يحيى بهرام ..والقصّة المُحرّفة!

سنان سامي الجادر
2022 / 7 / 22

لقد جَرت مُحاولات عديدة لتحريف التأريخ المندائي من قبل المُستشرقين, وخاصّة من الذين يعملون للمؤسسات الدينيّة اليهوديّة والمسيحيّة المُتطرّفة وبتمويل منها. وغالباً كانت تلك المُحاولات تتركّز على دَس معلومات خاطئة عن الدين المندائي وعن رجال الدين المندائيين.
ومنها قصّة أنقراض الشيوخ المندائيين بسبب الطاعون عام 1830، وبعد ذلك كيف عادت الدارة بتكريس شابين لنفسيهما (يحيى بهرام) من دون عهد من قبل رجال الدين. وقد ذَكَرَ هذه القصّة عدد من المُستشرقين منهم المُستشرق بيترمان والمُستشرق ماكوك ( Rudolf Macuch) والذي هو كان مبعوثاً من الكنيسة اللوثرية في سلوفاكيا, وبعد ذلك أعادت نشرها المستشرقة بوكلي (Jorunn J. Buckley).

وحيثُ أن أصل هذه القصّة هي أنها كانت قد نُشرت في أوروبا عام 1953 أعتماداً على هوامش أو تذييل مخطوطة وحيدة (مصبوتا اد هيبل زيوا), والتي كان قد تمّ الادعاء بأنها قد نُسخت من قبل الشيخ يحيى بهرام عام ١٨٣١ مُباشرة بعد نهاية وباء الكوليرا (اسموه بالطاعون), وهذا هو المصدر الوحيد للقصّة المأساويّة والتي روّج لها المُستشرقون وأتباعهم.

ولكن مَن هو يحيى بهرام؟ (مصدر2)
هو يحيى بهرام بر آدم يهانا بر سام بهرام بر سعدان بر مسعد بر مسعود بر سرار اللقب خميسي الكنيانة ريش دراز.

نَسَب مُعلّمه
رام زهرون بر سام بهرام الكنيانة عزيز اللقب درّاجي.

أنَّ يحيى بهرام وقصته حسب الادعاء كانت قد حَدَثت عام 1831, وحيثُ أنّ موضوع القصة يعود إلى كون يحيى بهرام في تذييل المخطوطة التي ذكر بها حوادث ذلك الزمان, قد تَحدّثَ بتعابير مجازيّة عن كون الطاعون لم يُبقي أحد من الشيوخ وهو كان يقصد الشيوخ في مناطق محددة, وليس جميع الشيوخ في جميع مناطق المندائيين المُنتشرة في مدن جنوب العراق وجنوب وغرب إيران, ومنها سوق الشيوخ والجبايش والقرنة وقلعة صالح والبصرة إلى المُحمّرة والأهواز وشوشتر وغيرها. وحيثُ أنه كان قد ذهب إلى شوشتر هارباً من المُحمّرة عندما هاجمها الحاكم العُثماني، وذلك بأنه وفي نفس التذييل يتحدث عن كونه كان في البصرة عام 1838 وفي تلك السنة فيقول “قَدِمَ إليه المندويّة وهُما الكنزبرا صَكر وترميدا شبوط وقاما بأخذه إلى سوق الشيوخ ”محلة المركب, وتأريخياً فأن شيوخ العائلة المندويّة كانوا موجودين في تلك الفترة بقوّة في سوق الشيوخ وفي مناطق أخرى, من عائلة الشيخ بهرام وأولادهم وأحفادهم. وهذا أحد الهوامش من نسخة كتاب الكنزا ربا للشيخ مُرّان الصابوري (الأصلية في مصدر1), وهو يتحدث عن نفس أحداث سنة 1830-1831, وبأن أحداث الوباء طالت المندائيين بشدّة في مناطق البصرة والحويزة والقرنة فيقول باللُّغة العربيّة العاميّة.

