيها مع المقولات التاريخية قاصدًا بذلك إلقاء اللوم على الحكومات العربية التى قهرت شعبها وجعلته يشعر بالغربة داخل وطنه، ويتضح ذلك خلال النص الروائى "آه ياكاظم.. الحكومات العربية نجحت فى جعل المواطن العربى يكره وطنه وأرضه ويبحث عن وطن آخر له.. وأنت يا كاظم واحد منهم.. يقول الإمام على رضى الله عنه " الفقر فى الوطن غربه والغنى فى الغربة وطن " نحن العرب سيئو المستوى.. يؤمن بقول أفلاطون من يعزف عن المشاركة فى الحياة السياسية يستحق العقاب بأن يحكمه جاهل أو يرعى شئونه ويتجاهله ديكتاتور ونحن العرب هكذا.." (2)، فمقولة الإمام "على" رضى الله عنه التى تناص معها الكاتب تعد له مقولة إنسانية وسياسية تعبر عن أن الفقر فى الوطن يعد حالة من حالات الغربة ، وعلى الرغم من أن الإمام "على" كان يقصد من مقولته الفقر المادى ، إلا إنه لا يجب اختزال الفقر هنا فى الجانب المادى فحسب بل يتعداه إلى الجانب المعنوى المتمثل فى الكرامة الإنسانية ، والمساواة فى الحقوق والواجبات بين المواطنين ، وهذا ما أظهره التناص . كما تناص الكاتب فى النص نفسه مع مقولة للفليسوف أفلاطون ليوضح أن العرب أخطأوا فى حق أنفسهم حينما تهاونوا فى حقوقهم ، وتركوا أمرهم فى يد من يحكموهم دون رقابة أو مساءلة. وكأن الكاتب يقصد بهذا التناص تنمية الوعى السياسى لدى المجتمع من أجل المشاركة الفعالة.

وهنا نجد أن التناص مع المقولتين قد قدم صورة واضحة عن أحداث الماضى ، فمع اختلاف الزمان تبقى الغربة ، والبحث عن مستقبل أفضل وحياة آمنة هى الرابط بين كل الأزمنة ، كما أن التناص أظهر الخلفية السلبية عند كل إنسان عربى، فهنا نجد أحد شخوص الرواية وهو "كاظم" رغم مايشعر به داخل نفسه من ألم وحسرة على حال وطنه إلى الدرجة التى جعلت فكرة الهروب منه تتردد كثيرًا فى ذهنه ، إلا إنه فى نفس الوقت يشعر أن لا فائدة من المشاركة فى الحياة السياسية .

وبما أن الأدب ليس بعيدًا عن السياسة فكلاهما يرتبطان بالقضايا الإنسانية، كما أن الأدب فى بعض الأحيان يؤثر فى السياسة ، ويوقظ فكر القارئ ويلفت نظره لواقع لا يعرفه ، لذلك نجد السيد حافظ فى بعض الأحيان يلجأ إلى استحضار بعض النصوص الأدبية بأنواعها المختلفة من (الشعر و القصة) ومزجها بنصه الروائى ، وذلك لدعم الأفكار والمواقف ، والأحداث السياسية التى يتناولها داخل رواياته ، مثلما تناص مع أبيات الشاعر " عبد المعطى حجازى " من قصيدته " الطريق إلى السيدة " ، والتى رددها " فتحى رضوان " - بطل رواية " ليإلى دبى (شاى بالياسمين) " - داخل نفسه نتيجة إحساسة بوحشة الغربة عند وصوله إلى دبى فنجده يقول " دبى هل أنت القاهرة مئذنات كافرة وأسمع صوت عبد المعطى حجازى..

كأننى طفل رمته خاطئة

فلم يعره العابرون فى الطريق

حتى الرثاء

انا هنا لا شىء ، كالموتى ، كرؤيا عابرة

أجر ساقى المجهدة "(1)

فقد عبرت الأبيات عن حالة الغربة التى شعر بها عبد المعطى حجازى بعد انتقاله من الريف إلى القاهرة باحثًا عن أحلامه ، لكن القاهرة صدمته وخذلته مما جعله يطلق عليها مدينة بلا قلب ، فكانت تلك الأبيات الشعرية التى تناص معها السيد حافظ خير دليل على مدى الضياع الروحى ، والتمزق النفسى الذى يشعر بهما " فتحى رضوان " ، فيرى نفسه فى دبى وحيدًا حاملًا لهمومة وعذاباته ، شاعرًا بالخوف من أن تقتله غربته مثلما فعل وطنه معه وقتل أحلامه ، كما أفصحت الأبيات عن نظرة " فتحى رضوان " لوطنه فهو بالنسبة له بمثابة الأم التى تخلت عن ابنها، ورمته فى الطريق وحيدًا ؛ ليبحث عن ملجأ ومأوى أخر له بعيدًا عن أحضانها ، وكأنه طفل أنجبته أمرأة خاطئة .

