أكذوبة الرجم فى الدين السنى ( 3 ) الرجم تاريخيا : النشأة والتطبيق

أحمد صبحى منصور
2023 / 3 / 16

تشريع العقوبات للمرأة
كتاب ( تشريعات المرأة بين الاسلام والدين السنى الذكورى )
أكذوبة الرجم فى الدين السنى ( 3) الرجم تاريخيا : النشأة والتطبيق
أولا :
الرجم عقوبة تميّز بها الدين السنى : الخوارج والمعتزلة لم يقولوا بالرجم
1 ـ مع اختراع عقوبة رجم الزاني في العصر العباسي الا انها لم تكن محل اتفاق ، ويعترف فقهاء السنة المعاصرون برفض المعتزلة والخوارج لعقوبة الرجم ( سيد سابق : فقه السنة 2/ 347 ، موسوعة الفقه علي المذاهب الاربعة 5/ 69 تأليف عبد الرحمن الجزيري).
2 ـ من الخوارج من ينفي حـد الرجم ويكتفي بالجلد ، ويستشهد بقوله تعالى (الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي فَاجْلِدُوا كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مِائَةَ جَلْدَةٍ) وقد تعرضت أراؤهم للتشويه من جانب الأكثرية من الفقهاء في الطوائف والفرق الأخرى ، والخوارج ليس لهم تراث سني منسوب للنبي بالطريقة التي توجد لدى الطوائف الأخرى ، إذ كانوا ــ في الأغلب ــ يأخذون عن القرآن مباشرة . ثم لم تقم لهم دول ثابتة مثل الدين السنى .
3 ـ إتّخذ المعتزلة موقفا متحرراً من الأحاديث التى كان يرويها السنيون ، وهم من أطلق عليهم المعتزلة لقب ( الحشوية ). لم يعترف أغلب المعتزلة بالاسناد ، شأن أبى حنيفة ، ولم يركزوا على ( الفقه ) فتكلموا فى الالهيات أو الفلسفة الدينية الخاصة بالله تعالي و القضاء والقدر والسمعيات والميتافيزيقيات ، شأن أبى حنيفة أيضا ، لذلك كان رفضهم لحد الرجم الذي لا يوجد في القرآن الكريم .
ونكتفي بدليل علي منهج هذه المدرسة بما ذكره الجاحظ المتوفي سنة 255 في رسالة القيان وهو يتحدث عن عدم تحريم النظر الي النساء يقول ( وكل شئ لم يوجد محرما في كتاب الله تعالي و سنة رسوله ( ص) فمباح مطلق ، وليس علي استقباح الناس واستحسانهم قياس ..) ثم استدل باخبار الصحابة والخلفاء دون ان يذكر اسنادا . ولا ينسي اثناء حديثه ان يتندر بأصحاب الحديث او كما يسميهم الحشوية فيقول ( وهذا الحديث وما قبله يبطلان ماروت الحشوية من ان النظر الاول حلال والثاني حرام ).
4 ـ لذلك كانت بعض روايات السنيين عن الرجم موجهة لخصومهم ، وابلغ مثل علي ذلك تلك الرواية في الموطأ ، والتي جعلوا فيها عمر بن الخطاب يخطب غاضبا يحذر من انكار حد الرجم ، ومن الرواية قوله فيها ( ثم اياكم ان تهلكوا عن آية الرجم ، ان يقول قائل لا نجد حدين في كتاب الله ، فقد رجم رسول الله ( ص) ورجمنا ) ومن سياق الرواية نعرف ان هناك من انكر عقوبة رجم الزاني اكتفاء بعقوبة الجلد المذكورة في الكتاب الحكيم .ولم تنجح احاديث الموطأ بعد موت مالك سنة 197 هـ في اقناع المنكرين لحد الرجم مما حمل البخاري المتوفي سنة 256 هـ علي ان يأتي برواية اخري تقول ان احدهم سأل عبد الله بن ابي اوفي وهو من الصحابة المتأخرين ( هل رجم رسول الله ؟ قال : نعم ، قلت : قبل سورة النور ام بعد ؟ قال : لا ادري ) وجاء مسلم بنفس الرواية في اسنادين مختلفين ، والمستفاد من الرواية ان اصرار منكري الرجم علي الاكتفاء بعقوبة الجلد للزاني لمحصن وغير المحصن حملت رواة الحديث علي صناعة تلك الرواية لتمنع التعارض بين عقوبتي الرجم والجلد .
