المسرواية عند السيد حافظ - دراسة في نقاء الفنون وتداخل الأجناس الأدبية -- بقلم: د. محمود حمزة -دراسات في أعمال السيد حافظ (291)

السيد حافظ
2023 / 4 / 17

-دراسات في أعمال السيد حافظ (291)
التجريب ومكونات البنـي السردية في الرواية
المسروايــة عند السيـد حـافظ
" دراسة في نقاء الفنون وتداخل الأجناس الأدبية "
د. محمـود حمـزة
المدير التنفيذي لمؤسسة التعليم أولاً
مسرواية : (كل من عليها خان)
المبـــدع:
إن أهم ما يميز مشروع السيد حافظ الإبداعى أنه مشروع كرس من أجل بناء الوعى ، واستثمر الكاتب التجريب وسيلة للمخاطرة الأدبية بأشكال وأطر فنية تمنح تجربته الإبداعية التطور و التجديد.

وكأن هذا الزخم الإبداعى لدى السيد حافظ ما بين مسرح ورواية وقصة قصيرة أثر واضح في منهج تداخل الفنون في مشروعه ، فضلاً عن أعماله الإذاعية والتليفزيونية التى كان لها أبعد الأثر في تراسل فنونه الإبداعية ، ولذلك يعد السيد حافظ واحداً من الكتاب المجددين الذين لا يكتفون بمنهل واحد أو معين فرد ، فهو في ذاته:

" الكاتب والمخرج والمنظر والمبدع والإنسان والسياسى ، كما استطاع أن يؤسس رؤيته الجديدة و المتجددة للعالم"([1])

أعمال سيد حافظ قطعة من ذاته ، تدور حول هم الأديب القابع في أعماق تحديات المجتمع العربى سياسياً واجتماعياً وفكرياً، لذا جاءت أعماله :

" صادمة، ترفض الواقع سياسياً واجتماعياً وثقافياً ، وتناولت كتاباته قضايا كثيرة ، حقوق الإنسان الديمقراطى ، الأخلاق ، تناولت كل التناقضات الاجتماعية التى أفرزها الواقع الانفتاحى من تمزق اجتماعى"([2])

ولعل هذا الهم الثقافى دفع السيد حافظ إلى إنتاج ما يقرب من مائة مسرحية وما يزيد عن الثمانين كتاباً مسرحياً جعل عدداً من نقاد وأدباء المسرح يعتبرون السيد حافظ :

" رائد المسرح التجريبى في مصر والوطن العربى ، وصاحب أكبر كم وكيف في هذا المجال"([3])

ولم تكن الرواية بمعزل عن إبداعات السيد حافظ ، فرواياته لم تكتب لتقرأ ، وإنما تستشعر فيها بتلك الروح المسرحية التى تجعل شخوصها يتكلمون روحاً ودماً ، وحرصه على وضع البصمة المسرحية في العمل الروائى هو الذى يجعله أحد أهم كتاب المسرواية في العالم العربى ، في رغبة مقصودة:

" لتغيير المعهود ، إما في الأسلوب الفنى للكتابة ، أو في الموضوع الذى ينطلق فيه بهدف معالجة الواقع بكل متناقضاته ، ويسعى لنقل ما يعانيه الإنسان العربى من مرارة أو أنين"([4])

والسـيد حافظ قاصد لذلك ، قاصد لتأسيس ذلك الفـن (المسرواية) ، وهـو ما صرح به في (حتى يطمئن قلبى) فذكر تحت العنوان أن هذه (مسرواية) ، أى أنها نمط جديد يجمع القالبين الروائى والمسرحى في بوتقة واحدة.

البنـــــاء الفكـــرى:

يتمركز البناء الفكرى في مسرواية (كل من عليها خان) حول التداخل بين الحدث التراثى والحدث المعاصر ، وتتمحور فكرتها حول :

" الثالوث المحرم : الدين والسياسة والجنس ، ليصير ثلاثياً مستأنساً طبيعياً يتماشى بجنس الرواية "([5])

