عن ( سرّ القرآن / الشيطان يعظ )

أحمد صبحى منصور
2023 / 3 / 20

السؤال الأول :
مامعنى ( السّر ) الذى فى القرآن الكريم فى قوله جل وعلا : ( قُلْ أَنزَلَهُ الَّذِي يَعْلَمُ السِّرَّ فِي السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ )(6) الفرقان ).؟
الاجابة
أولا :
تعرضنا لهذا فى مقال قديم تم نشره فى مصر فى جريدة روز اليوسف ، يثبت أن النبى محمدا هو الذى كتب القرآن بيده ، وكان أصحابه يقرأونه ويملونه عليه ليكتب منه نُسخا ، وكان الكافرون يمرُّون عليهم فيتهمونه بالإفك وأنه أعانه على هذا الإفك قوم آخرون ، وأنه يكتب أساطير الأولين ، وأنها تُملى عليه فيكتبها . أقوالهم زعم باطل ، ولكنهم يعترفون بما رأوه ، وهو أنه كان يكتب القرآن ويقرؤه عليه أصحابه يملونه عليه صباح مساء . وجاء الرد بأن الذى أنزل القرآن الكريم هو الذى يعلم السّر فى السماوات والأرض . إقرأ قوله جل وعلا : ( وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ هَذَا إِلاَّ إِفْكٌ افْتَرَاهُ وَأَعَانَهُ عَلَيْهِ قَوْمٌ آخَرُونَ فَقَدْ جَاءُوا ظُلْماً وَزُوراً (4) وَقَالُوا أَسَاطِيرُ الأَوَّلِينَ اكْتَتَبَهَا فَهِيَ تُمْلَى عَلَيْهِ بُكْرَةً وَأَصِيلاً (5) قُلْ أَنزَلَهُ الَّذِي يَعْلَمُ السِّرَّ فِي السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ إِنَّهُ كَانَ غَفُوراً رَحِيماً (6) الفرقان).
ثانيا :
معنى ( السّر ) هنا :
1 ـ القرآن الكريم فيه أسرار من الغيبيات لم تكن معروفة من قبل .
منها تفصيلات عن الماضى كما فى القصص القرآنى ، مثلا قال جل وعلا فى نهاية قصة نوح : ( تِلْكَ مِنْ أَنْبَاءِ الْغَيْبِ نُوحِيهَا إِلَيْكَ مَا كُنتَ تَعْلَمُهَا أَنْتَ وَلا قَوْمُكَ مِنْ قَبْلِ هَذَا فَاصْبِرْ إِنَّ الْعاقِبَةَ لِلْمُتَّقِينَ (49) هود )، ومنها غيبيات فى الحاضر وقت نزول القرآن الكريم فى مكة والمدينة ، إذ أخبر الله جل وعلا بأحوال المنافقين الظاهرين وتآمرهم ، وقال عن المنافقين كاتمى نفاقهم الذين مردوا على النفاق أى أدمنوه وكتموه : ( وَمِنْ أَهْلِ الْمَدِينَةِ مَرَدُوا عَلَى النِّفَاقِ لا تَعْلَمُهُمْ نَحْنُ نَعْلَمُهُمْ سَنُعَذِّبُهُمْ مَرَّتَيْنِ ثُمَّ يُرَدُّونَ إِلَى عَذَابٍ عَظِيمٍ (101) التوبة )، وهنا إخبار عن أسرار حاضرة لم يكن يعلمها النبى محمد عليه السلام ، ومات وهو لا يعلمها ، وفيه أيضا إخبار عن سرّ مستقبلى بالنسبة لأولئك الذين مردوا على النفاق ، هو تعذيبهم مرتين فى الدنيا بعد موت النبى محمد عليه السلام ، ثم ينتظرهم عذاب عظيم خالد فى الجحيم ، أى لن يتوبوا بل سيموتون بكفرهم ونفاقهم .
