دراسة نقدية عن كل من عليها خان رواية : السيد حافظ بقلم: حسن الجوخ - دراسات في أعمال السيد حافظ (305)

السيد حافظ
2023 / 4 / 27

دراسات في أعمال السيد حافظ (305)
السرد الروائي ما بين خلخلة التأريخ وتجاوز الذاكرة
دراسة نقدية عن
" كل من عليها خان "
رواية : السيد حافظ
بقلم
أ. حسن الجوخ
فتحى رضوان خليل:

كاتب صحافى مصرى عربى ، مثقف وطنى ، يدعوه بشكل أو بآخر أبناء وطنه إلى التسلح بالوعى تارة ، أو خوض المغامرة الإيجابية تارة أخرى وحينما تعاكسه الظروف يلجأ إلى السخرية ، أو يرتمى فى أحضان الحب حتى لو بدأ آثما .

يبعث الكاتب شخصية شهرزاد الحكاءة المعروفة من أعماق التراث التحكى من خلال ثقافتها الموسعية وذاكرتها الحافظة الحافظة حكاية"سهرة" وروحها الرابعة وجد كانت صاحبة روحها الأولى "نفر" أمرأة العطر الأسطورى فى زمن إخناتون ثم ذهبت الروح الى"نور" فى زمن سيدنا موسى، وفى زمن الحاكم بأمر الله ، عصر الدولة الفاطمية كانت "شمس" هى صاحبة الروح(1) وهذا ما يشير إلى تلك الاسطورة التى تعتقدها طائفة الدروز فى الشام : إن الإنسان تنتقل روحه إلى غيره ، وهذا ما يدعى بالتقمص ، هناك شعوب يؤمنون بها بشكل كلى و نحن نؤمن بالتقمص فى الحياة السابقة حتى التقمص ليتعرف على أقربائه السابقين فقد يكون عمر الطفل خمس سنوات يتعرف على أبنه الكبير من الحياة ، ويقال أن المتقمص لا يغير جنسه فالرجل يبقى رجلا وكذلك المرأة تبقى أمرأة ، أما اذا كان الرجل سيئا تنتقل روحه إلى أمرأة وتظل أمرأة عقابا له.."

تمثل حكايات شهرزاد وسهر فى المتن الروائى إطارا عاما تتولد عنها كل حكايات السرد الروائى(2)

تقريبا ، تربط شهرزاد بسهر صداقة قوية تجعلها حافظة اسرارها ، شهرزاد هنا تمتلك قدرات معينة تقرأ الغيب فى ترسبات فنجان ، أو تأول الأحلام ، أو تقف على الجوهر المتخفى خلف الظاهر الخادع.

ســــــهـــــر :

تعشق فتحى رضوان من أول نظرة فحين رأته تحسست صدرها فلم تجد قلبها لماذا؟ لأن " مساؤها بدون نادى ، بلا عازف ، بلا أله كمان ، بلا أوتار ، مساؤها أحزان ودموع منقذ روحها لا يجيد العزف أو العناق ، لقد خانها الحلم ، وخانها كل شئ فأختارت الفرار إلى العشق ، فرجلها لا يميز بين روح الذكر من روح الأنثى(3).

تسأل شهرزاد سهر: من هو فتحى المصرى الذى أحببتيه ؟ كان الاستاذ كاظم يحبك كان هناك فى لبنان ألف ألف شاب يريدك . قولى لى : من هو فتحى ؟

تأتى سهر بجريدة بها صورة فتحى ومقالاته الشاعرية فتعرف شهرزاد فتحى جيدا بل تصل بألمحيتها إلى سر عرف سهر ، فعرفها عطر يلهب خيال الرجال ، وتصرح لسهر بأن هذا ما حدث لروحها الرابعة وجد و"فجر" زعيمة ثورة النسوان فى عهد الخليفة المستنصر بالله .

ودع حامد الصقر(منقذ) ، سارع مع نعيمة شهرزداد إلى الفندق ، يحكى لها عن مشاريعه التى يمكن أن يقيمها فى دبى .. وظلت تهانى زوجة فتحى تحكى له فى الطريق عن سحر شهرزاد على الرغم من أنها سيدة عجوز .

قليلة هى المدن التى دخلت التاريخ مثل الاسكندرية ، التى أنشأها الإسكندر الأكبر وجعلها عاصمة لمصر البطالمية ولد بها فتحى ، شب ونشأ على أرضها فى حى محرم بك ، شرب ماؤها ، أكل خبزها أحب بحرها وتنفس نسيمها فتورط فى عشق وطن ذى طبيعة خاصة وحضارة متجانسة ، أنها مصر الحضن والوتد والملاذ ، يختلط بترابها رفات الأولياء.