وقد تناول السيد حافظ قضية الخيانة بشتى أنواعها في كل زاوية من زوايا هذا الثالوث ، بدءاً من الخيانة الزوجية من خلال قصة الحب بين (سهر) و (فتحى) اللذين يعيشان في دبى قصة عشق مرفوضة دينياً وأخلاقياً لكون كل منهما متزوجاً ، أو من خلال خيانة الوطن عبر الحكايات التى يحكيها فتحى إما عن نفسه أو عن غيره من خلال مذكراته داخل (المسرواية) والتى تحمل عنواناً مستقلاً هو:

" مذكرات رجل يضاجع الوطن والتاريخ"

ومن خلال تلك المذكرات يستدعى فتحى نصوصاً دينية وتراثية يحملها ما أراد من المفاهيم والأفكار المقصودة لتجسيد معاناة المواطن العربى ، فيستدعى (فتحى) قصص القرآن من خلال قصة آدم وأبنائه (قابيل وهابيل) ، كما يستدعى لنا برديات سيدنا (يوسف) سنوات القحط السبع العجاف ، ويتوقف كثيراً أمام حال الشارع المصرى زمن الشدة المستنصرية في العصر الفاطمى ، لكن (فتحى) أو قل السيد حافظ يرجع سبب كل فساد إلى تسلط واستبداد رجال السلطة على مر العصور والأزمان ، ويضرب بــ (فتح الله ) زمن المستنصر الذى " كان يساوم الناس ويشترى خاصة البنات الصغيرات السن الجميلات بخمس جوالات من القمح "([6])مثالاً حياً على هذه الخيانة وتصف لنا (شهرزاد) بشاعة الصورة التى وصل إليها المصريون زمن المستنصر بسبب الفقر والجوع والمرض حتى يصل بهم الأمر إلى أكل الفئران والقطط والكلاب ، وحين انتهوا منها تحولوا إلى الاتجار بلحوم البشر ، لدرجة أنه حينما ماتت ابنة عمار سارع إلى دفنها خلسة لأن الناس تأكل لحوم البشر من شدة الجوع :

" وتحت شجرة كبيرة حفر نيروزى حفرة قبر للصغيرة ، دفنها دون شاهد قبر ، العلامة كانت الشجرة ، تحت الشجرة الكبيرة شجرة التين البنغالى، جلس الثلاثة تحت الشجرة يبكون معهم المصابيح"([7])

الكتابة عن السيد حافظ هى الوجود ، فهو يكتب لكى يستشعر الحياة ، وهذا سر عنائه وبلائه ، والرواية عند سيد حافظ هى السرد، والسرد يعنى التاريخ والحكاية والزمن الإنسانى واللغة الحية التى تملك الشاعرية ، وهو يدون أفكاره :

" لعل شخصاً يجد فيها مفيداً ليستنسخها ، أو يتذكرها ، وإذا لم يجد فيها ما يحتاجه ، فتبقى لى وحدى على أية حال ، وهذا أهم أمر لى الآن ، أنت تحاول خلق الجمال والمعرفة وهم يمررون الجهل كنوع من المعرفة وينجحون "([8])

العنوان بين التوجيه والاختيار:

العنوان هو البوابة السحرية الذى يدخل بها المبدع إلى عالم القارىء ويجذب به اهتمامه وشغفه ، ولأن كتابات السيد حافظ تمثل دائماً حالة جدة و أصالة لم يألفها القارىء العربى ، لذا نراه وقد اختار عنواناً رئيسياً للمسرواية هو "كل من عليها خان" واقترح ستة عناوين ترك حرية الاختيار فيما بينها للقارىء هى:

المقترح الأول ← فنجان شاى العصر

المقترح الثانــى ← الرائى

المقترح الثالـــث ← العصفور والبنفسج

المقترح الرابـــع ← كل من عليها جبان

المقترح الخامس ← كل من عليها هــان

المقترح السادس ← كل من عليها بــان



ثم خاطب القارىء قائلاً :

" صديقى القارىء ، يمكنك الآن أن تختار عنواناً من الستة وتبدأ في قراءة الرواية بالعنوان الذى اخترته أنت ..... دعك من اختيارى ، فأنت الآن شريكى "([9])

وهكذا يستطيع السيد حافظ أن يجعل من العنوان إشكالية منذ بداية (المسرواية) يثير خلالها اهتمام القارىء بجعله شريكاً في الاختيار منذ بداية العمل:

" فتجاوبت العناوين مع صدى النص ، لأنها تتناسق مع العنوان الرئيسى ، خاصة العناوين الثلاثة الأخيرة ، فهى تتفق معه حتى في الصياغة ، أما عنوان (فنجان شاى العصر) فـيرتبط ارتباطاً وثيقـاً بالحكاية المركزية بين سهـر وفتحى وشهـرزاد ....، أما فيما يخص الرائى فنجد أنه يتقاطع دلالياً مع الفصل الذى تحدث فيه الكتاب عن جمال عبد الناصر وقد جاء تحت عنوان الرائى والبنفسج"([10])

أما العنوان " العصفور والبنفسج " فهو يرتبط بروح الأنثى في (المسرواية) بكل ما فيها من تناقض أو غواية ، ويرتبط هذا العنوان ارتباطاً وثيقاً بشخصية سهر ، كما يرتبط بقرار سيدات مصر في عهد المستنصر أن يخرجن في مظاهرات نحو القصر وهو ما أطلق عليها السيد حافظ (ثورة النساء)

وبرغم هذا التناص القرآنى لعناوين:

(كل من عيها خان) (كل من عيها هــان)

(كل من عيها بـان) (كل من عيها جبان)

فتغير مفردة واحدة حمل العناوين معانى متعددة تدور حول الهوان أو الإبانة أو الجبن ، لكنها جميعاً تنبع من معين الخيانة التى تمثل القاسم المشترك بين بنى البشر ، إنها قضية يعانى منها كل إنسان وإن اختلفت درجة ذلك ، إنها قضية:

" الوطن ، قضية الإنسان البسيط المهمش ، قضية الإنسان الضعيف ، قضية الإنسان الذى جرد حتى من أبسط حقوقه، هى قضية تهدف إلى رفض الواقع المعيش "([11])

وهذا هو أدب السيد حافظ يستحضر التاريخ ليستشهد به على أننا كلما مررنا بعصر لا نجد اختلافاً بين صفات الإنسان المصرى على مر العصور وهذا التنقل المقصود بين أحداث التاريخ يسعى من خلاله السيد حافظ إلى التأكيد على تشابه سمات الجينات المصرية في مختلف الأزمات لا سيما تجاه الظلم والاستبداد.

اللغة بين البنية السردية والبنية الحوارية:

بنى السيد حافظ بنيته السردية الحوارية في مسرواية (كل من عليها خان) على فكرة تداخل الأجناس الأدبية وتراسل الفنون لا سيما الرواية والمسرحية ، منطلقاً من فكرة أن الأجناس الأدبية ما هى إلا مجموعة من الروافد التى تصب في دائرة واحدة وهى دائرة الإبداع ، وأن بين تلك الأجناس الأدبية قواسم مشتركة يجب استثمارها حتى يستطيع الأدب مسايرة التطور والتجديد في حياتنا المعاصرة والذى فاق كل الحدود والتطلعات .

وقد تشكلت مسرواية (كل من عليها خان) في سبع مسرحيات نثرية قصيرة تتسم بطابع روائى يدور حول الخيانة ، وغالباً ما يأتى الحدث الأخير الذى ينهى به السيد حافظ الفصل الروائى قبل أن يدخل إلى المشهد المسرحى وغالباً ما يكون في نفس السياق الذى يبنى عليه المسرحية.

" لذا يمكن القول أن هذه السباعية المسرحية التى وردت في الرواية قد لخصت مضمون الرواية ، أو بالأحرى ، ساهمت في توضيحه أكثر في فرجة مسرحية متلائمة مع السياق العام للنص"([12])

إنك ترى الصفحة الواحدة في (كل من عليها خان) وقد كشفت عن أكثر من نص محمل بالدراما والتاريخ، هى في الأصل رواية ، لكنها خرجت عن التقاليد المألوفة في العرف الروائى لتبحث عن عوالم درامية تكسبها حياة مختلفة.

فتارة يعتمد على مسرحية قصيرة جداً ، أو مسرحية قصيرة جداً جداً :

" المكان : مقهى

الزمان : نهار

يجلس مجموعة من الرجال في المقهى يشربون القهوة والشاى والشيشة يدخل الجرسون وينحنى أمام كل مائدة ، نلاحظ أن الجرسون مربوط من عنقه كالكلاب ، وبها حبال تشده كل مائدة تجاهها بالتناوب ، لهذه ماء ولأخرى شاى ولأخرى شيشة وأخرى مثلجات ، تزداد سرعة الطلبات وكل طرف يشده حتى يسقط على الأرض من الإعياء ، يخلع الطوق من عنقه مرة أخرى ، وينصرفون ، يسقط على المسرح سجن خشبى ..... يسجن الرجل ، كتب على القفص الوطن.