هذا من أواخر ما نزل من القرآن الكريم فى سورة التوبة ، وهذا يذكرنا بآيات نزلت من قبل فى مكة تخبر بأن قريشا قوم النبى ـ فى معظمهم ـ كذّبوا بالقرآن وهو الحق ، وأن مصيرهم أن يتحاربوا شيعا وأن يذيق بعضهم بأس بعض عقوبة على تكذيبهم الحق . قال جل وعلا : ( قُلْ هُوَ الْقَادِرُ عَلَى أَنْ يَبْعَثَ عَلَيْكُمْ عَذَاباً مِنْ فَوْقِكُمْ أَوْ مِنْ تَحْتِ أَرْجُلِكُمْ أَوْ يَلْبِسَكُمْ شِيَعاً وَيُذِيقَ بَعْضَكُمْ بَأْسَ بَعْضٍ انظُرْ كَيْفَ نُصَرِّفُ الآيَاتِ لَعَلَّهُمْ يَفْقَهُونَ (65) وَكَذَّبَ بِهِ قَوْمُكَ وَهُوَ الْحَقُّ قُلْ لَسْتُ عَلَيْكُمْ بِوَكِيلٍ (66) الأنعام ). بعدها قال جل وعلا : ( لِكُلِّ نَبَإٍ مُسْتَقَرٌّ وَسَوْفَ تَعْلَمُونَ (67) الأنعام ).
أولئك الذين مردوا على النفاق هم جواسيس قريش الذين هاجروا مع النبى طبقا لمكر قريش الذى قال عنه رب العزة جل وعلا : ( وَإِذْ يَمْكُرُ بِكَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِيُثْبِتُوكَ أَوْ يَقْتُلُوكَ أَوْ يُخْرِجُوكَ وَيَمْكُرُونَ وَيَمْكُرُ اللَّهُ وَاللَّهُ خَيْرُ الْمَاكِرِينَ (30) الأنفال ) ( وَقَدْ مَكَرُوا مَكْرَهُمْ وَعِنْدَ اللَّهِ مَكْرُهُمْ وَإِنْ كَانَ مَكْرُهُمْ لِتَزُولَ مِنْهُ الْجِبَالُ (46) ابراهيم ).
هؤلاء الجواسيس أدمنوا النفاق فى مكة ، وهاجروا به مع النبى الى المدينة ، وصاروا أقرب الناس للنبى محمد ، ثم قفزوا على السلطة بعدها ، وارتكبوا جريمة الفتوحات ، ثم وقعوا فى الحروب الأهلية . وتفصيل هذا فى كتابنا ( المسكوت عنه فى تاريخ الخلفاء الراشدين ) ، وهو منشور هنا .
أسرار كثيرة مستقبلية غيبية أنبأ بها رب العزة جل وعلا فى كتابه الكريم ، وحدثت وقت وبعد نزول القرآن الكريم ، ومنها أسرار علامات الساعة وقيامها وما سيحدث فى اليوم الآخر .
2 ـ هناك ( سرُّ ) مرتبط بكتابة القرآن وترتيب آياته وسوره . كتابة القرآن الكريم ــ بيد النبى محمد عليه السلام ـ هى كتابة مختلفة عن الكتابة العربية العادية . وبعض الكلمات مكتوبة بطرق متنوعة ، وهناك ما يسميه رب العزة جل وعلا ب ( آيات ) ، وهى الحروف المقطعة فى أوائل بعض السور ، مثل : ( الر تِلْكَ آيَاتُ الْكِتَابِ وَقُرْآنٍ مُبِينٍ (1) الحجر ) ( طسم (1) تِلْكَ آيَاتُ الْكِتَابِ الْمُبِينِ (2) الشعراء ) . وقد إتضح أن هناك آية ( معجزة ) رقمية عددية ، بدأ بعض الباحثين فى إكتشاف بداياتها ، منهم الاستاذ عبد الله جلغوم ، أكرمه الله جل وعلا .
