مملكة ميسان المندائية

سنان سامي الجادر
2022 / 6 / 18

أنّ الفلسفة الدينية المندائية كانت تعتمد على تشفير الأسرار الربانية للمعرفة الناصورائية
“الكَلِماتُ الخَفيَّةُ مَخفيَّةٌ ومَصونةٌ في أسفارِها” الكنزا ربا اليمين

وذلك خوفاً من وقوعها عند الأشخاص الخطأ
“لاتُلْقِ القولَ الكبيرَ في المياهِ العَكِرة, ولاتُعطِ التَّألُّقَ والمعرفةَ والتسبيحَ والقولَ الخفيَّ إلى النّاقصينَ والكَفَرة ” الكنزا ربا اليمين

لقد عمد المؤرخون المنتمون إلى الديانات المُسيطرة, على طمس الشواهد لأي نتاج ديني- فلسفي أو معرفي أو أدبي عن فكرة معرفة وتوحيد الخالق لدى الديانة الموحّدة الأولى التي سبقتهم إليها وهي المندائية, حيثُ أنّهم كانوا ولا يزالون يُشيرون إلى المندائيّة بتسمية الغنوصية. وهذه التسمية لم تأتي من فراغ وإنما هي لأجل دمجهم مع جميع الفرق الأخرى التي تأثرت أو أنشقّت عن المندائيين بعد الميلاد, وآخرها كانت الديانة المانوية في القرن الثالث الميلادي. وبالتالي لكي يتم اعتبار المندائية وكأنها هي المانوية وقد أتت بعد الميلاد بقرون, بل وحتى يُمكّنهم ذلك من تصنيفها بأنها فرقة مُنشقّة عن المسيحية, وليست دين خاص ومنفصل وقبل المسيحية بكثير!!! وقد بينا بطلان التشابه بين الدين المندائي والفرق الغنوصيّة الهجينة في بحث سابق (مصدر1)

لقد قامت الديانات التبشيرية ، وعلى مر العصور بتدمير جميع النتاج المعرفي والأدبي للمندائيين في جميع الأماكن وخاصة بما تبقى من معقلهم في مملكة ميسان (مصدر2) بعد تدميرها على يد الساسانيين سنة 222 ميلادية, وكذلك فعلوا مع كتب الفلاسفة والمُفكرين القُدماء في بلاد وادي الرافدين مهد الحضارات القديمة (مصدر3), ومن ثم استغلّ اليهود هذا الموضوع وربطوا جميع الخيوط الدينية والمعرفية بهم فقط (مصدر4).

وفي أحيانٍ قليلة نَجَت بعض من تلك النصوص الجميلة والتي تُشير إلى أفكار الفلسفة المندائية, أو ما أنشق عنها وكوّنَ الفِرق الأخرى المُقلّدة لها مثل الفرق المسيحيّة الغنوصية والمانوية , وكان بعض من القساوسة المسيحيين في العصور القديمة يُخفونها خوفاً عليها من التدمير المُمنهج المُتّبع من قبل الكنيسة. وفي أحيان أخرى كانت بعض تلك الأعمال المُكتشفة حديثاً تقع في أيدي العلمانيين الذين يرون فيها كنوزاً ثقافية ولا يُبالون بسُخط الكنيسة, ولكنهم وفي جميع الأحوال لا ينسبوها للمندائيين وإنما (للغنوصيين) وطبعاً لا يقولون أبداً أنها كُتِبت قبل الميلاد وإنما يُصنفونها بعد الميلاد وحتى ولو بسنوات!!!

ومن تلك النصوص الفريدة سوف نأخذ النَص الذي تمت تسميته بترنيمة اللؤلؤة أو ترنيمة الروح.

حيث وُجدَ هذا النَصْ الديني الجميل والفريد بالسريانية واليونانية (مصدر 5&6 الترجمة العربية والإنكليزية), ولكن تبقى لُغته الحقيقية غير مُحددة وهي رُبما تكون الآرامية الشرقية (المندائية) وذلك لأن اللغة السريانية (الآرامية الغربية) ليست هي لغة النصْ الأصلي ولكنها مُشابهة نوعاً ما, وبسبب وجود كلمات خاصّة باللّغة المندائيّة فيها بالإضافة لتشابه الفلسفة.
فيَعجب المحللون التاريخيون في عصرنا الحالي من ذكر أسم ميسان بجانب بابل العظيمة, وحيث أن شواهد الحضارة في مملكة ميسان لم يتبق منها شيئاً بعد تدميرها من قبل الساسانيين عام 222 ميلادية, ولكن قبل ذلك التأريخ كانت معقل الناصورائيين والمندائيين (مصدر2) ومن ثم أكملت الحملات الدينية العسكرية للأقوام اللاحقة الخِناق على المندائيين وطاردتهم حتى هرب الناصورائيون منهم إلى الأهوار وتعايشوا هناك بسلام وسرّية وهدوء.

