كيف فقدت بغداد رونقها وتراثها؟

محمد رضا عباس
2022 / 12 / 4

لو بعث الله قادة ثورة العشرين العراقية من قبورهم و لاحظوا أحوال بغداد هذه الأيام لفضلوا الموت والرجوع الى قبورهم , ولو رجع من تغنى ببغداد من الشعراء والكتاب الى الحياة ثانية , لاستبدلوا غزلهم بها الى رثاء . بغداد تحتضر بعد ان نزعت ثوبها البغدادي المعروف . اندثرت بيوتها المتميزة بهندستها , أصاب ازقتها الإهمال وتراكم النفايات , فيما اتخذت العوائل الفقيرة بيوتها المتهالكة ملجأ عسى ان تقييهم من حر الصيف وقساوة الشتاء البارد ,وتبدلت لهجتها المتميزة .
شوارع بغداد المعروفة بأصلتها البغدادية ونظافتها ومحلاتها التجارية التي كانت تبعث البهجة و السرور في قلوب المارة بها, اختفت وحل محلها البسطات والجنابر , هرج ومرج الباعة, تراكم النفايات , ودخول عربات التك تك , فأصبحت بغداد مدينة من مدن الهند الفقيرة , وهي كانت ام الدنيا , انها المدينة التي كانت لا تنافسها لندن ولا باريس و روما . الان , بغداد تعد من اسوء عواصم الدنيا , وهو عار سيلاحق كل من حكم العراق بعد سقوط الحكم الملكي عام 1958 .
واذا كان تدهور حالة بغداد قد بدء بعد انهيار النظام الملكي , فان تدهورها اصبح على اشده بعد تغيير عام 2003 . الميزانيات الانفجارية التي كانت تتباهى بها الحكومات , كانت تكفي لإعادة اعمارها لو صرف منها 10% على بغداد وتعافت ورجعت الى عزها ومجدها , ولكن انا للذين اداروها , فكيف يرتجى من مسؤول على ادرتها وهو لا يعرف اين تقع مدنها , أسماء محلاتها , وشوارعها , ولم يعرف تاريخها , أهلها , وثقافتها . لقد ابتلت بغداد بمسؤولين عن ادرتها , من غير بغداد . وكيف نتوقع من مسؤول عن اناقة العاصمة , الاناقة والجمال , وهو يجهلهما ؟ لقد تركت هندسة بغداد للفاسدين والمرتشين , حتى اصبح الاستحواذ على الأرصفة واضافتها الى الدور حالة تجدها في معظم اقضية بغداد . والغريب ان كل هذا يمر من تحت انظار المسؤولين . بل اصبح المسؤول يخاف تطبيق القانون خشية من العداوة والدكات العشائرية .
حتى نكون صريحين , بغداد احتضنت اكثر من قابليتها من أبناء المحافظات , حتى ذابت خصوصيتها بخصوصيه النازحين لها ,أي انتهت الثقافة البغدادية وحلت محلها ثقافة النازحين الريفية , وهي حالة تستحق الدراسة واستخلاص العبر منها , لأننا نعرف ان النازحين هم من يتبنى ثقافة صاحب الدعوة , وليس العكس . بغداد جللتها ثقافة الوافدين لها . بكل اسف , اصبح الجار لا يعرف جاره , بل حتى يتجنب التعرف عليه ! شوارع الاحياء السكنية أصبحت تغط بالباعة الغرباء مما زرع الخوف والترقب من سكان هذه الاحياء لكثرة الجرائم التي تقع كل يوم . أطفال , البعض منهم لا يتجاوز عمره ثمان أعوام اما يستجدون واما يعرضون بضاعتهم على ركاب السيارات وفي بعض الأحيان يطلقون عبارات نابيه على من لا يشتري منهم . هذه الظاهرة تشاهدها تقريبا مع كل توقف للسيارات . انها ظاهرة جديدة لم تعرفها بغداد من قبل .
زحف الريف الى بغداد ليس فقط غير ملامحها , وانما خلق ضغط هائل على الخدمات الحكومية , فنشب عنه نقص في كل مجال الخدمات , من الطب الى المدرسة الى الطاقة الكهربائية الى الازدحامات المرورية الى السكن والقائمة تطول . بل زحف تردي الخدمة حتى الى محلات البقالة و القصاب, الصيدلية الاهلية , التكسي, الفنادق , والمطاعم . اصبح المواطن في بغداد يحذر التعامل معهم بدن عين مفتوحة . في مثل هذه الظروف يصبح ليس من الغريب ان يعتدي ذوي المريض على طبيبه , او ذو الطالب على معلمه , او أقارب صاحب سيارة على شرطي المرور . كان هناك شرطي واحد يحمي باب المستشفيات في بغداد , الان يقف شرطي على كل ردهة .