" ستـــــــار"([13])

أما الحوار المسرحى في (كل من عليها خان) يتسم بالجملة القصيرة كما لو كان على خشبة مسرح ، وهو حوار كاشف للأبعاد النفسية والاجتماعية و الفسيولوجية للشخصية:

" جاءتنى تهانى من الحمام وجدتنى مستيقظاً وفى يدى كتاب شخصية مصر وأمسح دموعى .

أنت لم تنم ؟ أنت تبكى؟

- نعم استيقظت ، جاءنى جمال حمدان في المنام فاستيقظت (فقرأت من كتابه) وبكيت.

- نم يا رجل شكلك تعبان النهاردة

- حاضر

- حاولت أن أنام مرة أخرى .... أن أنسى .. وبى غربة المتنبى وأنا فيكم وبكم .([14])

ولم يغب عن السيد حافظ أن يحسن توظيف الحوار الداخلى (المونولوج) وسيلة يزيل بها أى غموض حول الشخصية ، أو وسيلة للتعبير عن المكبوتات النفسية لدى أبطال العمل ، يقول فتحى بطل (المسرواية):

" وتسألنى من أنت ، قلت أنا السؤال والزلزال والثمار والحوار والزمان والمكان ، أنا الوحدة والتوحيد والباحث عن نور يفتح للشهوة ألف فكرة وحلم"([15])

فى أحيان أخرى يتكىء السيد حافظ على البنية السردية التراثية لوصف ما تمر به مصر من ظروف صعبة زمن الشدة المستنصرية معتمداً على استحضار النبى يوسف وبردياته :

" بردية قديمة رقم 1 ... يا يوسف عليك السلام ، لماذا تجمع أموالنا ونحن الفقراء ، لسنا من سجنك ، بل سجنك قاض ضال ودهاء نساء القصر ، يحكمن على الرجال ، يا سيد مصر الآن أعطنا فرصة كى نتنفس، خذ حذرك ، لسنا الفسدة ولسنا الحكام نحن الشعب المقهور "([16])

ويعتمد السيد حافظ على أسلوب (الفلاش باك) حتى يستطيع أن يمزج بين الماضى والحاضر في تداخل عجيب يوجد عالماً آخر لا هو بالماضى ولا هو بالحاضر:

" فلاش باك :

تولى المستنصر الحكم وعمره 7 سنوات ، ويجلس في الدواوين ليلة وفاة أبيه الظاهر بالله ....."([17])

وربما يعتمد على مشهد صحفى يكشف بوضوح مضمون الرسالة التى توصلها المسرحية أو الرواية في تلك السباعية ، وهو هنا لا يتخلى عن عمله مراسلاً صحفياً سواء لمجلة الوطن العربى بباريس أو الأهرام الدولى :

" مع جريدة الأهرام المصرية"

من صفحة الثقافـة يقول الكاهن والحكيم (نفروهو) .... لقد أصبحت الأرض خراباً ، فلا من يهتم بها ، ولا من يتكلم عنها، ولا من يذرف الدمع ، فأى حال تلك البلاد؟

صفحة الحوادث

من أخبار الحوادث :

تنفيذ 30 ألف حكم بينهم 30 هارباً من المؤبد بأنحاء الجمهورية خلال 24 ساعة ....

من صفحة الأدب والشعر

فى أول صفحة بسم الله ، بداية كل شىء موجود

وصفحة فيها إبداعى وصفحة فيها أوجاعى

وصفحة تشكى بصداعى وصفحة حب بتراعى جميع الناس

الشاعر/ محمد تقى الدين"([18])

وأحيانا يفاجئك السيد حافظ ببعض الفسح الغنائية أشبه ما تكون بوصلات الفن المسرحى ، ربما لأم كلثوم أو عبد الوهاب بعد أن اعتمد على جملة تليفزيونية رابطة تتكرر بصورة ثابتة. " فاصل ونواصل ، لا تذهب بعيداً عن الرواية"([19])

