من ذاكرة التاريخ: فشل مشروع فيدرالية محافظة ديالى العراقية

محمد رضا عباس
2023 / 2 / 1

كانت محافظة ديالى المحافظة الثانية بعد صلاح الدين في استجابتها الى دعوة السيد أسامة النجيفي في تأسيس إقليم للسنة في والتي أطلقها من واشنطن. محافظة ديالى تقع في الوسط الشرقي من البلاد وتحدها من الشمال السليمانية وصلاح الدين ومن الشرق إيران والغرب بغداد ومن الجنوب محافظة واسط. ففي يوم 12 كانون الأول من عام 2011 , أعلن عضو مجلس المحافظة السيد زياد احمد عن موافقة اغلب أعضاء مجلس المحافظة الى تحويلها الى إقليم. وجاء في البيان الذي تلاه " نعلن اليوم 12 كانون الأول 2011 قرارنا بطلب إقامة إقليم ديالى مع الحفاظ لها وحدة العراق والالتزام بالدستور بعد ان تم اليوم التوقيع بأغلبية أعضاء مجلس محافظة على تشكيل الإقليم.. ووفق الإجراءات التي حددها القانون". وأضاف البيان ان هذه الدعوة تأتي " استجابة لضغط أبناء المحافظة من شيوخ عشائر ومثقفين ووجهاء , ونخب اجتماعية ". وعن أسباب دعوة المحافظة للتحول الى إقليم , قال البيان " كان لابد لنا ان نسلك جميع السبل التي من شانها تقدم أفضل الخدمات والحياة الحرة الكريمة الامنة لأهلنا ". هذا ووافق على تشكيل الإقليم 15 عضوا من أصل 29 عضوا من مجلس المحافظة.
على الرغم من دستورية الطلب , الا ان الطلب لم يستقبل بالقبول والترحاب من جميع مكونات المحافظة , والتي تعتبر عراقا مصغرا لتنوع سكانها , وهذا ما كان متوقع. المحافظة لم تستقر سياسيا وامنيا منذ عام التغيير , حيث ظهرت الخلافات الاثنية والطائفية فيها. اثنية بسبب مطالبة إقليم كردستان بضم مدينة خانقين ومندلي و بلدروز اليه بدعوة ان اغلب سكانها من الاكراد , واصبح الإقليم هو المتحكم الحقيقي فيها , خاصة وان الحكومة المركزية كانت مشغولة بمحاربة عناصر تنظيم القاعدة في المحافظة.
اما الجانب العربي , السنة والشيعة, والذين شاركوا العيش سوية على ارض المحافظة منذ مئات السنين , فان العلاقة بين المكونين قد تراجعت بعد عام التغيير , بعد ان أصبحت المحافظة وكرا لتنظيم القاعدة وايغالهم في قتل أبناء المكون الشيعي فيها. لقد صب تنظيم القاعدة على أبناء المكون الشيعي في المحافظة أنواع القتل والفواجع بدون قدرة الحكومة المركزية السيطرة على الامن فيها , مما اضطر أبناء المكون الشيعي تأسيس مجاميع مسلحة يطلق المناوئين لها تسمية " المليشيات" لملاحقة عناصر تنظيم القاعدة ومن يتعاون معه وتخليص المحافظة من شرهم. ولكن تبقى هذه القوات غير نظامية وغير قانونية ومن السهولة انزلاق بعض افرادها من الخروج عن القانون , على الرغم من نبل أهدافها وهي محاربة القتلة الإرهابيين. وفي ظل عدم وجود إدارة عليا تنظم أهدافها وصلاحياتها , فان الخلافات والتوترات والتشنجات بين هذه المجاميع المسلحة وبين أبناء المكون الاخر يكون متوقعا. المعارضون لهذه القوات اعتبروها قوات ميليشياوية , طائفية , تقتل على الهوية وتهجر السكان من مدنهم ودورهم بتهم الإرهاب او التعاون مع الإرهابيين , وانهم يحاول تغيير التركيبة السكانية وجعلها محافظة شيعية. لقد أصبح كل مكون ينظر الى تحركات المكون الاخر بالريبة والحذر , وفي هذه الحالة اعتبر الشيعة في المحافظة محاولة تحويل المحافظة الى إقليم , انما كانت دعوة لاحتكار المكون السني لهذه المحافظة واعتبارها اقليما سنيا. ولهذا السبب كان رد الفعل من قبل المكون الشيعي في المحافظة ردا عنيفا وقاسي ولا يخلوا من مخالفات قانونية سرد بعضها الكاتب عبد الناصر المهداوي في مقاله " الفيدرالية في العراق نظام يحقق الامن ويسهم في الاعمار".