فتحى رضوان خليل ببيته : فى غرفة مكتبة يكتب روايته الجديدة "مذكرات رجل يضاجع الوطن والتاريخ" الفصل الاول " آدم .. يكتب قصة أدم وحواء .. ثم قصة قابيل وهابيل كما وردتا فى الكتب المقدسة مستفيدا من أقوال اسمعودى ، مع قدر من التصرف وإعمال الخيال.

تغمر فتحى وسهر موجه من العشق المضطرم ، فتحى قلق حيران لا ينام ، وسهر فى منزلها قلقة مستهدة ، تبكى طوال الليل فى الفراش ، تمسك بطنها تتألم ، إنما الألم ليس فى الجسد ، الألم فى الروح يسرى على حد تعبير الروائى السيد حافظ.

فى كافتريا فى الشارقة تباغت سهر فتحى

- أنت لسه بتحب مصر يا فتحى مع أنها خانتك ألف مرة؟

- قدرى أن أحب تلك الخائنة

قالت: آسفة أنا زيك بحب لبنان مع إنها طردتنى بسبب الحرب الأهلية لاسخفيفة.

فيقول فتحى: أنت وطنى يا سهر وأنا وطنك ، فهذه ليست أوطاناً بل أكفاناً وتخدع أنفسنا ونكذب . الحب أحلى وطن للإنسان وليس المكان.

يقود فتحى سيارته من دبى إلى الشارقة .. يسمع المذيع : فازت مصر بكأس الامم الإفريقية وخرج المصريون بالملايين للاحتفال .. حينا يصل الجريدة يطالع الرسائل القادمة من القاهرة فيجدها من كتاب ومثقفين فى مصر يشكون الظروف والاوضاع السيئة . رأى من الواجب مساعدتهم على النشر حتى يحصلوا على مكافآت مالية وحينما تحدث ومسئولى الجريدة فى هذا الخصوص فوجئ بأن الشعر والقصة والرواية أشياء لا ثمن لها فى الصحف هناك .. يقترح على زوجة تهانى أن تحول كل شهر من رابته 500 خمسمائة درهم ، ينشر لثلاثة كتاب أو شعراء، ويرسل لكل واحد مائة وخمسين درهماً حقهم عليه حتى يستمروا ولكن عمله الصالح هذا يتحول إلى فضيحة ، فأصدقاؤه فى مصر يشيعون أن المجلة تدفع ألف درهم لكل موضوع وفتحى يرسل مائة وخمسين والباقى يسرقه.

تلتقى شهرزاد بسهر فى بيتها ، تبكى سهر أمام شهرزاد بكاؤ حارا ، ربما لصحوة ضمير أو لوعة عشق فتنصحها شهرزاد باللهروب من العشق فى العمل لأنها تخاف عليها أن تعود إلى قريتها فى لبنان بجرسة.

ذهب حامد الصقر ومنقذ إلى أحد المولات الجدية فى دبى ، وتظل سهر وشهرزاد جالستين تطلب سهر من شهرزاد أن تحى لها عن روحها الرابعة (وجد) وثورة النسوان فى عهد المستنصر بالله تحكى شهرزاد فتقول : روحك الرابعة فى جسد بنت تسمى (وجد) ، امها تركية تدعى جميلة ، كانت جارية فى بيت أحد التجار الأثرياء منحها حريتها وزوجها من حلاق أسمه عمار يسكن فى حارة الزعفران فى حى الحسين بالقاهرة.

يصور الكاتب السيد حافظ الجو العام فى مصر فى تلك الايام فيقول: مصر تغيب فيها العدالة ، القاهرة لم تعد كما كانت فى عهد الحاكم بأمر الله ، الشوارع مليئة بالقمامة ، اختفت الإنارة فى الش وارع والحارات، الشعب فى حالة عمل قليل وعبث كثير ، الوقت ليس له قيمة لا أحد يحاسب أحدا ، الفوضى والقمع يعمان كل شئ ، والقانونلا وجود له ، لم يستطع المستنصر أن يحتفظ بحب دولته المترامية الأطراف التى ورثها عن خلاه الحاكم بأمر الله.

تحكى شهرزاد لسهر عن روحها الرابعة: البنت وجد إعجوة زمانها ، عطر جسدها دخان خفى يلهب أجساد الرحال ويشعل غيرة النساء ، ريحة جسدها مسك ، فيطلق أهالى الحى على عمار الحلاق (أبو مسك)

العام الأول من المجاعة ... القاهرة 1065

يجتمع إخوتى التاجر اليهودى مع فتح الله شهبندر تجار العطارة وكبار التجار والأعيان يقول ياقوت: إن مصر تمر بظروف صعبة ، النيل شح يبدو أننا سنمر بسنوات سبع عجاف مثل النبى يوسف وفى هذا العام لابد أن نفعل مثل يوسف نحصل على دراهم مصر ودنانيرها مقابل القمح.