بغداد لم تعرف العشائرية والدكات العشائرية , ولم تكن العشيرة محل اهتمام البغداديين , لان اهل بغداد يحترمون القانون ويعتبرونه المرجع الأخير لحل مشاكلهم, بكل اسف وضع القانون على الرف ,واصبح البغدادي بين مطرقة العشائرية وسندان مراكز الشرطة . اصبح حل نزاع دهس مواطن غير متعمد محله مضيف العشيرة وليست المحكمة , واصبح ابن بغداد مضطرا لقبول الحل العشائري , لان دخول التوقيف سيكلفه المال الكثير , بعد ان تمدد الفساد الى اعلى المراتب الأمنية . انها قضية أصبحت تؤرق المثقفين واعيان البلدات , وموضوع تحدث عنه وزير الداخلية العراقي السيد عبد الأمير الشمري الى زعماء بعض العشائر . لقد اخبرهم الوزير ان يثقفوا أبنائهم على احترام القانون واحترام اخلاق المدينة .
ولكن لا يستطع العطار اصلاح ما افسده الدهر . العشائرية أصبحت واقعا في بغداد , واصبح البغدادي والذي كان بالأمس يرفض العشائرية يضطر بوضع اسم عشيرته الى اسمه , حتى يهابه الاخرين او على الأقل لا يتعدى على حقوقه احد ,وبالطبع كلما كانت العشيرة كبيرة وصاحبة نفوذ في الحكومة كلما كانت محترمة ويخافها الاخرون. وهكذا اصبح لكل حل مشكلة سعر معين يتفق عليه المتخاصمون, جزء كبير منه يذهب الى العشيرة .
ولو تحدثت مع أي صاحب محل وامام محله بسطة او جنبر , لأخبرك انه في مشكلة , حيث ان المسكين لا يستطع منعه , خوفا من عشيرته وأبناء عمومته المتواجدين في اطراف المدن او حتى استيرادهم من محافظاتهم ان دعت الحاجة لها. صاحب المحل يعرف جيدا , ان خلف ظهر صاحب البسطة رجال في سلك الشرطة والامن و رجال في بلدية العاصمة . وهكذا , اصبح هناك نوع من التشنج وعلاقات غير مريحة بين الباعة , طالما تنفجر بين حين واخر. هذه الظاهرة هي الأخرى كانت غير معروفة في بغداد , حيث كان التجار يقضون امسيتهم سويتا في المقاهي الليلية و المساجد و الامسيات العائلية. اصبح هناك انفصال بين الباعة المتجاورين , واصبح هناك انفصال بين الباعة والمشترين . البائع اصبح ينظر الى المشتري ليس عميل له قد يرجع اليه في قادم الأيام , وانما زبون تنتهي علاقته به بنهاية الصفقة .
وطالما وانه لا توجد وشائج تربط بين من يعيش في بغداد , اصبح الموظف الحكومي لا يرى من المراجع الا شخص ينغص يومه ولابد ان يتخلص منه بكل الوسائل ما لم يقدم له المقسوم , الرشوة . طبعا لا احد سيطالبك بالمقسوم او دفع فاترة عشاء له ولعائلته , لأنه هناك اشخاص من يقومون مقامهم وهم , الكتاب ( العرضحلجية ) والذين تجدهم متجمعين في باب الدوائر الحكومية . هؤلاء الكتاب هم المخولين بتقرير حجم الرشوة وتوصيلها الى الموظف او الموظفين في الدائرة الحكومية .
لقد سببت غياب الوشائج بين البغداديين او من يعيش في بغداد محنة كبيرة للفتاة البغدادية , الفتاة البغدادية أصبحت ضحية تصرفات زوجها الذي ينحدر من الأصول الريفية . الطلاق اصبح سهلا ميسورا , بعد ان كان صعبا ونادرا . الزوج اصبح يطبق على فتاة بغداد ما كان متبع في الريف , وهذا سبب كثرة الطلاق في العراق وخاصة بغداد . العنف الاسري اصبح رقم كبير تحذر منه وزارة الداخلية .
لقد قضيت أيام شبابي في بغداد وتخرجت من احد جامعاتها ولم اسمع ان هناك مخدرات تباع في الأسواق والجامعات و قرب المدارس الابتدائية . كل ما كنت اسمع ان هناك اشخاص يستعملون الترياق وهي مادة مخدرة تهرب من ايران . هذه الأيام أصبحت اخبار المخدرات تتصدر عناوين الصحف والاخبار المحلية . مرة أخرى , لو احصينا باعتها لوجدناهم من غير اهل بغداد . هؤلاء الباعة ينظرون الى بغداد على انها سوق كبير ولا يهمهم من يستخدمها طالما تجلب لهم الربح الوفير. انهم لا يملكون الارتباط الى بغداد والى ناسها ولا يهمهم ان انحرف ابن او بنت فيها .