مع رفضنا لردود الأفعال السلبية من قبل المجاميع الرافضة لتحويل المحافظة الى إقليم , الا ان من العدل القول ان دعوة تشكيل إقليم ديالى كانت ليس في الوقت المناسب وللأسباب التالية:
أولا, ان دعوة مجلس محافظة ديالى الى تحويل المحافظة الى إقليم بسبب تردي الخدمات كان سبب غير مقنع , خاصة وان تردي الخدمات كانت ليست مشكلة محافظة ديالى وحدها , وانما مشكلة العراق بكامله.
ثانيا, لقد جاء طلب تحويل المحافظة الى إقليم ليس بسبب قناعة المجلس بفائدة هذا النظام في إدارة المحافظة , وانما بسبب نقص الخدمات , وهي دعوة مرفوضة كما ذكرنا أعلاه.
ثالثا , جاءت الدعوة الى تأسيس الإقليم, والمحافظة كانت غارقة في خلافات سياسية ونزاعات طائفية ذهب فيها الالاف الضحايا من أبناء المحافظة الشيعة والسنة. وعليه فان أي طرف يحاول المطالبة بتأسيس إقليم سيقاوم الطلب بالرفض من الجانب الاخر.
رابعا , وجود مناطق في داخل محافظة ديالى متنازع عليها , لم تحل وبذلك فان من المستبعد موافقة مجلس الوزراء على تحويلها الى إقليم. المادة 140 من الدستور العراقي قضت ان يكون هناك إحصاء لعدد سكان المناطق المتنازع عليها , تعويض المتضررين من قرار نقل ملكية المناطق المتنازع عليها , واجراء استفتاء لأبناء المحافظة . ان تحويل المحافظة الى إقليم سوف يزعج إقليم كردستان , وربما يؤدي الى نزاعات مسلحة بين الطرفين. وهذا ما كان يقلق النائب عن المحافظة مظهر الجنابي والذي أكد ان دوافع اعلان إقليم في ديالى غير مقنعة لان جميع المحافظات العراقية تعاني من مشكلة نقص الخدمات. والقى الجنابي في بيان له " باللائمة على الحكومات المحلية لتلكؤها في انجاز المشاريع التي من شانها تحسين واقع الخدمات التي تقدم للمواطنين ". وأوضح ان " تشكيل الإقليم امر دستوري ولا يمكن لأي جهة سياسية الاعتراض عليه الا ان الاعتراض كان على توقيت المطالبة بتشكيل الإقليم". وأشار الجنابي الى " صعوبة تحول محافظة ديالى في الوقت الحالي ما لم يتم حل مشكلة المناطق المتنازع عليها ضمن الحدود الإدارية للمحافظة."
لقد كشفت مطالبة كلا من محافظة صلاح الدين وديالى بالإقليم , ان الطريق نحو الفيدرالية غير معبد وانه محفوف بالمخاطر في أوقات الازمات السياسية . كان أول الرافضين لإقليم ديالى هي الكتلة الكردستانية في مجلس المحافظة والتي رفضت اللحاق المناطق المتنازع عليها ضمن الإقليم المقترح , فيما حملت جبهة الحوار في القائمة العراقية الأحزاب الإسلامية تكرار دعوات الأقاليم , اعتبرت كتلة البيضاء ان دعوات تشكيل الأقاليم غير قانونية لعدم ترسيم الحدود الإدارية للمحافظات. وقال عضو كتلة التحالف الكردستاني دلير حسن في حديث ل " شفق نيوز " ان تحالفه حصل على ضمانات شفاهية من باقي الكتل التي وافقت على تشكيل إقليم ديالى بضم المناطق المتنازع عليها الى إقليم كردستان. واكد حسن , ان " كتلة التحالف الكردستاني كان توقيعها مشروطا بعدم شمول المناطق المتنازع عليها ضمن الإعلان عن تشكيل إقليم ديالى ", مشيرا الى ان " في حال شعور كتلة التحالف بعدم التزام الأطراف الأخرى بوعودها وضماناتها فأنها ستعيد النظر بهذا الموضوع".
من جهته قال القيادي في جبهة الحوار المنضوية في القائمة العراقية حامد المطلك في حديث ل " شفق نيوز" , ان " الأحزاب الإسلامية التي تدفع باتجاه تشكيل الأقاليم تسعى لتقسيم العراق". ويتابع المطلك , ان " هناك أيضا الأحزاب الإسلامية في الحكومة التي دفعت أهالي المحافظات بالمطالبة بالإقليم من خلال ممارساتها القمعية والتهميش في اتخاذ القرارات الخدمية و الاعمارية" , موضحا ان " إقامة الأقاليم طريق غير مضمون النتائج , وقد يؤدي الى تقسيم العراق , وهذا ما نرفضه رفضا قاطعا". وحذرت جماعة علماء العراق في بيان لها من ان " السعي لإقامة الأقاليم سوف يعقد الامر وينذر بعواقب خطيرة من أهمها الخلاف على ما يسمى بالمناطق المتنازع عليها ", داعية " جميع السياسيين والمسؤولين في محافظة ديالى ان يحتكموا الى العقل والحوار وان يقدموا مصلحة الوطن والشعب على مصالحهم".