وهو هنا متشبع برصيد إذاعى تليفزيونى يعتمد على الصورة أكثر مما يعتمد على اللغة أو البناء، فالسينما والتليفزيون هما صورة بالدرجة الأولى ، يعتمد كلاهما على اللقطة كوحدة أساسية للبناء ، تعتمد عليها وحدات العمل وتتصل لتقديم الأفكار والأحاسيس ، ولعل هذا ما دعا السيد حافظ إلى توظيف ثقافته المسرحية والإذاعية والتليفزيونية في منح هذه الرواية صفة التوظيف للعناصر السمعية والبصرية من حوار وموسيقى ومؤثرات ، ليضفى مزيداً من المعانى أو ليحدث تأثيراً يرغب الكاتب في تحقيقه.

وإذا كان السيد حافظ واحداً من الذين يؤمنون أن القصة القصيرة على سبيل المثال لم تعد قادرة على أن تلبى بمفهوما القديم احتياجات القارىء، فلا مانع من أن يحدث ذلك التداخل المقصود بين فنون الدراما، بل إن هذا التداخل أصبح ضرورة لازمة سواء على مستوى الشكل أو على مستوى المضمون.

" قصة قصيرة جداً

كان الوطن يدخن سيجارة رخيصة على المقهى حافى القدمين، توجهت إليه.... ، اختفى في لحظة ، وتبقى مكانه حذاء ممزق مهلهل وجريدة يومية أمسكت بها، وجدتها بيضاء"([20])

ويفاجئنا أيضاً الكاتب بمقدمة داخلية يذيلها باسمه ، هى أشبه ما يكون برفرة صوفية مكبوتة:

" وسعيت أن أكون ولياً ، وكنت المريد ، وشيوخى خليل جبران والمتنبى وهيرمان وابن الفارض وشكسبير وعلى بن أبى طالب وابن عطاء السكندرى وصلاح عبد الصبور .... ولم أنشغل بالجنة أو النار ، بل سعيت لشهوة المقام والسجود بين رب العالمين ...

وعرفت أن الباطل في العشق لا يتجلى ولا يتحلى ....

وبحثت عن نصيبى من الإيمان والتقوى لعلى أقوى...

لعلــى

السيد حافظ"([21])

إن السيد حافظ في هذا البناء يحيلك إلى عدد من المبدعين العالمين والعرب لكنه أقام لنفسه بناءاً فنياً متفرداً ، ليس عشوائياً ، لكنه متماسك يشد بعضه بعضا، تجد فيه النسيج السردى أحياناً يطغى على الأفعال ، والحوارات الدرامية يواجهها وصف دقيق لمواقف وأحداث ، لا تستطيع أن تتهمه بالتمرد على الأعراف الأدبية ، لكنك في ذات الوقت تشعر أن ثمة حركة درامية غير مألوفة تحدث بلاهوادة بدرجة من التكثيف الدرامى ربما لايدانيه فيه أحد.

ولا يستطع أن يعبر عن كل ذلك إلا لغة محملة بطاقات إبداعية تؤمن أن النص هو الأساس ، إنها لغة حية تستمد وجودها من الأحداث والألفة والناس ، تعرف كيف تصل إلى عقل وقلب القارىء أو المشاهد ، لغة قادرة على ثقافة كاتبها الموسوعية التى تربط بين فنون القول بطريقة سحرية ربما لا يقوى عليها إلا : الشعر أو الحكى أو الحوار أو قل اللغة الدرامية.

إنها أشبه ما يكون بلغة السيناريو التى تبعد قارئها عن أى ملل أو كلل ، لتبقى دائماً صفة الشاعرية ، تحتل النصيب الأكبر .