يصيح الشيخ اسحاق من فوق منبر جامع الأنوار: إن سبب المجاعة الناس لا يصلون الفجر ، تقدم لخطبة وجد من أبيها لابنه أنور ، لكن وجد رفضت ، كما رغبها فتح الله شهبندر التجار على سنة الله ورسوله (صلى الله عليه وسلم) ولم يوفق فى ذلك ، الجدير بالذكر هنا إن الشيخ إسحاق كان يزور الأحاديث النبوية والحكايات عن الصحابة والتابعين بقدرة فائقة بل كان يغير جلده مع كل حاكم يتولى زمام الحكم.

تقول سليمة وهى أمرأة تضرب الرمل والودع وتقرأ الكف وتخبرك عما سيحدث لك فى المستقبل و جد عشقها القمر فربطها عن الزواج ، والعصفور قلب رجل يطاردها يذهب فتحى رضوان إلى الجريدة يلتقى مصادفة ومحمد مصطفى ترزى بنطلونات تحول بقدرة قادر إلى مسئول علاقات بالجريدة ويظل فتحى فى نظر المحيطين هو الصحافى الحقيقي والكاتب الجاد أنما باقى الصحافين يكذبون ، فايز كدكوتلى يغريه الاشتراك فى مسابقة عن أولياء الله الصالحين حتى يكسب عشرة آلاف درهم بواسطته فلا يهتم ، زاهداً متفرعاً.

تتصل سهر فتحى هاتفيا بعد علاقة حميمة فاشلة وزوجها ، تقول له بصريح العبارة محتاجالك اتجها إلى الفندق نفسه فى غرفة أخرى التقيان فى لهفة مجنونة ملعوبة مسكونة بالخطيئة التحما

العام الثانى من المجاعة.. القاهرة 1066

قال ياقوت التاجر اليهودى: فى هذا العام الثانى لابد أن نفعل مثل يوسف أن نحصل على الجواهر والذهب مقابل القمح حتى لا يبقى فى أيدى الناس شيئ منها ونحتوى عيها جميعا. تقف و جد فى طابور الجائعين تنتظر فى تلك الاثناء لمحها نيروزى (شاب وسيم جميل القسمات ) وفد إلى حى الحسين منذ شههور بشكل مفاجئ يعمل فى تجارة العطور والبخور .. أقترب منها وسألها: كم أوقية خبز تريدين؟ أثنتان ، ولو ثلاثة أفضل.

أحضر ما أرادت وزيادة ، عرف اسمها بعد أن مال قلبه لها وامتدت تلك الخيوط الحريرية اللامرئية بينه وبينها تدخل وجد حجرتها ، تمددت على السرير .. نامت وأحتضت الوسادة وهى تتقلب فى السرير لقد طرق الحب باب قلبها. نيروزى هو الآخر يسير فى حجرته .. لا يعرف النوم يخرج لصلاة الفجر بأدره الحديث أنور بن اسحاق . أريدك لأمر بعد الثلاة عندما خرج نيروزى من السجن أمسكه أنور من ملابسه مهدداً وحذره من أن يكلم (وجد) يعود إلى بيته فيفاجأ بالشيخ حسن الصباح داخل حجرة النوم جالسا يصلى ، يعرف أن شخيه حسن يقف على باب قصرا لمستنثر كل يوم منذ عامين يطلب مقابلته ولا أحد يجرؤ على إخبار الخليفة .

راح الشيخ حسن الصباح يحضر مجالس الذكر مع رجال يحبون آل بيت رسول الله ( صلى الله عليه وسلم) وجد أهل مصر يتعاطون الحشيش فنتعاطه وصار من كبار الاعين للحشاشين . العسكر حول المستنصر يقبضون على البلاد بيد من حديد وبدر الجمالى يتحكم فيمن يقابل ومن لا يقابله.

نظر نيرزوى إلى شيخه حسن مستفسرا: هل قابلت الخليفة يا شيخى؟

فيرد لا يتساؤل فيروزى : لماذا ؟! يقول الشيخ : أنت فى مصر.. ألا تعلم أن النبى موسى قضى عامين ونصف العام ليقابل فرعون مصر وأنا وأنت قضينا عامين ننتظر ويردف قائلا لا تكن ديك الجن ، ولا من كلاب الجن ولا ذبائح الجن ، ولا جند الجن ، ولا إبليس الأباليس الدنيا خمر الش يطان ، فمن شرب منها لم يفق من سكرتها إلا وهو فى عسكر الموتى خاسراً نادماً .. قد يكون الرجل عالماً وليس بعابد ، وعابداً وليس بعالم أو عالماً عابدا وليس بعاقل.