نحن هنا سوف نكتفي بسرد التشابه بين هذا النصْ والفلسفة المندائية الدينية, وذلك لأن جميع البحوث الخاصة بأصل هذا النصْ كانت قد أعدّت من قبل القساوسة المسيحيين نفسهم, وحتى أنهم وضعوه ضمن أعمال الرسل لمجموعة سانت توماس وجعلوها ضمن التراث المسيحي. وبالتالي فلا نعوّل على حياديتها تجاه تبعية النصْ وتحليله.

يمكن قراءة ترجمة النص الكامل من (المصدر7)

يَذكُر النصْ مدينتي بابل وميسان بل ويُعطي الأهمّية لميسان بأنها المكان الذي ينطلقُ منهُ الأمير (المُخلّص) في رحلته الخطِرة في سبيل جلب الكنز أو اللؤلؤة والتي بقيت في مصر. حيثُ ترمز ميسان إلى مكان التعبُد والتدين والتوحيد, ومدينة بابل إلى الطقوس الوثنية التي تُقدِس الكواكب السبعة, ومصر إلى بلاد عقيدة الموتى والتي تُريد الخلود الأبدي في الدُنيا الفانية.

المقطع الأول
حيثُ يتحدّث المقطع الأول في ترنيمة اللؤلؤة عن تربية البطل الذي نشأ في مملكة أبيه في الشرق وقد كانَ سعيداً مبتهجاً, وحيثُ يُشبِّه القِيَم والتعاليم التي تربّى عليها بالذهب والفضة والأحجار الكريمة.
وفي الكنزا ربا نجد العديد من المقاطع التي تتحدث عن تكليف الملائكة بالمهام الخطرة (وخاصة الملاك هيبل زيوا وبثاهيل) والذين كانوا تربوا سعداء في مملكة الأنوار.

” من ضياءِ أبي الزَّخرِ أتيتُ .. قالَ لي قُم يابٌنَيَّ لِتَبدأَ رحلَتَكَ الخَطِرَة” الكنزا ربا اليمين

المقطع الثاني
يتحدّث عن ترك البطل لرداءه المتلألئ وعباءته والتي ترمز إلى نفسه المثالية وتبقى في العالم المثالي (مشوني كشطا), ثُمَّ يسجلون العهد على قلبه وهو وَسمَه الذي وُسِمَ به خوفاً من أن ينسى, وطبعاً يكون الوَسم للحي العظيم هو أهم شيء للمندائي. ثم يُكلفوه بأن يذهب إلى مصر (بلاد عقيدة الموتى) ولكي يجلب اللؤلؤة (النشمثة) التي يحرسها التنين والموجودة في وسط البحر, والتنين هو شهوات الجسد والعالم الفاني. والبحر هُنا يرمز للظلام وفي المندائية يسمى بحر سوف العظيم الذي يجب على النفس عبوره لكي تصل إلى عالم الأنوار, ثُم يذهب البطل ومعه أخواه (مساعداه) لأن الإخوة في عالم مشوني كشطا هُم أخوة الكشطا (الحق والعهد) وليسوا أخوة الجسد, ولأنه كان صغيراً جداً.

وكذلك نجد نَصْ مُشابه في هبوط المُخلص, هيبل زيوا أو واهب الضياء (الكنزا ربا اليمين ترجمة بغداد) الأبن الذي أكرموه بأن عدّلوه وقوموه وأعطاه أبوه (مندااد هيي) رداءه الخاص, ثُم أرسلوه في مُهمته الخَطِرة إلى أكوان الظلام ومعه مُساعِداه, ثُم يَخرُج برحلته الخطرة من عالم النور إلى عالم الظلام.
” كنزَ الحياةِ الذي يؤخَذُ من هنا .. ويُلبسونَهُ كساءَ اللَّحمِ والدَّم .. لباس العالَمِ الفاني” الكنزا ربا اليمين

المقطع الثالث
يتحدّث عن الانطلاق من ميسان مكان أجتماع تُجار المشرق, أي أنه أنطلق من المدينة التي تربى فيها دينياً عندما لَبِسَ الجسد الفاني, ثُم ذهب إلى بابل وبعد ذلك إلى مصر حيثُ سَكَنَ بجوار جحر التنين مُنتظراً لفرصة أن ينام التنين ولكي يأخذ أللؤلؤة. حتى تعرّف على شاب من جنسه (له نفس المُعتقد) لأنه جعل هذا الشاب يُساعده في مطلبه وهو الحصول على أللؤلؤة من التنين.

