إرهاصات الشر في كل من عليها خان بقلم: أ. بسنت حسين - دراسات في أعمال السيد حافظ (306)

السيد حافظ
2023 / 4 / 27

دراسات في أعمال السيد حافظ (306)
السرد الروائي ما بين خلخلة التأريخ وتجاوز الذاكرة
إرهاصات الشر في كل من عليها خان بقلم: أ. بسنت حسين
إن كانت الطبيعة البشرية تميل للحق والخير والجمال فإن وسوسة الشيطان لابد وأن تضم بين طياتها الشهوة لتبرير كل قبح وذنب.. فشهوة الخُلد كانت مبررًا للأكل من الشجرة المحرمة وشهوة الحب كانت مبررًا للقتل. هذه هي طبيعة الشر وجوهر الحياة: كثير من يعرف وكثير من يجهل والأكثر هو من يخون هذه المعرفة، كما فعل "فتحي خليل رضوان" في هذا الفصل من السباعية.

ففتحي كاتب ومثقف وقارئ جيد يميل كثيرًا للبحث في معنى الأشياء ووسيلته في التعايش هى الكتابة، فقد كتب رواية أخلص فيها لبداية الخيانة ومراحلها وكيف فتحت كل أبواب الشر عندما خان" قابيل" نفسه وخان عهده مع ربه؛ وعلى الرغم من هذه المعرفة آثر فتحي الخيانة مع سهر وهو يعي مصير تلك العلاقة المحرمة. ربما تلك السطور البسيطة هي ملخص للمتن الحكائي الأساسي في الفصل الرابع للسباعية، لكن التأويلات والأحداث في النص الموازي للحكي والتي دومًا ترويه شهرزاد هو المفجع حقًا.

فمن خلال قصة (الروح الرابعة لسهر) قصة وجد والنيروزي تدور الأحداث في مصر إبان حكم المستنصر بالله في الفترة من 1035 إلى 1094 والتي نكتشف من خلالها كيف خان حكام مصر وكل أطياف الشعب هذا البلد العظيم وكيف كانت السنوات العجاف على مصر وشعبها.

لم يقف النص عند الحكي والحكي الموازي فالفواصل بين الفصول سواء بالمسرحيات السبع القصيرة جدًا والقصة القصيرة جدًا والفواصل الشعرية كانت هى الملخص الحقيقي للأحداث وخير تأويل لكل ما هو مسكوت عنه في علاقة الشعب بالحاكم والعكس..

فالنص الموازي الفاضح لخلفية الخيانة لبلد لم يختار حاكمًا مناسبًا ولا حاشية ناصحة أمينة كانت هى بداية الأزمة الحقيقية بين صراعات ست مصر والسيدة الأولى سكينة ومن جراء تخبطتهم حاكم ضعيف كاره للشعب طفل يلعب بمصائر الناس، والذي أطلق السراح لجشع التجار بقيادة ياقوتي التاجر اليهودي وفتح الله شهبندر التجار وكأن لغة التجارة وجشعها لا تفرق بين الأديان فحاكم الجشع هو الشيطان والجشع هنا هو مبرر الخيانة، ففي كل عام من سنوات الجفاف يجتمع التجار ويستشهدون بيوسف عليه السلام وكيف أدار الأزمة في مصر، لكنهم يسعون فقط لثراءهم فتتكرر خديعة الشيطان باختلاف أفعالهم وتوحشهم وجشعهم في كل مرة.

في بلد تأصلت فيه الخيانة بالجشع مرة والضعف مرات والسكوت عن المطالبة بالحق لآلاف المرات، كلما نهض وازدهر نبتت بذرة الخيانة فيعود للوراء وكأن الخيانة آفة لابد من إقتلاعها من جذورها حتى ينمو الخير مرة أخرى.

هنا تذكر "فتحى رضوان" الإسكندرية كيف تم بناءها من قبل الإسكندر وكيف كانت منارة شامخة للعلم والثقافة والفن وكيف عاش أهلها في أرقى الأحياء "حي محرم بك" وكيف وصل بهم الحال وكيف صار الحي. كان شائعُا في هذه الحقبة الزمنية التي تذكرها فتحي عن الإسكنرية مقولة:" يا رب 100 ألف جنيه وشقة في محرم بك " فلم يعد لهذا المبلغ قيمة ولم يعد للحي رونقه وكذلك الإسكندرية فقدت طبعتها الكوزموبوليتان وأصبح شعبها عديم الذوق فاقد للحس الفني فخانت الإسكندرية عهدها في الثقافة والفن والأدب.

مبررات الخيانة قد عددها فتحي طوال الفصل الرابع من السباعية وكأنه يبرر لنفسه الخيانة، ونجد ذلك جليًا في حديثه مع سليمان الشيخ ص103

"وتسألنى لماذا تسعون فى المائة من الشعب المصري مريض بالدنيا؟ وتسألنى أين الحكومة من هذا؟ أجيب منين الشعب العظيم؟ أين الضمير فى الشعب الذي يقتل بعضه بعضا؟

ما كنت أظن أن الغباء صار دولة، والفساد صار شعبا.. ما كنت أظن إن الحكماء والعقلاء.. يختبئون تحت_هذا الخطأ هنا( البطاطين) خوفا من الرصاص، وأمة تعيش بلا ضمير.. حزن ما خفي يداهمني.. غير راض عن الكتابة.. و أنا أدري أن والقارئ مفقود.. غير راض عن غالبية الكتابات التي أقرأها.. فهي حالات مرضية لا إبداعية.. لا يعجبني غياب الحب من مصر.. لا يعجبني انتشار العشوائية وأخلاق العبيد. لا يعجبني القهر الذي يمارسه المصري على المصري والعربي على العربي.. لا يعجبني الغلاء الفاحش.. وتراجع الاقتصاد يوما بعد يوم.. لا يعجبني أن ينتشر القبح ويختفي الجمال من حياتنا.. بدءا من الشارع والعمارات والقمامة..