الصفحة ١
“وقد تم فراغ هاذي السيدره في يوم الحد سابع بشهر ثالي الربيع بسنت الف ومايتين وسبعه وتسعين..
وانكان تنشدون عن شيخ صحن ابن شيخ صقر ابن شيخ بهرام المندوي صاحب مضيف وانشاالله ينطيه ويعلي مكانه ماهو مخلي شاي لاعلا صبي ولاعلى مسلم ويااخوان هل تجون من عقبنه تفسير مندايي ماتعرفون كَتَبنا الكم عربي..”
… ويا اخوان هل تجون من عقبنه تفسير مندائي ماتعرفون كتبنا الكم عربي ويا اخوان احنا شفنا شوف عيونه بسنت 1246 (1830-1831م) اجا موت كثير ماتو من الصبه والاسلام ضلو الموته بالطريج والكلاب تاكل بيها وندفن ومانلحق وضل اربع تشهر بلدنيا وفك ومومنين ماتو بالموت اهلهم وعيالهم اهل البصرة واهل الحويزة واهل القرنه ما ضل منهم احد ضلو تواليد من المومنين لايندلون ولايقون

الصفحة ٢
“وياخوان هل تجون من بعدنا عن شيخ صحن ابن شيخ صقر ابن شيخ بهرام بلعلم والوساعيه مامن احسن منه ولايجي غيره واحنا يادبعاد ايداتنا حساده كيف الله راظي عليه وناطيه من تعب ايدا عند دكاكين طين وعندا سفن ويبذل من تعبهن وهل مومنيه ماجاعد يحوش منها شي وكل مهر جرشين والباجي لربعه واناسينا هم مخلينا يوخرون الزين ويجدمون الردية وهذا الدور هيك
وتمت هاذي السيدره بسنت الخميس طالعها سنبلة وقد تمت من يد .. الفقير شيخ مران ابن شيخ زهرون ابن عزيز ابن فاروق ابن نيروز ابن خيري ابن شيخ مهتم كنياني صابور”

وبعد ذلك يتحدث بكون عائلة الشيخ بهرام المندوي كانت مسؤولة عن الطائفة مُنذ خمسين عاماً, أي لفترة تعود إلى ماقبل الطاعون.

الصفحة ٣
“ومن السنتين دارت لبيت شيخ بهرام المندوي شيخ صقر وولاده وضلت بيديهم خمسين سنه عليهم شيخ داموك وشيخ صحن اهل مضيف وزاد من كل خاطرهم وجهن يضحك يحبون ويرحبون والناس حسدتهم والعين لعبت بيهم وياهم مومنين وياكلون بهل نعمه .. واهو صاحب زين ماطلعت منه والله ناطية وراضي عليه وسع الخاطر والحكي كثير ماينكتب”

ومن هذا التذييل المُهم نعرف بأن حادثة موت بعض الشيوخ كانت مُقترنة بمُدن البصرة والحويزة والقرنة فقط ولم تصل إلى جميع مناطق المندائيين.

وحيثُ أنّ جامعة تل أبيب كانت هي وراء نشر وتوزيع هذه القصّة المُحرّفة, وتلقفها صديقهم الأستاذ ماجد فندي المباركي وأدّعى بمقالته (مصدر3) التي نشرها ووزعها في أوروبا ومناطق أخرى, بأن حادثة موت الشيوخ في الطاعون كانت شاملة وكاملة ولم تُبقي أي أحد من الدارة وروّج بأن الدين المندائي كان قد أنقرض, وبعد ذلك كرّس شابين لنفسيهما من دون عهد من أحد رجال الدين الحقيقيين! ولا نعرف أيضاً لماذا أدعى بأن يحيى بهرام هو جدّنا الشيخ بهرام والد الشيخ صكر والشيخ بدر؟ وحيثُ أنّ مصادر المُستشرقين جميعاً لم يقولوا هذا؟ وكذلك لم يتحدثوا عن الإنقراض المزعوم للشيوخ!

