من ذاكرة التاريخ : حرب الفلوجة الثانية

محمد رضا عباس
2023 / 2 / 27

لم تتعرض مدينة الفلوجة من محافظة الانبار الى قصف وتدمير على يد قوات الاحتلال الأمريكي مثل اخواتها من المدن في الجنوب العراقي , والمدينة لم تكن من مدن الامداد للوصول الى العاصمة بغداد , ولكن هذه المدينة وبسرعة فائقة اصبحت عنوان رفض تغيير 2003 ومركز لإيواء المسلحين المعارضين للتغيير السياسي . كان اغلب المسلحين من المنتمين الى الجماعات الدينية المتطرفة وفلول أعضاء حزب البعث المنحل الفارين بعد ان تلبسوا بغطاء الدين . المدينة دخلت في حرب مع المحتل الأمريكي في بداية عام 2004 على اثر قتل وتمثيل بجثث اربع مقاولين من الامريكان , الا ان الامريكان تخلوا عن المدينة وتركوها على امل ان يقود افراد من سكانها أمور المدينة . ولكن للمرة الثانية أصبحت المدينة تدار من قبل المتشددين وأصبحت شبه مستقلة عن بغداد , يدير شؤونها لجنة تدعى مجلس شورى المجاهدين و قائدها رجل الدين المتطرف عبد الله الجنابي . هذا الرجل اصدر فتاوى وداب على فرض السيطرة على المدينة بواسطة مجموعة من المسلحين قدروها حوالي 2000 مسلحا , 500 منهم غير عراقيين جاءوا من بلدان عربية إسلامية لمساعدة إخوانهم في الفلوجة في محاربة " أعداء الله" والفوز بالجنة .هؤلاء المتطرفين فرضوا على المدينة تعاليم إسلامية صارمة حسب روايات أهالي المدينة , حيث منع اشرطة الموسيقى والأفلام السينمائية والمشروبات الكحولية في حين كانت السيارات تجوب المدينة مشهرة بالمذنبين قبل ان تترك السياط بصمتها على أجسادهم بضربهم ستين او حتى ثمانين جلدة . ولم يكن هذا كل شيء , ففي غرة سيطرتهم ,اقام " المجاهدين " حواجز تفتيش في حين اتخذت عددا اخر منهم في مواقع رماية حول المدينة وقتل بعض السكان لا لشيء سوى لشكوك أثيرت حول احتمال تعاونهم مع الأمريكان كما جرى لشباب مدينة الصدر السبعة , حيث قتلوا رميا بالرصاص بعد ان شوهت أجسادهم من اثار التعذيب .
حاولت حكومة السيد اياد علاوي بحل المشكلة سلميا وبدون تدخلات عسكرية , الا ان حواراتها مع ممثلي المدينة آنذاك قد فشلت . السيد حازم الشعلان وزير الدفاع العراقي في ذلك الوقت ذكر في مقالة له " لماذا الذي جرى في الفلوجة ؟", في صحيفة الشرق الأوسط في يوم 9 كانون الأول 2004 , ان حكومة الدكتور علاوي استنفذت كل سبل العقلانية لتوصل لحل مشكلة الفلوجة , الا انها اصطدمت بالرفض من المسلحين " واشترطوا شروطا تعجيزية لدخول الشرطة العراقية والحرس الوطني بدعم قوات التحالف , وكان من هذه الشروط ان يعلموا عدد القوات , ومدة بقائها في المدينة , وان تكون عملية الدخول تحت مرأهم وبشروطهم ." شروط المسلحين لم تكن معقولة و تحدي صارخ الى هيبة الدولة المركزية في بغداد .
بدء هجوم القوات العراقية وقوات التحالف على هذه المدينة بتاريخ 7 تشرين الثاني 2004 وانتهى بتاريخ 23 كانون الأول 2004 , وأصبحت مدينة الفلوجة ساحة موت ودمار . لقد فاق الدمار في عموم المدينة جميع التوقعات حيث لم يكن هناك منزل لم تصبه قذيفة او اطلاقات مدفع رشاش , بعض البيوت ساوت مع الأرض وكذلك حال المدارس والمساجد . جريدة الحياة ( تشرين الثاني 26 2004) قدرت نسبة الدمار في حي الجولان وحده بحوالي 70% وفي مجموع المدينة نسبة لا تقل عن 50%. اما اعداد القتلى فقد اختلفت الروايات . الحكومة الامريكية قدرتها 1200 , قاسم داود الناطق الرسمي للحكومة العراقية وضع الرقم " اكثر من 2025" واكثر من 1600 معتقل , اما هيئة علماء المسلمين فقد قدرت القتلى 3000 شخصا.
دخول القوات الحكومية والتحالف الى هذه المدينة كشف فظاعة المسلحين و خططهم المعقدة في إدارة عملياتهم العسكرية . وزير الدولة العراقي قاسم داود صرح من ان العمليات العسكرية في الفلوجة قد كشفت مختبرا في احد منازل المدينة, منطقة الضلوعية , لتحضير متفجرات ومواد كيمياوية سامة , وأضاف ان الجنود " عثروا في المختبر على كتيب يتضمن إرشادات لصنع المتفجرات والمواد السامة ومنها الجمرة الخبيثة". اما مراسل جريدة الشرق الأوسط ( 19 تشرين الثاني 2004) فقد كشف النقاب وهو يتجول في المدينة بعد تحريرها من المسلحين عن أماكن غرف الإعدام والتي كانت منتشرة ما بين احياء الطبقة المتوسطة." في هذه الغرف يتم فيها التحقيق مع الضحايا ومن ثم يتم قتلهم اما بأطلاق الرصاص عليهم او بقطع رؤوسهم .
و عثر رجال البحرية الامريكية على " المسلخ" وهو مكان كان يذبح به ضحايا المسلحين و يعتقد ان السيدة مارغريت حسن , المسؤولة عن المنظمة الدولية للأعمال الإنسانية في العراق , قد ذبحت به . وقبل خروج الجنود الأمريكيين من هذا المبنى سمعوا نقيرا على الحائط مما دفعهم الى القيام بعملية تفتيش أدت الى العثور على رجل موثق اليدين في حمام قال لهم انه سائق تكسي . كما عثروا على رجل اخر محتجز في حمام وكان من عائلة غنية من بغداد. وكان الخاطفون طالبوا بفدية مقدارها 250 الف دولار لأطلاق سراحه . يقول الجندي الذي شاهد الحادث " قال لنا الرجل : اريد العودة الى العراق ... فقلنا له انه في العراق , فتفاجا بذلك لان خاطفيه كانوا سوريين ." وقال هذا الجندي قد " تم العثور على الأقل 10 مصانع لصنع القنابل و عشرة مواقع للعمليات في القطاع الشمالي الغربي من الفلوجة." هذا وقد أشاد امام وخطيب المسجد الحرام في مكة المكرمة الشيخ عبد الرحمن عبد العزيز السديس ب " فلوجة الصمود " داعيا لله " لكشف كربتكم و تفريج غمتكم في زمن قل فيه الناصر والمعين."

حوار مع الكاتب البحريني هشام عقيل حول الفكر الماركسي والتحديات التي يواجهها اليوم، اجرت الحوار: سوزان امي
حوار مع الكاتبة السودانية شادية عبد المنعم حول الصراع المسلح في السودان وتاثيراته على حياة الجماهير، اجرت