ثانيا :
نشأة عقوبة الرجم
مدرسة المدينة
من المدينة خرج الحسين ثائرا ، وبعد مذبحة كربلاء ثارت المدينة وأذلّها الأمويون ، كل هذا فى خلافة يزيد بن معاوية الذى ضرب الكعبة بالمجانيق لأن عبد الله بن الزبير تحصّن فيها . واستطاع الأمويون من الفرع المرواني توطيد حكمهم بعد سلسلة من المعارك ، وحتى لا تعود المدينة إلى دورها الثوري المعارض اغرقوا أهلها بالأموال والجواري ، واستجاب لهذا الإغراء الأكثرية ، خصوصا من الشباب من نسل كبار الصحابة مثل الشاعر العرجي حفيد عثمان بن عفان ، وابن عتيق حفيد أبي بكر ، وابن سهيل حفيد سعد ابن ابي وقاص ، وغيرهم ، وأولئك كانوا أساطين المجون في المدينة ، وحفل كتاب ( الأغانى ) لأبى الفرج الأصفهانى بأخبار مجونهم وتاريخ أشهر مطربى ومطربات المدينة . استمر هذا المجون فى العصر العباسى .
وفي المقابل كانت هناك جبهة رافضة ازدادت حقداً على الأمويين على ما فعلوه في الماضي من قتل أهلهم وما اصبحوا يفعلون من إفساد الذرية ، وانقسمت المدينة الى مجتمع ماجن متهتك ، وآخر زاهد رافض وثائر ، لا يستطيع أن يجاهر بالثورة ، ولكنه يستطيع من خلال صناعة الأحاديث أن يضع ما يتمناه من إعدام خصومه الذين يعتبرهم خارجين على الإسلام وعلى أخلاقه الفاضلة . بدأت هذه المدرسة بسعيد ابن المسيب الذي حضر موقعة الحرة واعتكف بمسجد المدينة ، ورأى الأمويين يقتلون وينتهكون حرمات اهله ، وكاد مراراً أن يقتله الأمويون في تلك المعركة وبعدها ، ولم يسلم من إيذائهم وتعذيبهم له ، وكانت عيونهم حوله . لم يترك سعيد بن المسيب تراثا مكتوبا ، مجرد إتجاه دينى فكرى بنى عليه مالك بن أنس .
وقد شهد مالك فشل ثورة أخرى للمدينة فى أوائل العصر العباسى ، أخمدها أبوجعفر المنصور ، وكان ( مالك بن أنس ) هو المفتى لها ، فتعرض للضرب والاهانة ، وأنهى حياته العلمية معتكفا . إحتجاجا على المجون الذى عاشه أهل المدينة إخترع مالك عقوبة الرجم للزانى المحصن ، حيث كان الزناة منهم من تزوج أو من سبق له الزواج ، ورأى مالك أنه لا عذر له أن يزنى طالما لديه زوجة وزوجات وجوارى وسرارى .
بقى من ( مالك ) كتاب الموطّأ الذى أملاه على أكثر من عشرين من تلامذته ، ثم نسبوا له ( المدونة ) ، ونشروا مذهبه فى الآفاق ، كأول مذهب فقهى فى الدين السنى ، وهو أول من دشّن ( الاسناد ) ليعطى مشروعية للأحاديث التى يرتجلها فى مجالسه . وسار على نهجه الشافعى ثم أساطين علم الحديث . ومع إنه إسناد كاذب ومضحك ، وفيه إختلافات فى العنعنات وإختلافات فى تقييم الرواة إلا إنه يحظى بالتقديس والتسليم حتى الآن ، واضاع أئمة الدين السنى أعمارهم قرونا فيه ، ولا يزالون . ! .
مدرسة العراق
وجاءت الخلافة العباسية بدولتها الدينية الكهنوتية فاحتاجت إلى فقهاء السلطان ، فانتشرت روايات الأحاديث ، بل كان أبو جعفر المنصور قبل توليه الخلافة ممّن يروى الأحاديث ، سار عليه من جاء بعده كما جاء فى تاريخ الخلفاء للسيوطى . وحظى تشريع الرجم بانتشار روايته ، أى نما فقه مالك الذى كان مغضوبا عليه فى الدولة العباسية ليصبح أساسا في أحضان الدولة العباسية ، وتتلمذ الشافعي على مالك ، وتوسع في أرائه ، وكان أميل إلى مدرسة المدينة التقليدية المحافظة ، ثم جاء ابن حنبل فكان أكثر تشدداً من الشافعي . وهكذا كان من السهل على ابن حنبل أن يحكم بقتل اليهودي والنصراني إذا زنا أحدهما بالمسلمة ، ويقام الحد على المسلمة إذا لم تكن مستكرهة ، أما إذا تم هذا برضاها فعليها العقوبة .بذلك أصبح حد الرجم متفقاً عليه نظرياً بين المذاهب السنية الأربعة.