إن (السيد حافظ) اقتنص من فن السيناريو الروح والحركة ، واقتنص من لغة الشعر الشاعرية ، واقتنص من فن السرد القدرة على الحكى ، واقتنص من الفن المسرحى الإيحاء الدرامى ، وبهذه الرؤية يصبح مفهوم المسرواية عند السيد حافظ :

"هى سرد ، والسرد يعنى التاريخ والحكاية والزمن الإنسانى واللغة الحية التى تملك الدهشة الشاعرية ، وإذا أردت أن تكتب سرداً اكتب شعراً ، وإذا نقص ضلع من هذه القواعد لن تكون رواية ، بل حكاية ضعيفة ، قد تكون الحكاية الشفاهية والحكى الشفهى للرواية أكثر قوة وإبداعاً من الحكاء الورقى، لذلك الرواية الورقية تحتاج للتحفز والدهشة المستمرة دائماً لتكون قادرة على المواجهة والصمود "([22])




الخاتمة

1- الأجناس الأدبية ماهي إلا مجموعة من الروافد التي تصب في دائرة الإبداع ، بينها قواسم مشتركة يجب استثمارها من أجل إنتاج أنماط وأجناس أدبية جديدة تسمح للأدب مسايرة التطور الاجتماعي والفكري في حياتنا المعاصرة

2- التداخل بين الأجناس الأدبية موجود في تراثنا العربي ويشهد عليه (حديث عيسى بن هشام ) دليلاً على المزج بين الرواية والمقامة

3- توفيق الحكيم هو مؤسس فن المسرواية في الأدب العربي من خلال عمله (بنك القلق) عام 1966، والسيد حافظ هو صاحب أكبر مشروع عربي في هذا المجال من خلال سبعة أعمال تمثل تطبيقاً عملياً لفن المسرواية

4- يمكن أن نعرف (المسرواية) بأنها عملية تحويل العمل الروائي القائم على السرد إلى نص مسرحي قابل للعرض، أي تتوفر فيه شروط العرض المسرحي في تداخل مقصود بين البنية السردية والبنية الحوارية

5- بنك القلق مغامرة فكرية وأدبية أسس فيها الحكيم لفن (المسرواية) في الأدب العربي برؤية استشرافيه لحالة التجسس العام مستشرفاً بذلك البنك الافتراضي ما تقوم به مواقع التواصل الاجتماعي في الألفية الثالثة

6- تناغم القلق الإنساني في بنك القلق بتلك التعددية الفنية في البنية السردية والبنية الحوارية ، فجاءت عشرة فصول وعشرة مناظر تجمع بين سحر السرد والتفاعل الحواري

7- يعد السيد حافظ أحد رواد المسرح التجريبي في مصر والوطن العربي وصاحب أكبر كم وكيف في مجال (المسرواية)

8- اقتحم السيد حافظ في مسراوية (كل من عليها خان) الثالوث المحرم (الدين والسياسة والجنس) ، معتمداً على البناء السردي الحواري في كشف آلام وهموم الإنسان العربي

9- صدم السيد حافظ قارئ (كل من عليها خان) بعنوان رئيس وستة اختيارات لعناوين مقترحة ، وترك للقارئ حرية الاختيار كي يصبح شريكاً في العمل

10- يمكن القول أن السيد حافظ في مسراوية (كل من عليها خان) اعتمد على سباعية مسرحية تتسم بطابع روائي تدور حول الخيانة ، وغالباً ما يأتي الحدث الأخير الذي ينهي به السيد حافظ الفصل الراوئي قبل أن يدخل إلى المشهد المسرحي وغالباً ما يكون في السياق نفسه الذي يبني عليه المسرحية

11- استعان السيد حافظ في مسراوية (كل من عليها خان) برصيده الإذاعي والتلفزيوني في البنية الدرامية لهذه المسرواية

المراجع

1- السيد حافظ : كل من عليها خان –ط1-مركز الوطن العربي 2015

2- أحمد محمد الشريف : التجريب والتجديد في البيئة السردية للرواية الغربية – مركز الوطن العربي – القاهرة 2017

3- توفيق الحكيم : بنك القلق – دار مصر للطباعة

4- حسين الواد : البنية القصصية في رسالة الغفران – دار جراء – مصر 1997

5- حسين دخيل الطائي : تداخل الأنواع الأدبية – النشأة والتطور – مجلة العلوم الإنسانية – كلية التربية للعلوم الإنسانية – الجزائر

6- حنان قصاب – ماري إلياس : المعجم المسرحي – ط1 – مكتبة لبنان – بيروت 1997

7- صفوت عبدالله الخطيب : الأصول الروائية في رسالة الغفران – دار حراء – مصر

8- طايبي فضيلة – ختيوس آسيا: البناء الفني في الرواية المسرحية (كل من عليها خان) - كلية الآداب – جامعة أكلي – الجزائر 2019