ذات يوم اتجهت وجد نحو السوق بحجة شراء الخضار والخبز ، لكنها عرجت على شارع المعز ، حيث ي وجد دكان نيروزي ، لمحها فأسرع إليها محيياً تسأله عن أسمه وسبب مجيئه إلى مصر فيقول: انا جئت من الشرق من بلاد فارس.

يحكى نيروز عن شيخه حسن الصباح ، أخرج مهدى العاملون مقابل قدر من المال ولد بمدينة (قم) الفارسية ، يشغل مكانا عاليا بين سكان الجبل البسطاء ، نابغة فى الهندسة والفلسفة والحساب والكيمياء والنجوم والسحر : استقر فى قلعة (ألموت) وتمكن من السيطرة على القلاع المجاورة.

فهم نيروزى بلا أية مشقة من (وجد) من والدها " عمار الحلاق" سنى، لم يخف ذلك مثل باقى الناس فى ظل حكم دولة شيعية ، يعرف أن الشيعة الغالبية منهم مصريون ، سواء أكان ذلك عن فهم أو عن جهل ، لكنه يقر إن الحب لا يعرف المذاهب أو اختلاف الاديان ويقول نيروزى صراحة (وجد) إنه من اشد المقربين من الشيخ حسن الصباح فقد جاء نيروزى إلى مصر مع شيخه حسن الصباح الاسماعيلى الهوى المحب للفاطميين ولد فى المدينة الشيعية من عائلة تؤمن بالأئمة الاثنى عشر.

(وجد) وهى تمر بالسوق تقابل(فجر) زوج فتح الله شهبندر تجار العطارة ـ تثنى (فجر) على رائحة عطر (وجد) وتعرض عليها الشغل عندها فترفض (وجد) ، لكن (فجر) تخبرها بأ،ها سوف ت زورها فى بيتها بعد ساعة ، وستحمل لها هدية . ذهبت (فجر) إلى بيت (وجد) قابلت بالترحيب، وهناك عرفت إن زوجها طلب يد (وجد) ليتزوجها كانت المفاجأة مع أن (فجر) أدرأة جميلة جريئة ومبهجة.

الناس محاصرة بالفقر، والنيل حاصر مصر والتجار أخفوا القمح من كل الأمكنة على ضوء قنديل لاشارع الخافت لمحت (وجد) من بعيد نيروزي يمر ومعه الشخ حسن الصباح ، تساؤلت : ترى إلى أين يذهبان فى هذه الساعة المتأخرة الليل ؟

يقول فتحى رضوان: الشارقة فى الليل تشبه القاهرة، لكن قلبه مثل القاهرة حزين ، القاهرة تشبه القاهرة فى روحها تخبئ فى ثناياها الروحية دفئا . الذكر والمساجد والمعمار الإسلامى العروبى القديم.

فتحى يستغرقه المتأمل طويلا فى حياته ، تاريخ وطنه ، فلسفات الحضارات الإنسانية ، ومدى انتماءاته على مر مراحل حياته بحثه عن ذاته الحقيقية من بين تراكمات معقدة بل فى غاية التعقيد.

كاظم المحب القديم لسهر فى الجبل بلبنان لا تغيب عن بالله ولا تبرح فكره كل ليلة تمضى على الاستاذ كاظم فى الجبل تذكره بسهر وعطرها.. التحب أية تلميذة جريدة ، حينما جاء المعلم شداد ليخبره بأنه سيسافر إلى دبى ليعاون حامد الصقر فى بناء مدرسة أمريكية هناك سقط قلبه ، فدبى تضم سهر حبه الأول على الرغم بأنه تزوج وردة وأنجبت له طفلة جميلة فور غلق الباب خلف شداد جرت وردة إلى كاظم تصرفه عن موضوع سفره إلى دبى فهى تعلم مدى العلاقة بين كاظم وسهر حتى عرضت عليه أن يبيع ميراثها ولا يسافر إلى دبى.

يقول الروائى السيد حافظ" " دبى هى أنثى تشير عليها سحر ، ولها أسحار " دبى " ميدن بناها الجن وليس البشر والمدن مثل النساء . كل يوم فى حال وأحوال ، فمرة ترى دبى أوربية ، ومرة أنثى من الخيال تسبح فى بحر الجمال .. جاءت شهرزاد إلى دبى سرقت من تلك المدينة الخلابة بعض الاسرار والحكايات غارت دبى من شهرزاد وكأنها تحاول أن تخبرها بأنها دبى الأنثى التى لا تحب الاثار والتاريخ القديم ولا شهريار ولا شهرزاد .. دبى أنثى المستحيل تحب المستقبل فقط.

مصر يا ساحرة القلوب دون سبب شئ ما خفى يسحر الناس بك ليس الماء وليس اله واء .. ربما تراب الأرض . ها هنا تراب من أجساد كل البشرية التى مرت على أرض مصر ، وأجساد الأنبياء الذين دفنوا بها أو مروا عليها باستثناء واحد أو اثنين . هى أرض باركها الله ، وحاول أن يهدى أهلها.