ومام هروب نخب واعيان بغداد او الانزواء في دورهم حل محلهم طبقة جديدة غريبة لتمثل مدنهم واقضيتهم , وهذا ما يعانيه أبناء المدن الاصلاء . انهم ينظرون الى مستقبلهم ومستقبل مدنهم بيد غرباء لا يفقهون كثيرا من تراثهم وعاداتهم وشعائرهم . لقد لاحظت ذلك في مدينة الكاظمية في زيارتي الأخيرة الى العراق . أبناء هذه المدينة ينظرون الى من يديرها ناس غرباء عنهم , وقد فرضتهم المرحلة السياسية الجارية . انهم يقولون ان الغرباء من تسبب بتخلف هذه المدينة , وهم الان يستجمعون قوتهم من اجل اعادتها الى ابناءها . انهم يقولون ان تسلط الغرباء عليها كان السبب فان تتحول المدينة من سوق عراقي عملاق الى مدينة تجمع الفقراء من كل حدب وصوب .
ما العمل لإرجاع بغداد الى عافيتها ؟
سوف لن أطالب بترحيل سكانها الذين لا يحملون جنسية عام 1957 , لان هذا القرار ظلم ويخالف روح الحرية ,حرية المواطن بالتنقل واختيار العيش في المدينة التي توفر له متطلبات الحياة . وسوف لن أطالب البرلمان بتشريع قوانين تحث بإرجاع المدينة الى عصرها الذهبي . المثل العراقي يقول اترك المستحيل وطالب بالمستطاع . لا يمكنني المطالبة بإرجاع بغداد الى عافيتها وشوارعها أصبحت لا تستوعب عدد السيارات فيها, الطاقة الكهربائية ما زالت شحيحة , بعض المدن في بغداد تعاني من نقص خطير لمياه الشرب, النفايات أصبحت علامة فارقة لبغداد ولا اعرف كيف يقبل محافظ بغداد او امينها حالها , البيوت العشوائية تتكاثر , التجاوزات على الطرق العامة لا تعد ولا تحصى . بالكلام المختصر انظر الى منظر بوابة بغداد ومنظر بوابة الامارات او السعودية او ايران .
ان من كسر ظهر بغداد بعد التغيير هي الأحزاب السياسية والطريق الوحيد لإعادة بنائها هو دعم جميع الأحزاب المشاركين في إدارة الدولة العراقية , عرب وكرد , سنة وشيعة . الحكومة الحالية ستكون اخر حكومة يقودها الشيعة ان لم تستطع انجاز ما عاهدت الشعب عليه . وان فشل إعادة الحياة الى بغداد يعد فشل لجميع قادة العراق , لان الطير الذي لا يستطع بناء عش له سوف يموت وان طال الزمن . والقيادة التي لا تستطع تعمير عاصمتها لا تحترم لا من ابناءها ولا من الغرباء . بعد إعادة بناء بغداد يصبح من السهل على من يدير بغداد فرض شروطه على سكانها, وبالقانون ترجع بغداد قوية محترمة يهابها القريب والبعيد , وترجع بغداد مكان للشعر والادب .
هذا ليس حلم , وانما حقيقة واقعة تعيشها كل عواصم العالم . لندن بقت على خصائصها اللندنية على الرغم من مرور الف سنة على بنائها , وعلى الرغم من دخول موجات بشرية هائلة لها . الضيف يجب احترام ثقافة مضيفه , وان لم يكن الاحترام طوعيا , فان هناك قوانين يرجع اليها . ولاية نورث كرالينا الامريكية دخلها التقدم ويدخلها الملايين من الزائرين كل عام , الا ان هذه الولاية حافظة على خصوصيتها وطريقة العيش فيها . وانت تدخل لها تشعر وكأنك تدخل الى مدينة من عصر الحرب الاهلية ولكن يجللها التقدم الحضاري حيث تجد فيها كل ما تجد في واشنطن ونيويورك و كاليفورنيا .

حوار مع الكاتب البحريني هشام عقيل حول الفكر الماركسي والتحديات التي يواجهها اليوم، اجرت الحوار: سوزان امي
حوار مع الكاتبة السودانية شادية عبد المنعم حول الصراع المسلح في السودان وتاثيراته على حياة الجماهير، اجرت