هل الروح تستطيع أن تواجه سلوك كل هذا القبح؟! يا ويلي والجمال شيخي.. وأنا اليتيم بدونه في وطن أعمى القلب.."

ومرة أخرى في حديثه مع نفسه ص107: "جلست أحاول الكتابة.. مقال عن أزمة الفن والثقافة فى الوطن العربى. أزمة فكر أم أزمة تكنيك؟"

مرة أخرى ص190:" سألني صديق: ما الحل؟.. قلت: نهاجر يا صديقي

هذا بلد معصوب العينين ويحب الجهلاء ويكره العلماء والشهداء والثوار. هاجر يا عزيزي. وطنك هو ذاكرتك التى تحملها روحك أينما حللت. هاجر يا صديقي واسرق الفرح من القمر وبلبل شارد وضحكة طفلة في البلاد البعيدة. لا تعد إلى هنا فهنا الجنون واللصوص وقتل الأحلام السعيدة"

كما نجد من خلال قراءاته ص194:

أتذكر في كتاب التفكير العلمي للدكتور فؤاد زكريا، الذى نشر عام 1981 في سلسلة عالم المعرفة، يقول رحمه الله:

إذا أردت أن تعرف نظام دولة متقدمة أو متخلفة دكتاتورية، اسمع نشرة الأخبار.. إذا كان أولها قام جلالة الملك أو سيادة الرئيس اليوم باستقبال فلان وعلان.. تعرف أنها متخلفة اذا كان أول الأخبار عن حدث عالمي هام زلزال مثال أو اغتيال سياسي ما، ودكتاتورية، و تعرف أن هذه الدولة متقدمة وبها ديمقراطية.. ودائما نشرات الأخبار في التلفزيونات العربية تذكر في أول أخبارها الرئيس والأمير والملك ومقابلاته وانجازاته."

تعددت أوجه الخيانة ومريديها ودوافعها طوال هذا الفصل كما تنصل رجال الدين عن دورهم الأساسي في تقويم الأفعال فقد خانوا الأمانة وتحولوا عن مسارهم الصحيح بدافع الكسب والتربح من مناصبهم، فنجد من خلال الأحداث في الحكي الموازي كيف كانت مواقف الشيخ إسحاق وكيف صار شيخ الأزهر الجديد وتعاونه مع ياقوتي وفتح الله لتبرئتهم أمام الشعب بل وجعل الشعب هو المذنب الحقيقي وليس من حقه التفوه للتعبير عن ضيقه فنجد ص 252:

قام الشيخ إسحاق وهو يختال ويعدل العمامة

- الحمد لله الذي أعطى مصر المكانة والخليفة المستنصر المهابة؛ فهو هدية من الزمان، وأذكركم وأذكر نفسي. عن إبراهيم بن عيسى عن أبي محمد أبي ماضي عن سليمان بن الفاتح عن رسول لله ص قال: "سيأتي يوم على أمتي تشكو الجوع ويقل الماء ويصعب عليها الدواء. إنه الابتلاء وكل من عاش في ظل هذا الزمان دخل الجنة بلا سؤال". صدق رسول الله

هب الشيخ مجاهد شيخ الأزهر واقفا

حرام حرام يا ناس. هذا اختلاق وافتراء. لا يوجد حديث لرسول لله بهذا الكلام، ألا تخجل أن تفتري بالقول على رسول لله! ألا تسأل نفسك ماذا ستقول له يوم الحساب أمام الله والناس؟"

ومن خلال ما سبق نجد أن كاتبنا قد وفق في رسالته خلال هذا الفصل من خلال اختيار عنوان مناسب وعناوين أخرى موازية ومن خلال اختيار لغة مناسبة، وقد تخللتها أجزاء من نصوص شعرية قد عززت الحكي، كما تنوع السرد طوال النص ببراعة مما جعل القارئ أمام تحفة فنية، كما وجد نفسه عنصرًا فعالًا من خلال النص له كامل الحق في التعديل والحذف وتغيير مجرى الأحداث وكأن كاتبنا يريد أن يبرهن على احترامه لعقلية القارئ طوال النص وعدم إجباره على رؤية معينة، وأنه ككاتب لم يخن الأمانة فيظل يكتب كما علمه الله، ولم يستغل قلمه للتربح أو إيذاء الغير.

وإن كنا قد حللنا النص ووضحنا مواطن جماله من خلال عناصره فالحديث عن الشخصيات والبطل في هذا النص يعد العقبة الحقيقية بالنسبة لي، فلم أجد سوى الخيانة كبطل رئيس ومحرك للأحداث ولم أجد سوى أذرع الشر هم من ساعد على تفشي الخيانة.

حوار مع الكاتب البحريني هشام عقيل حول الفكر الماركسي والتحديات التي يواجهها اليوم، اجرت الحوار: سوزان امي
حوار مع الكاتبة السودانية شادية عبد المنعم حول الصراع المسلح في السودان وتاثيراته على حياة الجماهير، اجرت