(وجد) أجمل بنات عصرها تتذرع بأية حجة لتذهب إلى السوق لتقابل نيروزي الفارس الوسيم ، وهو يبيع العطور والبخور. أما الشيخ حسن الصباح فهو يكن فى بيت فيروزي بجانب مسجد الأقمر. ثم انتقل للعيش معه فى بيت بجوار مسجد ال حسين . جاء هذا الشيخ ليقابل الإمام المستنصر بالله ، فالمستنصر إمامه وشيخه ، يريد أن يسأل سؤالا واحدا فقط : من الولى بعدك : المستعلى بالله أم نزار المصطفى لدين الله ؟ ثم يعود بعدها إلى إيران.

حضر أبو زيد ودياب وهما رجلان من بنى هلال – إلى مصر حتى تكون أما حاضنة لها من الجوع والفقر ولكى يدرسا كيف يغزونها و يستولون عليها إن أمكن ولكن لابد من مقابلة الخليفة واسئذان لغزو تونس ، لكن مقابلة الحكام أمر من الأمور المستحيلة والغريبة فى مصر ، فضلا عن بدر الجمالى ذى الشخصية القوية المسيطرة على منافذ الدولة ، وتسخيره للبصاصين ليأتوه بالاخبار والغرباء والمقادين من هنا وهناك.

قابل نيروزي فى حى الحسين بالقاهرة أبا زيد الهلالى ، دعاه على العشاء هو ودياب بن غانم.. رحب أبو زيد بالدعوة ، فقد أحب الاقتراب من نيروزي ليسمع منه عن بلاد فارس وشاعرها الشهير عمر الخيام نجم خراسان ، عبقرى إيران والعراق

هنا دخل الشيخ حسن الصباح مناديا بصوت مرتعب:

- نيروزي .. نيروزي

- نعم .. نعم يا شيخى

أنتفض نيروزي وقام أبو زيد الهلالى و دياب .. صافحها الشيخ مرحبا وقال :

- أهربوا.. جنود بدر الجمالى قادمون .. هرب الشيخ الصباح ونيروزي من باب خلفى ، وقبض جنود بدر الجمالى على أبا زيد الهلالى ودياب ، لكنهما فى الطريق فرا من جنود الوزير ، و دخلا أحد الحانات الرخيصة للبيات ، يطهران فى اليوم التالى يقبض عليهما بتهمة الجاسوسية.

العام الثالث من الشدة المستنصرية(1067)

قال ياقوت التاجر اليهودى فى هذا العام الثالث لابد أن نحصل على أولاد المصريين مقابل القمح حتى لا يبقى لهم شئ.

ترك نيروزي حى الجمالية وكان العط ور والبخور وسكن فى حى أمبابة على النيل ، اطلق لحيته وارتدى ثوب الدراويش بينما (وجد) جالسة مع أبيها وأمها على شاطئ النيل مر بهم أنور الذى أراد خطبتها من قبل صافح أباها وأمها ، وحينما أراد أن يصافحها لم تد يدها وأرادت وجهها إلى النيل .. يذهب أنور إلى بدر الجمال ويبلغ الشرطة أن نيروزى فارس ويسكن معه شيخ غريب ، وربما يكونان جاسوسان على مصر . وكان بدر الجمالى يرد فى كل خطاب إن مصر مستهدفة (وجد) ترى (فجر) زوج شهبندر تجار العطارة (وجد) فى نزهة فى النيل مع فجر وزوجها كان المراكبى منجذبا إلى (وجد) وفجر طوال النزهة النيلية.

يرزوي يتنكر فى زي درويش ، ويحتال لرؤية (وجد) كان أبو زيد الهلالى ودياب بن غانم متنكرين ويبحثان عن مساوى لهما .. يدخلان إلى السوق ، يرى أبو زيد مطعما ومرقصا ويعرف الجميع بأن الشدة من صنع ياقوت اليهودى وكبار التجار.

فجر تخبر (وجد) إن نيروزي لم يسافر ويعمل فى السوق متنكرا ويراها كل يوم ، وكان على (وجد) أن تراه بقلبها.. الناس فى السوق ينظرون من يبيعون أولادهم مقابل القمح بعد أن عاشوا على أكل الحيوانات الضالة شهور عدة.

أبو زيد الهلالى يعمل حانوتيا ودياب بن غانم مساعدا له ياقوتى التاجر اليهودى جلس عند وكان فتح الله وقال: لنبدأ بمبادلة القمح بالنساء ، كانت هذه إشارة أو إذنا لفتح الله ليساوم الناس ويشترى البنات الصغيرات الجميلات بخمسة جوالات من القمح ، سهر تراقب وتعرف إن نيروزي هو الذى يأتى بالمقح إلى وجد واسرتها .. عمار الحلاق يزوج أبنته (وجد) إلى نيروزي على سنة الله ورسوله ، وشاهد العقد الشيخ حسن الصباح وعثمان بائع البخور والعطور كانت كل طائفة أو مذهب تصنع سردابا فى منازلهم ربما للاجتماع أو للتخزين وخاصة أ، مصركانت ظروفها قاسية و مطمعا لكل من هب و دب على وجه الأرض.