المقطع الرابع
ثُمّ كان البطل قد حذّرَ صديقه من مُعاشرة القذرين خوفاً من أن يتعلّم منهم, ولكنه في الأخير لَبِسَ مثل ثيابهم, أي أنه حاول أن يتشبّه بهم خارجياً لكي لايُحاربوه ويوقظوا التنين ضدّه, وهذا رُبما كان انه قد غيّر مُعتقده ظاهرياً ولكنهم عرفوا ذلك وخدعوه وأغروه أن يأكُل طعامهم, أي أنهم جعلوه يفعل أفعالهم السيئة والفاحشة, حتى نسي أصله وذلك لأن التواصل مع ذاته المثالية في عالم مشوني كشطا قد أنقطع لأنه لم يعُد صالِحاً فسقَطَ في النوم العميق ونسي مُهمّته ولؤلؤته, وأصبح يعيش مثله مثل الناس هناك, ولكن أبوه قد عَلِمَ بحاله فجَمَعَ نبلاء مملكته ووضع خُطّة لإنقاذه من ضلاله ولكي لايبقى في بلاد الموت التي لا يصعدون منها لبلد النور.

” الآنَ سَيتَغلَّبُ عليَّ الخاطِئون .. سَيُعلِّمونَني ممّا يَعلَمون, ويُكلِّمونَني كما يَتَكلَّمون, فَيُنسُونَني مَن أكون .. وسَأهبِطُ إلى الأعماقِ التي إليها يَهبِطون .. يغوصون فلا يَصعَدون” الكنزا ربا اليسار

” أقَّمتُ في ثوبِ الظّلام .. فجعلتُ نفسي جزءاً من الظلام .. وحزنتُ في ثوبِ الباطلِ والآثام ” الكنزا ربا اليسار

” ستصعّدُ نشماثا الناصورائيّين, الَّذين لم يأكلوا أكلَ الفاسدين, ولاكانوا عابثين ولافاسقين ” الكنزا ربا اليمين

المقطع الخامس
ثُمّ كتبوا له رسالة ذكروه بها بأصله وبلؤلؤته وبعباءته (دموثا) ووضعوا أسمائهم جميعاً عليها وختمها أبوه الملك بيده اليُمنى لكي لا يستطيع الأشرار الإستيلاء عليها, وهم هُنا أولاد بابل الذين كانوا يعبدون الكواكب السبعة رمز الشر.

المقطع السادس
وفي هذا المقطع تطير الرسالة على شكل النسر (وهو رسول الحي) وتأتي إلى البطل وتتحول إلى كلام يتطابق مع الكلام الذي كانَ قد طُبِعَ على قلبه عندما كان في بيت أبيه وهو وسمَه الذي وُسِمَ به, فيستيقظ من سُباته ويأخُذ أللؤلؤة من التنين بعد أن يستخدم كلماته التي أتت من بلاد أبيه وهي التسابيح.

” قال لي..فتعالَ معَ الرَّسولِ الّذي إليك جاء..لماذا تبقى داخلَ المعمورة .. لِمَ تَترُكُ ثوبَكَ الطّاهِر وتلبسُ ثيابَ العصيان .. أنشقَّ قلبي نصفَين, وملأَ دمعي العينَين .. هل يوجدُ من ينزعُ ثوبَهُ الطَّاهرَ, ويلبسُ ثيابَ الخاطئين؟” الكنزا ربا اليمين

” أرسلَ إليَّ رسولَهُ الأمين, فانتزَعَني من الخاطئين ” الكنزا ربا اليسار

” هَلُمِّي .. هَلُمِّي أيَّتُها اللؤلؤةُ التي من كنزِ الحيِّ أُخِذَتْ ” الكنزا ربا اليسار

” أيَّ سلاحٍ تبتغين, أمضى من السِّلاحِ الَّذي تَحملين؟ مَعكِ النّاصورائيّة, الكلماتُ الصَّادقةُ الحيَّة” الكنزا ربا اليسار

المقطع السابع والثامن
ثُمَّ يصِفُ كيفَ أنه يخلع الثياب الغير نظيفة التي كان يرتديها ثياب الخطيئة, ويعود ليرتدي ثيابه الطاهرة اللامعة بعد أن تقوده رسالة أبيه وتُساعده في ُسفره في رحلة العودة ويَصِل إلى ميسان, ليرتدي الثوب اللامع (الرستة البيضاء) أي أنه يعود ليُصبِحَ تقياً وصالحاً.