السؤال الثانى
هناك تناقض بين آية فى سورة البقرة ( إِنَّ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ مَا أَنزَلْنَا مِنْ الْبَيِّنَاتِ وَالْهُدَى مِنْ بَعْدِ مَا بَيَّنَّاهُ لِلنَّاسِ فِي الْكِتَابِ أُوْلَئِكَ يَلْعَنُهُمْ اللَّهُ وَيَلْعَنُهُمْ اللاَّعِنُونَ (159) إِلاَّ الَّذِينَ تَابُوا وَأَصْلَحُوا وَبَيَّنُوا فَأُوْلَئِكَ أَتُوبُ عَلَيْهِمْ وَأَنَا التَّوَّابُ الرَّحِيمُ (160) هنا إمكانية التوبة بينما لا أمل فى هدايتهم وتوبتهم فى نفس سورة البقرة : ( إِنَّ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ مَا أَنزَلَ اللَّهُ مِنْ الْكِتَابِ وَيَشْتَرُونَ بِهِ ثَمَناً قَلِيلاً أُوْلَئِكَ مَا يَأْكُلُونَ فِي بُطُونِهِمْ إِلاَّ النَّارَ وَلا يُكَلِّمُهُمْ اللَّهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَلا يُزَكِّيهِمْ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ (174) أُوْلَئِكَ الَّذِينَ اشْتَرَوْا الضَّلالَةَ بِالْهُدَى وَالْعَذَابَ بِالْمَغْفِرَةِ فَمَا أَصْبَرَهُمْ عَلَى النَّارِ (175 ) وفى سورة النحل ( إِنْ تَحْرِصْ عَلَى هُدَاهُمْ فَإِنَّ اللَّهَ لا يَهْدِي مَنْ يُضِلُّ ) (37)). ما رأيك ؟
الاجابة
لا تناقض :
1 ـ الحق واضح مبين وبينات فى القرآن الكريم .
هناك بلايين الناس الذين هم بعيدون عن العمل فى الشأن الدينى لا شأن لهم بما سنقول . هناك أقلية من البشر تتخصّص فى الدين بحثا ودعوة ووعظا . العمل فى الشأن الدينى دراسة ووعظا لا مجال فيه للتوسط ولا للمناطق الرمادية . إمّا أن تعلن الحق صراحة وإما أن تكتمه أو تعلن بالباطل بديلا عنه . فى هذا الاختبار الشديد تجد الذى يتصدى للبحث القرآنى والعمل فى الشأن الدينى يكون واحدا من ثلاثة :
1 / 1 : صنف يعلن الحق ويصبر على الأذى . ومن يقومون بهذا عليهم التواصى بالحق والتواصى بالصبر كما جاء فى سورة العصر . الوصول للحق القرآنى ليس صعبا ، التمسك به وإعلانه هو الأصعب .
1 / 2 : صنف يعرف الحق القرآنى ، ولكن يكتمه خوفا على منصبه وماله وأولاده ونفسه . أى يتخذ موقفا محاديا ، يتجنب التعرض لما يثير السنيون والشيعة والصوفية ، ويتكلم كلاما عاما ، يجعل الكافرين تنطبق على كفار قريش وقوم نوح ومن جاء بعدهم . أى يجعل القرآن الكريم حالة تاريخية لا شأن لها بالواقع المُعاش . هذا الصنف المحايد ملعون إن لم يتُب ، ويعلن الحق . إن تاب وأعلن تاب الله جل وعلا عليه . هذا ينطبق عليه قول الله جل وعلا : ( إِنَّ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ مَا أَنزَلْنَا مِنْ الْبَيِّنَاتِ وَالْهُدَى مِنْ بَعْدِ مَا بَيَّنَّاهُ لِلنَّاسِ فِي الْكِتَابِ أُوْلَئِكَ يَلْعَنُهُمْ اللَّهُ وَيَلْعَنُهُمْ اللاَّعِنُونَ (159) إِلاَّ الَّذِينَ تَابُوا وَأَصْلَحُوا وَبَيَّنُوا فَأُوْلَئِكَ أَتُوبُ عَلَيْهِمْ وَأَنَا التَّوَّابُ الرَّحِيمُ (160) البقرة )
1 / 3 : صنف يكتم الحق ويعلن الباطل ،فإذا إستشهدت له بآية قرآنية مبينة بينة جعلها عوجا ، يعاجز فى آيات الله جل وعلا . أو كما قال جل وعلا :
1 / 3 / 1 : ( الَّذِينَ يَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ وَيَبْغُونَهَا عِوَجاً وَهُمْ بِالآخِرَةِ كَافِرُونَ (45) الاعراف )
1 / 3 / 2 : ( وَالَّذِينَ سَعَوْا فِي آيَاتِنَا مُعَاجِزِينَ أُوْلَئِكَ أَصْحَابُ الْجَحِيمِ (51 ) الحج ).