فتحى رضوان يتأمل مجريات الاحداث فى دبى وفى مصر وفى حياته ذاته فلا يجوز الرضا الذى ينشده فيتمنى العيش فى فيلا فى الريف المصرى الطيب الهادئ.

العام الرابع من الشدة المستنصرية(1068)

قال ياقوت التاجر اليهودى بعد اجتماعه وكبار التجار: فى هذا العام لابد أن نحصل على العقارات كى لا يبقى للمصريين شئ.

وجد تتعودعلى الحياة فى السرداب ، تعيش على شموع ، حياتها بسيطة، تعلمت أن تصلى وأن تسمع سيرة آل بيت رسول الله (ص). وذات صباح تخبر نيروزي بأنها حامل.. سبحان الله أم المولود مصرية وأبوه فارس و جدته تركية ، هذا هو سر مصر الخلطة البشرية... يخرج نيروزي كل صباح يمسك مبخرة وذقنه طويلة ، وشعر راسه ينسدل على كتفيه ، يمر على دكاكين السوق يبخرها ، وقد أطلق على نفسه أسم (خاتم السر)

كان قانون ياقوتى اليهودى المصرى هو المعيار للبيع والشراء للقمح.. تجمع الناس أمام أبواب التجار فى الاسواق يحملون صكوكا وحجج بيوتهم و نشطت تجارة العقارات ، وأصبحت بيوت مصر فى ايدة قلة من الناس.. كل البيوت أصبحت كم تساوى جوال قمح؟

لفتح الله رغبة شديدة فى التزوج من وجد ، حاول بالترغيب تارة والترهيب تارة أخرى فلم يوفق فى ذلك .. غضب من عمار والد وجد وعلقه فى المحل ليعذبه ، بل شتمه وأهانه ولذلك حينما ابتعد عمار عن البيت راح يصيح: أيها الناس أنا عمار رجل صالح لست كلبا . الكلب قد حبسنى .. الكلب قد شتمنى . الشمل يجتمع عمار ونيروزي ووجد وجميلة وعم عثمان والشيخ حسن الصباح ، الجميع معا فى السرداب .. فى ذلك الوقت الشيخ اسحاق يفتى بأن من يغضب صاحب العمل يستحق ان يذهب إلى النار.. والد(فجر) زوجه فتح الله حاتونى يستفيد من أراضى المقابر و لحوم الموتى.. نعم الجوع كافر يبيح أن يأكل الانسان لحم أخيه حياً أو ميتاً .. جميلة تشتكى فتح الله لياقوتى التاجر اليهودى فيأمر فتح الله أن يعطى عماراً عشرة أجولة قمح ولحم خروف رداً لاعتبار عمار الحلاق .. كان المصريون شيعة فى الصباح ، وبعد العشاء يتحولون إلى سنة . وفى الليل يمدحون م عاوية بن أبى سفيان – سبحان الله فى خلقه شئون..

العام الخامس للشدة المستنصرة (1069)

قال ياقوت التاجر اليهودى بعد اجتماعه بكبار التجار: إن مصر تمر بظروف صعبة حرجة فى هذا العام الخامس علينا أن نقوم بتصنيع جوالات أقل طولا وعرضا وحجما ونخفى من الاسواق الجوالات القديمة. المستنصر يعتب على بدر الج مالى و زيره و حامى حماه حيث أنه لم ينقذ مصر وشعبها من الكارثة والشدة المستحكمة.

الشيخ حسن الصباح فى زي شيخ عجوز يدخل على الخليفة المستنصر بالله خليفته واستاذه ليسأل من الخليفة الذى سأتى بعده؟