تطورات فى مدرسة العراق
1 ـ إشتهرت فى البداية بأنها (مدرسة الرأى ) كى تلاحق مستجدات العراق ، وهو إقليم متنوع جغرافيا وسكانيا وسياسيا ، وليس تقليديا كالمدينة ، ورائدها ابو حنيفة . بعد مقتله انقسمت مدرسته الي ( 1 ) ( محافظين ) كان منهم محمد الشيباني راوي الموطأ وابو يوسف ، وكلاهما خدم قاضيا للدولة العباسية والي ( 2) ( متطرفين في استعمال الرأي الفقهي ) الي درجة اختراع فقه الحيل ، او التحايل علي الاحكام الشرعية بالاراء العقلية .
2 ـ ولكن بدخول الثقافات الاجنبية المترجمة الي العصر العباسي تأسست مدرسة جديدة للتجديد العقلي حاولت التوفيق بين الفلسفات اللاتينية ومدارسها في انطاكية والرها وجندياسبور - والثقافة الاسلامية ، واثمر هذا التلقيح عن بروز مدرسة المعتزلة او كما يسمون انفسهم اهل العدل والتوحيد . وادي ظهور هذه المدرسة العقلية الي توحيد الفقهاء جميعا في اتجاه واحد ضد هذه المدرسة العقلية الفكرية ، ولذلك انتقل الاتجاه المحافظ الي المذهب الحنفي ، وبتوالي القرون صار التجديد الفقهي داخل المذهب الحنفي يجري في اطار تقعيد الثوابت الفقهية التي ارساها مالك من قبل ، وهو زعيم المدرسة المحافظة ، وابرز ما يعبر عن ذلك هو الفقيه الحنفي علاء الدين الكاساني ت 587 هـ ، في كتابه الفقهي الضخم ( بدائع الصنائع في ترتيب الشرائع)..
3 ـ وبموت الشافعي سنة 204 كانت الفجوة قد تحكمت بين المدرسة العقلية التي اطلق عليها خصومها الفقهاء اسم ( المعتزلة ) وبين مدرسة الفقهاء والحديث التي اطلق عليها العقليون ( الحشوية ) أي الذين يحشون عقولهم بالنصوص دون تعقل او فهم . واغرم الخليفة المأمون بالمدرسة العقلية وناصرها في قضية خلق القرآن واضطهد من اجلهم المدرسة الفقهية المحافظة وكان زعيمها في ذلك الوقت احمد بن حنبل والمؤرخ محمد بن سعد ت 222 هـ واستمر اضطهادهم طيلة عهد المعتصم ثم الواثق . .. ثم مات الخليفة الواثق فجأة سنة 232 ، وكان الذي يسيطر علي خلافته هو زعيم المعتزلة ابن الزيات الذي كان يضطهد ولي العهد الذي اصبح خليفته بسرعة تحت اسم المتوكل ، فانتقم المتوكل من ابن الزيات وقتله بعد قصه هائلة من التعذيب ، وتحالف المتوكل مع اهل الفقه والحديث الذين اصبحوا اصحاب السلطة في دولته ، وبعد ان كان لقبهم الحشوية اصبح لقبهم اهل السنة . وبتأثير نفوذهم اضطهد المتوكل المعتزلة والشيعة واهل الكتاب والصوفية ( أي كل الطوائف الاخري ) وتنوع الاضطهاد ليشمل القتل ومحاكمات التفتيش وهدم ضريح الحسين في كربلاء ، والزام اهل الكتاب بلباس معين للتحقير . وصارت تلك السياسة سنة متبعة فيما بعد . اذ استمر نفوذ اهل السنة.
ثم ظهر أبو حامد الغزالي ت 505 الذي وحد بين الصوفية والفقهاء في مواجهة الفلاسفة والمعتزلة .، وبه تكون دين أرضى جديد نسميه ( التصوف السنى ) يواجه دين ( التشيع )والمذهب العقلى للمعتزلة والفلاسفة . وحظى الغزالى بلقب ( حُجّة الاسلام ) وحظى كتابه ( إحياء علوم الدين ) بأنه كاد أن يكون قرآنا .