وبدورها قالت المتحدثة باسم الكتلة البيضاء عالية نصيف في بيان لها , " ان الدعوات التي انطلقت من عدد من مجالس المحافظات لتشكيل أقاليم تتعارض مع قرار أصدرته المحكمة الاتحادية سنة 2007 ", مضيفة انه " في سنة 2007 صدر قرار من المحكمة الاتحادية أبطل أي اعلان عن فيدرالية او إقليم باعتبار ان الحدود الإدارية لم يتم حسمها بعد". وتوضح نصيف ان " اية دعوة لإقامة إقليم هي دعوة مخالفة للقانون والدستور , بل اننا لا نستبعد أيضا ان تصب هذه الدعوات في خانة تقسيم العراق وفق اجندة خارجية", مبينة ان " الإعلان من قبل مجلس المحافظة بمفرده عن تشكيل إقليم غير كاف , اذ لابد ان يصادق عليه ويمرره مجلس الوزراء". هذا وكان رئيس الجمهورية الراحل جلال طالباني قدم , في تشرين الأول من عام 2011 , مشروع قانون الى مجلس النواب يقضي بأعداد ترسيم الحدود الإدارية للمحافظات المشمولة بالمادة 140 من الدستور الى ما كانت عليه قبل تغييرها , الا ان القائمة العراقية قد رفضت المشروع , عادة إياه بانه يمكن ان يشعل ازمة في غير أوانها وسط أزمات يشكو منها العراق إضافة الى التدهور الأمني والاقتصادي الذي يعاني منه العراقيون , بحسب بيان صدر عن المستشار الإعلامي للعراقية هاني عاشور.
هذا وعلق الكاتب الأستاذ مؤيد عبد الستار على صرعة التراكض نحو الإقليم بالقول , ان " انشاء إقليم او إقامة فيدرالية ليست رغبة فردية , او حلم مجموعة من الناس سواء اكانوا محرومين او مهمشين او حالمين.. وانما هو قضية مصير شعب ودولة". الأستاذ مؤيد يصف تأثر تبني الإقليم او الفيدرالية على المجتمع مثل ذاك الشخص الذي يثقب سفينة في مكان جلوسه , والذي سيغرق الثقب صاحبه وكل من معه.
ويتحدث الكاتب مؤيد عن ملتزمات نجاح الفيدرالية في العراق لترتقي الفيدراليات في العالم المتقدم مثل أمريكا وألمانيا وسويسرا بالقول " من يريد العمل على إنجازه ( الحلم بالفيدراليات الدول المتقدمة ) من قبل الجميع وتوفير مستلزمات تحقيقه على أسس نزيهة لا على أسس عنصرية او طائفية او مذهبية , وبعد ان يبلغ المستوى الثقافي والمعاشي للمواطنين درجة مقبولة , لا الحاضر الذي يفتقد فيه المواطن ابسط الخدمات ويعاني من البطالة والجهل والإرهاب , لان إقامة إقليم او فيدرالية لا يقل عن إقامة دولة , وليس من اليسير اقامتها بنزوة او جرة قلم او تصويت عدد من موظفي المحافظة الذين لا يعرفون إدارة بلدية صغيرة". ثم يقدم السيد عبد الستار خيار اخر للعراق بدلا من فوضى الأقاليم " اليس من الأفضل العمل على تحقيق الرفاه الاقتصادي للمحافظة ومعالجة مشكلة البطالة وتطبيق برامج محو الامية ونشر التعليم وتخصيص الموارد المالية للتغذية المدرسية لإشباع بطون الطلاب الفقراء ودعم اقتصاد الاسر الفقيرة والارامل وإنجاز المشاريع الخدمية والإسكان وزيادة تخصيصات البطاقة التموينية...الخ". وينهي الأستاذ مؤيد كلامه مرددا بيت للشاعر الكبير أبو الطيب المتنبي
اذا كانت النفوس كبارا تعبت في مرادها الاجسام.

حوار مع الكاتب البحريني هشام عقيل حول الفكر الماركسي والتحديات التي يواجهها اليوم، اجرت الحوار: سوزان امي
حوار مع الكاتبة السودانية شادية عبد المنعم حول الصراع المسلح في السودان وتاثيراته على حياة الجماهير، اجرت