يضع الكاتب عنوانا ملفتاً ، من يشترى مصر ؟ أطرح هذا التساؤل المقلق حينما أحتدمت أزمة ندرة القمح.. يسأل ال وزير عريف الخبازين : القمح صار أغلى من الذهب وهو يعرف جيدا إن سبب ذلك هو جشع التجار واستغلالهم للأزمة بأحط السبل يجتمع الخليفة المستنصر بالله ورجال الدين فى القاعة الكبرى بالقصر ال زاهر ليتبحثوا سبل حمياة البلاد من الأعداء خارجيا وداخليا وتحديد وسائل النهوض بمصر المحروسة ، يشارك فى ذلك الحاخام الخاص باليهود المصريين وبابا الكنيسة المصرية والوزير بدر الجمال والشيخ اسحاق المفتى وإمام مسجد الأنور والشيخ مجاهد شيخ الأزهر وفتح الله شهبندر التجار .. أما ياقوتى كان من الرجال الذين يهتمون بالثقافة والفكر والقراءة والكتاب لكنه قد وجد أن مهنة التعليم فى مصر لا تغنى ولا تسمن من جوع ناتجه إلى التجارة " التجارة شيطان يركب البشر وجشعه فى النفس ليس له حدود ولا موقع ، لقد اصبح ياقوتى جزءا من شر هذا البلد حينما ربت الشيخ حسن الصباح للعودة إلى إيران سأل نيروزي هل ستأتى معى أمستظل فى مصر؟ .. رد نيروزي : سأظل فى مصر هكذا مصر تخطف قلوب الناس بلا سبب س حرها الخفى لا يدركه سر ولا يفضحه فضاح .. العصافير تشم رائحة عطر وجد فأصبحت تجمع فوق سطح عم عثمان ، وليس بجانبه شجرة فأين تدخل العصافير وتنام؟! راح الأزعريجة عن سر ذلك فينزلق جسمه وأنتشرت نيران الشعلة فى القش ، ولقلة الماء والتراب أخذت النار تنهش بيت العم عثمان .. جرى عمار وزوجته إلى خارج الدار وقبلهما نيروزي وطفلته نورهان ووجد .. أما العم عثمان من فشل فى الخروج فأكلته النار.

من بين الناس لمحت (سليمة) وجد ونيروزي وعمار وجميلة فأخذتهم للإقامة فى بيت مهجور لأختها على النيل ، تغلق عليهم الباب وتذهب لتخبر فتح الله عنهم ، لكنهم ينجحون جميعاً فى الهروب من نافذة كانت مفتوحة.. يسيرون على شط النيل . ركبوا مع مراكبى ذاهب إلى أسوان.. ولما حضر فتح الله وسليمه فلم يجدا أحدا . بصق فتح الله على وجه سليمة ونعتها بالكذب ومضى.

العام السادس من المجاعة.. القاهرة (1070م)

يقول ياقوتى التاجر اليهودى بعد أن اجتمع مع فتح الله والتجار والكبار والأعيان فى هذا العام لابد أن نحصل على رقاب المصريين مقابل القمح.

يعيش نيروزي مع الناس البسطاء من اهل اسوان : وكانوا لايزالون يعيشون على الفئران الجبلية والبحرية. كان العام السادس من الشدة المستنصرية أشدها ، عام شراء وبيع البشر .. كون البلطجية فرقا لاصطياد البشر وكانوا يصطادون من الناس السمان . راحت تنتشر حركة صيد البشر وذبحهم.. بل اخترعت إحدى العصابات فى مصر طريقة جديدة للخطف ، يقفون على سطح المنزل ويلقون بالخطاف على الأرض فيخطف الإنسان بين جلبابه أو لحمه ، ويرفعونه لأعلى السطح فيذبحونه.

رغم أن مصر محاصرة بالفقر والمرض والجوع قرر التجار الأثرياء حصار الخليفة المستنصر ومعه القائد بدر الجمالى وزير البلاد الأول لأنهم لا يأمنون على أنفسهم ولا على زوجاتهم ولا أولادهم اجتمع فتح الله مع بدر الجمالى وأصدرا مرسوماً بأن من يبلغ عن صياد يصطادا البشر له نصف جوال قمح وبالفعل قبض على ثلاثة من عصابة عنتر ثم شنقهم دون محاكمة .. من ثم قرر عنتر كبير الصياديين أن يتم اصطياد فتح الله نفسه ، وذبحه وبيع لحمة وتوزيعه على الفقراء وأهالى الصيادين الثلاثة من رجاله.

جلس فتح الله فى بيته وتعطر. نادى على ز وجته فجزء أقترب منها وفى يده عدة لفافات ورقية ألقى بها فى حجر أمرأته : هذه وثائق أملاكى من أراضى وقصور احتفظى بها لقد أنبائنى أننى مستهدف من الصيادين سيقتلوننى أولاد الكلب تجار اللحم البشرى .. تتم الخطة بأن تشتعل النيران فى وكالة فتح الله يلتفت أربعة رجال بقطعة قماش وجوالات وغطوا فتح الله وحملوه وسط الدخان واختفوا من الوكالة.. فى كهف فى المقطم جرى ماكان ونفذا أمر عنتر. بينما فتح الله يصرخ وهم يضحكون. أغلقت وكالة فتح الله ، هجم الفقراء على كل فروع الوكالة ، وأخذوا القمح وأعشاب العطارة ، فرغت الوكالة وصارت خرابا.. قامت فجر بطرد الكثير من الخدم والخادمات وأعطت كل واحد منهم صك حريته حتى يتحرروا من العبودية. آه أيها الجوع الكافر الذى حطم مصر.