أنّ المُحرّفين لهذه القصّة يَذكرون يحيى بهرام والذي كان بعمر العشرينات حسب قوله في التذييل, وكأنه هو الذي كرّس أجدادنا الشيوخ المندويّة الكبار مثل الكنزبرا صَكر وأخية الشيخ بدر وأبنائهم وأبناء عمومتهم الشيوخ الآخرين مثل الترميدا شبوط والشيخين بهرام ورام وأبيهم الشيخ يحيى والشيخ زبد الشيخ رام. كما وأنّ الدرجات الدينيّة في ذلك الزمان لم تكن كما هي الآن, وإنما كانوا يقتدون بمنداادهيي الذي يُذكر في الكنزا ربا على أنه الكنزبرا العظيم!

وحتى أنّ أبناء الكنزبرا صَكر الشيخ دامْوك وأخيه الشيخ صَحَنْ كانوا موجودين, والأخير هو تولّد 1805 أي أنه كان أكبر من يهيا بهرام في ذلك الوقت وجميع هؤلاء هُم أبناء سُلالة معروفة وكبيرة من الشيوخ القُدامى في بلاد الرافدين (مصدر4), على عكس يحيى بهرام الذي لا يعرفه أي أحد, ولا حتى من العائلة الخميسيّة الكبيرة والعريقة التي نَسَبَ نفسه إليها, فكما مُثبّت في الأزهار بأنه خميسي, وبالتالي فأنّ الأزهار برمّته مشكوك به. ولو عُرِفَ السبب لبطلَ العَجب, لأن إسرائيل كانت وراء هذا البحث المُغرض فهم أسياد التزوير والتزييف. ولأنها تنزعج من كون الدين الأول الذي أُنزِلَ على آدم لايزال حياً وبدون إنقطاع, ولهذا فهُم يُريدون تصوير الموضوع وكأن هُنالك إنقطاعاً قد حَدَثَ فيه. وبينما الكُتُب الدينية وسلاسل رجال الدين من العوائل المندائيّة تَشهد جميعها بأن لا إنقطاع قد حَدَثَ مُنذُ بداية الزمان ولغاية الآن.

المصادر

1. مقالة : الحقيقة وأهل الكُشطا, سنان سامي الجادر

https://mandaean.home.blog/2019/07/22/%d8%a7%d9%84%d8%ad%d9%82%d9%8a%d9%82%d8%a9-%d9%88%d8%a3%d9%87%d9%84-%d8%a7%d9%84%d9%83%d9%8f%d8%b4%d8%b7%d8%a7/

2. Yahia Bihram’s Narrative Colophons Part 1 : DC 35 ، MATTHEW MORGENSTERN، Tel Aviv University

3. مقالة منشورة في موقع المكتبة المندائيّة, حرق المُحمّرة, مؤيد مكلف سوادي
https://www.facebook.com/permalink.php?story_fbid=3258726930833655&id=124950227544690&__tn__=K-R

4. مقالة: الكُنية المندائيّة السومريّة “إكوما – أسوَد”, سنان سامي الجادر
https://mandaean.home.blog/2021/05/02/%d8%a7%d9%84%d9%83%d9%8f%d9%86%d9%8a%d8%a9-%d8%a7%d9%84%d9%85%d9%86%d8%af%d8%a7%d8%a6%d9%8a%d9%91%d8%a9-%d8%a7%d9%84%d8%b3%d9%88%d9%85%d8%b1%d9%8a%d9%91%d8%a9-%d8%a5%d9%83%d9%88%d9%85%d8%a7-%d8%a3/

حوار مع الكاتب البحريني هشام عقيل حول الفكر الماركسي والتحديات التي يواجهها اليوم، اجرت الحوار: سوزان امي
حوار مع الكاتبة السودانية شادية عبد المنعم حول الصراع المسلح في السودان وتاثيراته على حياة الجماهير، اجرت