هذا الصنف هو من أكابر المجرمين ، يستخدم عمله فى إضلال الناس ويأخذ على ذلك الأموال السُّحت . وهذا شأن الأغلبية الساحقة من أئمة الوعاظ والعاملين فى الشأن الدينى اليوم ، من صوفية وسنيين وشيعة ، هم أصحاب الهامات الضخمة والألقاب الفخمة ، إذا رأيتهم تعجبك أجسامهم ، لكن إذا تعقلت كلامهم بصقت عليهم . هؤلاء هم خصوم لرب العزة جل وعلا ، الذى أنزل كتابا مبينا فقاموا بالصّد عنه وإضطهاد من يدعو للاصلاح به سلميا . هؤلاء ستتحول أموالهم الى نار يوم القيامة ، ولأنهم خصوم لرب العزة جل وعلا فإنه جل وعلا لن يكلمهم ولن يزكيهم ، وسيصبرون على العذاب صبرا عجيبا لا مثيل له . قال جل وعلا عنهم : ( إِنَّ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ مَا أَنزَلَ اللَّهُ مِنْ الْكِتَابِ وَيَشْتَرُونَ بِهِ ثَمَناً قَلِيلاً أُوْلَئِكَ مَا يَأْكُلُونَ فِي بُطُونِهِمْ إِلاَّ النَّارَ وَلا يُكَلِّمُهُمْ اللَّهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَلا يُزَكِّيهِمْ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ (174) أُوْلَئِكَ الَّذِينَ اشْتَرَوْا الضَّلالَةَ بِالْهُدَى وَالْعَذَابَ بِالْمَغْفِرَةِ فَمَا أَصْبَرَهُمْ عَلَى النَّارِ (175) البقرة ).
2 : هذا الذى يحترف إضلال الناس وإكتسب بهذا منزلة وجاها وأموالا يستحيل أن يهتدى ، يستحيل أن يعلن رجوعه الى الحق ، لن يرحمه المستبد ولن يرحمه من خدعهم . يخاف من السجن والقتل . قال عنه رب العزة فى سورة النحل ( إِنْ تَحْرِصْ عَلَى هُدَاهُمْ فَإِنَّ اللَّهَ لا يَهْدِي مَنْ يُضِلُّ ) (37)
3 ـ إذا أردت أن تراهم فهم منتشرون كالوباء فى أجهزة الإعلام والسوشيال ميديا يجترُّون الأحاديث الشيطانية.
4 ـ هم أعداء الأنبياء وشياطين الانس . قال فيهم جل وعلا :
4 / 1 : (وَكَذَلِكَ جَعَلْنَا لِكُلِّ نَبِيٍّ عَدُوّاً شَيَاطِينَ الإِنسِ وَالْجِنِّ يُوحِي بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ زُخْرُفَ الْقَوْلِ غُرُوراً وَلَوْ شَاءَ رَبُّكَ مَا فَعَلُوهُ فَذَرْهُمْ وَمَا يَفْتَرُونَ (112) وَلِتَصْغَى إِلَيْهِ أَفْئِدَةُ الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِالآخِرَةِ وَلِيَرْضَوْهُ وَلِيَقْتَرِفُوا مَا هُمْ مُقْتَرِفُونَ (113) أَفَغَيْرَ اللَّهِ أَبْتَغِي حَكَماً وَهُوَ الَّذِي أَنزَلَ إِلَيْكُمْ الْكِتَابَ مُفَصَّلاً وَالَّذِينَ آتَيْنَاهُمْ الْكِتَابَ يَعْلَمُونَ أَنَّهُ مُنَزَّلٌ مِنْ رَبِّكَ بِالْحَقِّ فَلا تَكُونَنَّ مِنْ الْمُمْتَرِينَ (114) الأنعام )
4 2 : ( وَكَذَلِكَ جَعَلْنَا لِكُلِّ نَبِيٍّ عَدُوّاً مِنْ الْمُجْرِمِينَ وَكَفَى بِرَبِّكَ هَادِياً وَنَصِيراً (31) الفرقان ).
5 ـ إذا شاهدتهم يعظون قل باختصار : الشيطان يعظ .

حوار مع الكاتب البحريني هشام عقيل حول الفكر الماركسي والتحديات التي يواجهها اليوم، اجرت الحوار: سوزان امي
حوار مع الكاتبة السودانية شادية عبد المنعم حول الصراع المسلح في السودان وتاثيراته على حياة الجماهير، اجرت