عاشت وجد هى واسرتها فى أسوان فى هدوء ، عاد عمار للحلاقة وعادت جميلة أمها تعمل فى تفصيل الملابس للنساء أما نيروزي فقد بدأ يعمل فى بناء المقابر مع حانوتى هناك وأهتمت بطفلتها الرضيعة التى أصبحت شبه ميته..

ظلت الطفلة نورهان تتأوه وتتألم من السخونه والحمى ، وعلى الرغم من كل المحاولات التى حاولتها الأسرة بهدوء صعدت روح نورهان إلى السماء ودفنت ليلا وفى سرية تامة تحت شجرة التين البنغالى . ليلتها ظن أهل القرية أنهم من عبدة الشيطان .. طلب أهل القرية أن تترك الأسرة القرية وتعود إلى القاهرة ليلاً مثلما جاءت وقد حدث تعود اسرة عمار إلى بيت فجر التى تعيش وحيدة

الخيانة السابعة . العام السابع

قال ياقوتى التاجر اليهودى بعداجتماعه مع فتح الله شهبندر التجار والتجار الكبار والأعيان فى هذا العام سنبيعهم القمح مقابل ما يملكون.. بدأ التجار يحاصرون المستنصر فأصبح قصره وخدمه فى حالة يرثى لها .. بدر الجمال يريد أن يتنازل المستنصر له عن الحكم تجنباً لحب شعبية لا طاقة له بها... والخليفة نفسه لا يجد قوت يومه ، فتبعث فجر له بطبق بليلة مع أم على الطباخة الشهيرة بالقصر فى ذلك الوقت.

قرر الشباب سرقة قمح التجار المخبأ فى مخازنهم وخبزهو بيعه ، أنقاذا للناس من الجوع القاتل، كان الخبازون الأحرار يسرقون القمح ويبيعونه فى السوق بسعر منخف ورغم ذلك انت الحال فى مصر لا تسر عدوا ولا حبيباً فتذمر المصريون ضد عريف الخبازين الذى يعرف جيدا بأن سبب المشكلة واساسها هم التجار الجشعون الذين يخبئون القمح ليبيعونه باسعار باهظة ويتحكمون فى المصريين ومن ثم قامت ثورة نسائية عارمة ، وكانت أول ثورة نسائية فى التاريخ عند المستنصر والتجار و الظلم والقهر وتكللت مساعى الثورة بالنجاح .. وحلت مشكلة الثورة أو هدأت بشنق التجار ، ونفذ شنق عشرة من التجار الكبار فخرج المخزون من القمح ، و فاض نهر النيل ، وراحت ال زغاريد تسمع فى الشوارع والميادين وفى الحارات ، وعادت الحياة إلى طبيعيتها رويدا رويدا.

هوامش:

(1) راجع: تجليات السرد في الشعر العربي الحديث، د. شوكت المصري، الهيئة المصرية العامة للكتاب - القاهرة 2015، ص15.

(2) في نظرية الرواية - بحث في تقنيات السرد، د. عبد الملك مرتاض، سلسلة عالم المعرفة (240) - الكويت 1998، ص131

(3) مدخل لجامع النص، جيرار جينيت، دار الشئون الثقافية العامة ببغداد، طباعة دار توبقال للنشر بالرباط ص80 - نقلاً عن كتاب: تجليات السرد في الشعر العربي الحديث [مرجع سابق]

(4) د. وفاء كمالو. دراسة . مصاحبة لرواية "كل من عليها خان" للسيد حافظ" الناشر: مركز الوطن العربى (رؤيا) عام 2015 م . ص (273).

(5) د. فايزة سعد. دراسة مصاحبة لرواية" كل من عليها خان" للسيد حافظ : الناشر: مركز الوطن العربى (رؤيا) عام 2015 م . ص (391).

(6) السيد حافظ . رواية " كل من عليها خان" الناشر: مركز الوطن العربى(رؤيا) عام 2015 ص(17 ، 18).



(والامانة تقتضى بأن أقر اننى استعنت بالعديد من التعابير والصياغات من المتن الروائى فى هذا العرض لسببين : الأول تحرى الصدق التعبيري للعرض ، الثانى: رغبتى بأن يتذوق القارئ جماليات اللغة الأدبية التى وظفها السيد حافظ جماليا وتعبيريا لتتفاعل وبقية عناصر الرواية حتى تحقق هذا المستوى الفنى اللافت.)

حوار مع الكاتب البحريني هشام عقيل حول الفكر الماركسي والتحديات التي يواجهها اليوم، اجرت الحوار: سوزان امي
حوار مع الكاتبة السودانية شادية عبد المنعم حول الصراع المسلح في السودان وتاثيراته على حياة الجماهير، اجرت