هذا التراكم عبر القرون جعل الدين السنى الصوفى هو السائد ، وهمّش الأديان والمذاهب الأخرى خصوصا مع إبادة المعتزلة فى القرن الخامس الهجرى فى عهد الخليفة القادر العباسى . وتناست الأجيال التالية أن هناك من رفض عقوبة الرجم ، ويكفينا اننا نجد عسرا في اقناع القارئ بأكذوبة احاديث الرجم مع وضوح تناقضها مع القرآن الكريم .
ثالثا :
التطبيق التاريخي لحد الرجم :
1 ـ ولكن ظلت هذه الروايات مجرد اقاصيص مؤلمة ، اذ لم نجد في روايات التاريخ العباسي الموثقة ما يؤكد تطبيقها . ولنأخذ علي ذلك مثلا بتاريخ ( المنتظم ) للمؤرخ الحنبلي الفقيه المحدث ابن الجوزي ت 597 . وقد راجعنا اجزاءه كلها ( 18 جزءا ) فلم نجد فيه حادثة واحدة تفيد تطبيق حد الرجم ، مع عنايته الفائقة بالتفصيلات الفقهية التاريخية واحتفاله باخبار الفقهاء والمحدثين والوقائع الشرعية ، اللهم الا حادثة يتيمة تعتبر دليلا لنا ، وهي ان يهوديا زني بمسلمة مفهوم انها محصنة ، وكان اليهودي يعمل كاتبا لاحد اصحاب النفوذ واسمه ابن خلف . فقام صاحب الشرطة بضرب اليهودي عقابا له ، فغضب ابن خلف وضرب صاحب الشرطة بحضور اليهود في يوم جمعة ، فاشتدت ثورة الناس علي ماحدث . وكان ذلك في بغداد سنة 336 ( المنتظم 13 / 374 ) ولو كان هناك تطبيق لحد الرجم لاصاب اليهودي والمرأة .
2 ـ وفيما عدا ذلك نتعرف علي تفصيلات كثيرة من المنتظم عن محنة ابن حنبل وصحبه في موضوع خلق القرآن وابتداء نفوذ الفقهاء والمحدثين منذ عصر المتوكل الذي اضطهد خصوم الفقهاء ( المنتظم جـ 11) وعلي النقيض من ذلك نجد تطبيقا لحد الردة ، وهو حد مخترع ايضا ، ولكن تم تنفيذه لظروف سياسية ، وكان ذلك تعبيرا عن تأثر السلطة العباسية بنفوذ الفقهاء ، فقد قتلوا احد الشيعة لأنه يدعو الي مذهبه ، وقال قبل ان يقتلوه : كيف تقتلوني وانا اقول لا اله الا الله ( المنتظم ( 17 / 39 ) وقتلوا ابن فقعس لأنه يشتم السلف وكان ذلك في رمضان 258 ( المنتظم 12/136 ) . ولذلك يقول ابن الجوزي عن اخر شيوخ المعتزلة في القرن الخامس الهجري وهو ابو يوسف القزويني ت 488 انه احد شيوخ المعتزلة المجاهرين بالمذهب الدعاة له ، له تفسير القرآن في سبعمائة مجلد ، وكان يفتخر ويقول : انا معتزلي ، وكان هذا جهلا منه لأنه يخاطر بدمه في مذهب لا يساوي " ( المنتظم 17 / 21- ) وذلك دليل علي اضطهاد المعتزلة وقتها .
3 ـ والمستفاد من ذلك ان الفقهاء في عصر سطوتهم ركزوا علي تطبيق حد الردة المزعوم في اضطهاد خصومهم الصوفية والشيعة والمعتزلة ، دون اهتمام بتطبيق حد الرجم .. وظل هذا ساريا الي ان ظهر محمد بن عبد الوهاب في نجد والتجأ الي العينية وحاكمها عثمان بن معمر ، وفي حوالي منتصف القرن الثاني عشر الهجري قام ابن عبد الوهاب برجم امرأة اعترفت له بالزنا وارادت ان تتطهر طبقا لاسطورة الغامدية .. وبرجم هذه المرأة شاعت سطوة ابن عبد الوهاب في نجد ودخل في دعوته كثيرون. ولذلك فان التيار السلفي الوهابي في عصرنا البائس يضع نصب عينيه ( تطبيق الحدود )؛ الحدود الزائفة مثل الرجم والردة…
واذا عرف السبب بطل – يا صديقي – العجب ..

حوار مع الكاتب البحريني هشام عقيل حول الفكر الماركسي والتحديات التي يواجهها اليوم، اجرت الحوار: سوزان امي
حوار مع الكاتبة السودانية شادية عبد المنعم حول الصراع المسلح في السودان وتاثيراته على حياة الجماهير، اجرت