ونظرًا لتميز النص الدينى بفصاحة اللفظ وبلاغة القول ، لذلك تتأثر به نفوس الأدباء والشعراء ، ويظهر ذلك فى كتاباتهم الفنية التى ينهلون فيها من ألفاظه ومعانيه وأسلوبه ، فنجد السيد حافظ فى رواياته يتوجه إلى التناص مع النصوص الدينية – القرآن الكريم ، والحديث النبوى الشريف – ويوظفهما فى مجرى السرد الروائى لما لهما من تأثير كبير على نفس المتلقى ، وقد يظهر تأثر السيد حافظ الشديد بالقرآن الكريم ، وذلك فى عنوان روايته "كل من عليها خان " الذى تناص فيه مع الآية الكريمة " كل من عليها فان "(1)، وبالنظر إلى العنوان نجده إنه قد جاء متناسبًا مع الفكرة التى يتناولها الكاتب داخل الرواية ، آلا وهى فكرة الخيانة بصورها المتعددة ، فقد ظهر فى الرواية الخيانة الزوجية، وذلك من خلال خيانة سهر لزوجها منقذ، وخيانة فتحى رضوان لزوجته تهانى ، كما ظهر خيانة الشعب المصرى لنفسه ، وذلك عن طريق خوفه وصمته وتنازله عن حقوقه، وأيضًا ظهرت خيانة الوطن ، وذلك عن طريق تفضيل المسؤولين لمصالحهم الشخصية مصلحة الوطن والمواطنين ، وكأن الخيانة أصبحت تجرى فى عروق البشر مثل الدماء ، ونجد الكاتب عند تناصه مع الآية الكريمة قد استبدل لفظة " فان " ووضع بدلًا منها لفظة " خان " ، وجعلهما متساويتين فى المعنى ، وذلك للدلالة على أن الخيانة بمثابة الموت ، فالخائن إنسان مات ضميره، فأصبح لا قيمة ولا وجود مثله مثل الإنسان الميت الذى لم يعد له وجود بالنسبة لمن حوله من البشر ، كما أن الموت والخيانة لهما نفس الآثر ، فالموت يأتى وينهى حياة الفرد ، وبعض أنواع الخيانة أيضًا من الممكن أن تؤدى إلى إزهاق وموت أرواح كثيرة لا ذنب لها ، وذلك لأنه ينتج عنها كافة الجرائم والكوارث والحروب ، فقد جاء التناص هنا مؤكدًا وموضحًا للفكرة التى يريد الكاتب التعبير عنها داخل روايته .

مما سبق يتضح لنا أن روايات السيد حافظ زاخرة بالتناصات بأنواعها وأشكالها المختلفة، فنجده قد استلهم من التناص ما يخدم موقفه وفكره السياسى ، ويساعده على إثراء تجربته الروائية، وهذا إن دل فإنه يدل على ثقافته الواسعة التى تشكلت من خبرته الحياتية ، التى جعلت له رؤية خاصه به للعالم من حوله، كما جعلته قادرًا على استحضار النصوص المختلفة وحسن التعامل معها ، وذلك عن طريق توظيفها لخدمة نصه الروائى ، وتقوية دلالته ، ودعم الأفكار التى يريد التعبير عنها داخل رواياته ، إذ أسهم التناص فى خلق معان جديدة لم يستطع النص الروائى بمفرده خلقها ، وذلك من خلال التفاعل بين النص الحاضر والنص الماضى أو الغائب مما أدى ذلك إلى تكامل العمل الروائى ، وإعطائه بعدًا تاريخيًا، ودينيًا ، سواء أكانت تلك النصوص التى يتناص معها وضعت بصورة مباشرة داخل النص الروائى دون إجراء تحوير عليها أم اكتفى الكاتب بالإشارة إلى بعض المعانى والمفرادات ، والعبارات الشهيرة التى من خلالها يمكن الاستدلال على مصدرها، أو قائلها مثل النصوص المتعلقة بالشعر ، والقرآن الكريم والحديث الشريف، كما نجده قد استخدم التناص فى الكشف عن واقع سئ تعيشة الأمة العربية بشكل عام ، والمواطن المصرى بشكل خاص ، كل ذلك يجعلنا نجد انفسنا أمام تجربة أدبية تستحق منا الدراسة البلاغية للكشف عن ما يوجد بها من جماليات ، وتقنيات فنية عديدة .
المصادر والمراجع:

أولا المصادر:

1- القرآن الكريم

2- رواية: قهوة سادة ، الهيئة المصرية العامة للكتاب ، ط1 ، 2012م ، ص 29 .

3- رواية: ليإلى دبى الجزء الأول (شاى بالياسمين) ، مركز الوطن العربى رؤيا ، ط1 ، 2014م ، ص328 .

ثانيًا المراجع:

1- محمد عزام ، النص الغائب (تجليات التناص فى الشعر العربى)، اتحاد الكتاب العرب ، دمشق ، ط1 ، 2001م ، ص28 .


(1) محمد عزام ، النص الغائب (تجليات التناص فى الشعر العربى) ، اتحاد الكتاب العرب ، دمشق ، ط1 ، 2001م ، ص28 .

(2) انظر د/ حسن البندارى: كتاب الصنعة الفنية فى التراث النقدى، ط2، بورصة الكتب، القاهرة، 2015.

(2) رواية: قهوة سادة ، الهيئة المصرية العامة للكتاب ، ط1 ، 2012م ، ص 29 .

(1) رواية: ليإلى دبى الجزء الأول (شاى بالياسمين) ، مركز الوطن العربى رؤيا ، ط1 ، 2014م ، ص328 .

(1) سورة الرحمن ، آية 26

حوار مع الكاتب البحريني هشام عقيل حول الفكر الماركسي والتحديات التي يواجهها اليوم، اجرت الحوار: سوزان امي
حوار مع الكاتبة السودانية شادية عبد المنعم حول الصراع المسلح في السودان وتاثيراته على حياة الجماهير، اجرت