9- عزالدين إسماعيل : الأدب وفنونه – دار الفكر العربي – القاهرة 2013

10- عبدالقادر القط : من فنون الأدب المسرحية – دار النهضة العربية –بيروت 1978

11- فؤاد على حازم الصالحي : دراسات في المسرح –ط1- دار الكندي – الأردن 1999

12- محمد حامد محمد يحيى – عثمان جمال الدين عثمان : العناصر الدرامية في سرديات إبراهيم اسحق – مجلة العلوم الإنسانية – مجلد 15-عماد البحث العلمي – جامعة السودان – كلية الموسيقى والدراما 2015

13- محمد نجيب التلاوي : مسرحة النص الروائي – المجلة العلمية – كلية الآداب – جامعة المنيا – المجلد السابع والعشرون 1997 آليات القص في ألف ليلة وليلة: حوليه مركز البحوث بجامعة قطر 1997

14- ناجي لبيب : توفيق الحكيم وأسطورة الحضارة – دار الهلال

15- نجاة الجشعمي : السيد حافظ في عيون نقاد المغرب – مركز الوطن العربي-القاهرة 2019 إشكالية الحداثة والرؤى النقدية في المسرح التجريبي – مركز الوطن العربي 2019

المجلات والدوريات والمواقع الإلكترونية

1- جريدة الأهرام : عدد 15 مارس 1965

2- عثمان أنور : المسرواية والمتتالية والقصة القصيرة – أبرز سماتها العولمة والأجناس الأدبية – مجلة الجزيرة https://www.journals.uofg.edu.sd

3- مجلة الطليعة : ملف عبدالناصر بين اليسار المصري وتوفيق الحكيم – بيروت 1975

4- وليد الخشاب : عندما تلجأ الرواية للمسرحية – مجلة فصول 1993

Rewind TV: All Watched Over by Machines of Loving Grace Strangeways – review.”

Edited by Andrew Anthony The Cuardian. The Cuardian، Cuardian nnews and Media. 28 May 2011.

www.theguardian.com/tv-and-radio/2011/29/machines-of-loving-grace-review.





([1]) نجاة الجشعمى: السيد حافظ في عيون نقاد المغرب م1 ، ط1 ، مركز الوطن الوطن العربى ، رؤيا - القاهرة 2019 صــ202.

([2]) د. ليلى بن عائشه : التجريب في مسرح السيد حافظ ط 1، مركزالوطن العربى .القاهرة 2005 صــ2

([3]) د. نجاة صادق الجشعمى: إشكالية الحداثة والرؤى النقدية في المسرح التجريبى " مركز الوطن العربى. صــ 30.

([4]) إشكالية الحداثة والرؤى النقدية في المسرح التجريبى صــ74

([5]) أحمد محمد الشريف: التجريب والتجديد في البنية السردية للرواية العربية. مركز الوطن العربى القاهرة 2017.

([6]) السيد حافظ * كل من عليها خان ط1 – مركز الوطن العربى . رؤيا – 2015

([7]) كل من عليها خان صــ285

([8]) كل من عليها خان: صــ11

([9]) كل من عليها خان: صــ8.

([10]) طابى فضيلة – خيتوس آسيا البناء الفنى في الرواية الممسرحة " كل من عليها خان" ، كلية الأداب واللغات – جامعة أكلى –الجزائر – 2019 صــ 52

([11]) المرجع السابق: صــ53

([12]) البناء الفنى في الرواية الممسرحة: صــ51

([13]) كل من عليها خان: صــ57

([14]) كل من عليها خان: صــ62

([15]) كل من عليها خان: صــ62

([16]) كل من عليها خان: صــ11

([17]) كل من عليها خان: صــ49

([18]) كل من عليها خان: صـــ242

([19]) كل من عليها خان: صـــ240

([20]) كل من عليها خان: صــ328

([21]) كل من عليها خان: صــ86

([22]) كل من عليها خان : صــ11

حوار مع الكاتب البحريني هشام عقيل حول الفكر الماركسي والتحديات التي يواجهها اليوم، اجرت الحوار: سوزان امي
حوار مع الكاتبة السودانية شادية عبد المنعم حول الصراع المسلح في السودان وتاثيراته على حياة الجماهير، اجرت