المقطع التاسع والعاشر
يَصِف كيف أنه مُتلهف للقاء عباءته التي فارقها ولكنه يجد نفسه فيها وأنها مُتطابقة معه ويجدُ كنوزه التي كان قد تركها عندما سافر وهو صغير أي أنه يتحد معَ الدموثا. ويفهَم بأن حياتهُ كان مُقَدراً لها أن تجري بهذا الشكل سَلَفاً
ثُمَّ يعودُ إلى ضياء أبيه (حيثُ أنَّ كلمة زيوا وهي الضياء بالمندائية نجد بأنهم حاولوا أن يُترجمونها إلى كلمة جلالة)

” أيَّتُها اللؤلؤةُ الطّاَهرةُ التي من كنوزِ الحيِّ أُخِذَتْ .. وإلى كنوزِ الحيِّ عادَتْ .. طارَتْ نشمثا بأجنحةِ أدْعيَتِها وصَلَواتِها .. ووَصَلتْ إلى بابِ بيت هَيي .. فأتى المُخَلِّصُ لمُلاقاتِها كان الأكليلُ البَهيجُ في يَدَيه, والرِّداءُ على ذراعَيْه” الكنزا ربا اليسار

” خارجٌ أنا للقاءِ شَبيهي
وخارجٌ شَبيهي للِقائي
حَنا عليَّ, وحَنَوتُ عَليه
كأنَّني عائدٌ من السَّبيِ إليه ” الكنزا ربا اليسار

المصادر

1. مقالة: الناصورائيّة والمندائيّة ..وليس الغنوصيّة, سنان سامي الجادر

https://mandaean.home.blog/2022/05/09/%d8%a7%d9%84%d9%86%d8%a7%d8%b5%d9%88%d8%b1%d8%a7%d8%a6%d9%8a%d9%91%d8%a9-%d9%88%d8%a7%d9%84%d9%85%d9%86%d8%af%d8%a7%d8%a6%d9%8a%d9%91%d8%a9-%d9%88%d9%84%d9%8a%d8%b3-%d8%a7%d9%84%d8%ba%d9%86%d9%88-2/

2 كتاب ماني والمانوية, ترجمة زكار.

3 مقالة: تزييف الكتاب المقدس, أ. د. زينب عبد العزيز أستاذة الحضارة الفرنسية

https://saaid.net/daeyat/zainab/260.htm

4 مقالة: الكتاب المقدس….وظاهرة التلاعب بالنصوص!, جعفر الحكيم

http://m.ahewar.org/s.asp?aid=582853&r=0&cid=0&u=&i=0&q=

5 مقالة: ترتيلة الروح ( اللؤلؤة ) الرافدينية في الأدب الآرامي, عضيد جواد الخميسي

https://mufakerhur.org/%D8%AA%D8%B1%D8%AA%D9%8A%D9%84%D8%A9-%D8%A7%D9%84%D8%B1%D9%88%D8%AD-%D8%A7%D9%84%D9%84%D8%A4%D9%84%D8%A4%D8%A9-%D8%A7%D9%84%D8%B1%D8%A7%D9%81%D8%AF%D9%8A%D9%86%D9%8A%D8%A9-%D9%81%D9%8A-%D8%A7/?fbclid=IwAR2NG3L4q7S3B5Ee3xg-mkwzgC5LS3dri8b7hAYEfWAmsZWVhGnj4zhBhTk

6. Full text of "The Hymn of the Soul Contained in the Syriac Acts of St. Thomas"

https://archive.org/stream/Bevan1897TheHymnOfTheSoulContainedInTheSyriacActsOfStThomas/Bevan%201897_The%20Hymn%20of%20the%20soul%20contained%20in%20the%20Syriac%20Acts%20of%20St%20Thomas_djvu.txt

7. مملكة ميسان المندائية, سنان سامي الجادر

https://mandaean.home.blog/2019/05/13/%d9%85%d9%85%d9%84%d9%83%d8%a9-%d9%85%d9%8a%d8%b3%d8%a7%d9%86-%d8%a7%d9%84%d9%85%d9%86%d8%af%d8%a7%d8%a6%d9%8a%d8%a9-%d8%a7%d9%84%d8%ac%d8%b2%d8%a1-%d8%a7%d9%84%d8%ab%d8%a7%d9%86%d9%8a/

حوار مع المفكر اليساري عدنان الصباح حول دور واوضاع اليسار في المنطقة العربية عموما وفلسطين بشكل خاص
د. اشراقة مصطفى حامد الكاتبة والناشطة السودانية في حوار حول المراة في المهجر والاوضاع في السودان